ضفتا الخليج.. المبالغة في الهواجس ومتطلبات الواقع

بلال اللقيس
الأناضول
الأناضول
شارك الخبر
يعاد استحضار تاريخ العلاقة لضفتي الخليج على وقع التحولات والاتجاهات العالمية والإقليمية الصاعدة والناشئة، وواقعية إمكانية جسر العلاقة التي شابها ما شابها من توتر وأفهام متباينة. وفي حين يحاول البعض تضخيم الحذر من إعادة إطلاق مسار العلاقة وترميمها لغاية في نفسه، إلا أن المسار الذي كانت فاتحته بإيقاف المملكة حربها في اليمن ثم بدء الحوار المباشر مع إيران برعاية صينية، وما أعقبه من تبادل دبلوماسي بعد انقطاع تلته مراجعة اندفاعها إلى مسار التطبيع مع إسرائيل، مرورا بتمايز سياستها الفعلي عن النظام الإماراتي، وليس آخرها مضيها في سياسات أوبك وأوبك+ متجاوزة اعتراض الإدارة الأمريكية.. كلها كانت عناصر يمكن التوقف عندها بإيجابية باعتبار ذلك واقعية بدأت تشق طريقها في بنية تفكير المملكة وتصوراتها لسياستها.

وأيضا هناك تحولات داخلية اقتصادية واجتماعية في المملكة لا شك ساهمت في تهدئة المقاربات وموازنة الحسبة الكلية، فالاقتصاد ولا سيما في رؤية 2030 يحتاج أولا إلى الأمن، والأمن هو أمن الجميع في جنبي الخليج.

على الجانب الإيراني أيضا، يمكن أن نلمس تطورا في النظرة. فالرؤية التي أسس لها قائد الثورة السيد علي الخامنئي من أولوية دول الجوار والعلاقة معها، والذي انعكس تحسنا بيّنا في العلاقات مع أفغانستان وباكستان ومصر وتركيا والعراق وقطر، وما تناهى في الإعلام عن دعم للجيش السوداني، وإصرار إيران على التوجه شرقا لتجعل من موقعها بيضة قبان وحاجة للعالم الجديد الناشئ في ظل التنافس الدولي والانزياح نحو الشرق.. كلها عوامل دفعت وتدفع تدريجيا لخلق بيئة أفضل للحوار بين ضفتي الخليج وبالذات المملكة.

كما كان صمود إيران وتحدي الولايات المتحدة المفصل الأهم في هذه السيرورة، وما أعقب ذلك من نجاح إيران في تحدي الولايات المتحدة وفرض معادلة كبرى وقواعد خطاب اعتبرت تطمين قوى المنطقة العربية بل والتنسيق معها أبرز مفردات هذا الخطاب..

ولعل لطوفان الأقصى ودماء أهل غزة وأطفالها ومظلوميتهم وصمود مقاوميها؛ أفضال جليلة على المنطقة كلها لم نكن لندركها حينها، كان منها إعادة التفكير عند البعض بحقيقة المشروع الصهيوني والمخاطر الوجودية والكيانية فيما لو انتصر نتنياهو، ففرمل طوفان الأقصى مسار التطبيع ومسار أبراهام الذي كادت أن تسير فيه المملكة -ولو حدث ذلك لكانت المنطقة أمام صراع مدمر لأنه كان سيكرّس هندسة المنطقة بين العرب وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية- وأطلق عوضا عن ذلك نوعا من إرادة بينية مضافة للحوار والتعاون.

كما أن الظروف الدولية لها دالتها لتحسين أرضية للتقارب، فعمليات التركيب الجديدة لعالمنا في مرحلة ما بعد الأحادية الأمريكية؛ كان الفشل في الحرب على إيران والعجز لاحقا عن فتح مضيق هرمز أهم تمفصلات مسارها منذ حربي أفغانستان والعراق، ثم تقدم الصين بخطوات اقتصادية أكثر موثوقية مع الشعوب مقايسة بأمريكا التي اعتمدت سياسة "الإهانة والابتزاز"، والفوضى التي أحدثها ترامب في النظام العالمي وطروحاته لتحالفات تقوم على العبء المشترك (بكلمة أخرى العبء على حلفائه) ثم تخليه عن حلفائه وعجزه عن حمايتهم كما أكدت التجارب، وصولا لمسار حلف الناتو الذي بات يعاني من تصدع فعلي، وغير ذلك من الأسباب الاقتصادية والقيمية والاجتماعية التي لفحت العالم كله.

فهذه كلها عوامل ساعدت على بناء أرضية غير رخوة للحوار الشفاف والمباشر، بعيدا عن التصورات المسبقة أو التحيزات المعرفية التي تلقفناها عن بعضنا من خلال الكتاب ومراكز الدراسات الغربية ومؤسسات الاستشارات الأمنية ونخب الإعلام المنقوعة إلى حد الثمالة بالفكر الغربي ومدرسته السياسية.

وعليه، فالعوامل المنطلقة من الإرادة ثم تلكم الموضوعية الأخرى الإقليمية والدولية؛ كلها صبت لصالح مسار الحوار والحاجة إليه بل وضرورته بين الضفتين. هل لهذا الحوار أن ينجح ويتقدم؟ تجارب القرن العشرين حافلة، وبالإرادة وموازنة المصالح كل شيء ممكن. فما بين القوى الأوروبية في القرون الماضية لم يكن عداوة فقط، بل محو عواصم تحت جنازير الدبابات وملايين من القتلى والآلام وآهات تاريخية امتدّت وبؤس وبؤساء، ومع ذلك تمكنت من إعادة بناء العلاقة وتشكيلها من خلال مسار متدرج وإطلاق خطاب جديد أخذا بمصالحها المشتركة، حتى وصل بها الحال إلى صيغة اتحاد!!

في الخلاصة، إن ما يجمعنا من قيم ومصالح مشتركة، وقبل ذلك وبعده من قيم ثقافية ودين، كبير جدا ولا يوجد نظير له في العالم، وإذا استكملنا المسار بهدوء وتؤدة وبناء ثقة، وأبعدنا نظرية المعضلة الأمنية التي حاول الغرب تصميمها في الخليج لعقود، فإن أفقا واعدا وحقيقيا ممكن أمامنا. فقد اكتشفت الولايات المتحدة أنها غير قادرة على هزيمة ضفة من الضفتين، فكيف إذا تعاون الصفتان!!

الخلافات ليست بالقدر الذي لا يمكن تجاوزه، كيف وأن المستقبل وموقعنا فيه رهن تفاهمنا وتعاوننا الجمعي، وليس جهد آحادنا. ولعل الاختبار لهذا المسار متاح من أمن مضيق هرمز وتعاون القوى الإقليمية فيه، إلى التعاون الاقتصادي والعلمي، إلى مقاربتنا لمخاطر دور الكيان الصهيوني وتحدي غزة، وليس انتهاء بلبنان والتعاون فيه بما يقوي دولته ويحفظ خصوصيته ويضمن عناصر قوته ويرفع التهديد الإسرائيلي عنه ويضمن مخرجات الطائف التي باتت مهددة إذا لم تتضافر الجهود (وأظن أن حزب الله والمقاومة منفتحون على ذلك).

كل هذا وغيره الكثير لا يمكن أن يتحقق إلا بتعاون ضفتي الخليج ودعم وإسناد كل من باكستان ومصر وتركيا والعراق وقطر وعُمان. ولا بأس من خطوة بسيطة لكن مهمة تشكل بادرة رمزية معبرة، وذلك أن نطلق من الآن فصاعدا على هذا الخليج اسم "الخليج الإسلامي"، كما عرض قائد الثورة الإسلامية السيد علي الخامنئي. علينا أن نتطلع إلى المستقبل، فالعالم يفتح صفحة جديدة ولا يصح أن نبقى نصّعب على أنفسنا تقاربنا لأسباب كلها ليست معشار ما وقعت فيه دول ومجتمعات لا تحمل ما نحمل من إرث ثقافي وأخلاقي ثرٍ.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)