في مساء مزدحم داخل حافلة تربط بين حي شعبي ووسط العاصمة
المغربية، الرباط، كانت شابة عشرينية تقلّب هاتفها بصمت بينما يتحدث الركاب حول عيد الأضحى وارتفاع الأسعار.
وعندما مرّ نقاش سريع عن
الانتخابات المقبلة، قالت دون أن ترفع رأسها: "في 2021 قالوا إنّ التغيير قادم، واليوم حتّى الراتب لم يعد يكفي نصف الشهر".
وبسخرية قصيرة، أجابها رجل تبدوا على ملامحه آثار الشّقاء، بالقول: "ربما حان دورهم ليتذوقوا غضب الناس". ذلك الغضب، الذي يتسلل يوميا من الأحاديث الصغيرة في الحافلات والأسواق والمقاهي إلى النقاش السياسي العام، بات مزاجا ثقيلا يسبق انتخابات 2026؛ مزاج مشبع بالخيبة وتراجع الثقة والإحساس بأن الوعود لم تغيّر شيئا في تفاصيل الحياة اليومية.
اظهار أخبار متعلقة
ومع اقتراب موعد الاقتراع، يطفو سؤال مركزي داخل المشهد السياسي المغربي: هل يتحول هذا الاحتقان إلى تصويت عقابي جديد يعيد رسم الخريطة السياسية كما حدث في انتخابات 2021؟.
ذاكرة 2021.. حين انهار "البيجيدي"
في ليلة إعلان نتائج انتخابات 8 أيلول/ شتنبر 2021، بدا المشهد السياسي المغربي وكأنه يتعرض لزلزال مفاجئ.
حزب العدالة والتنمية، الذي قاد الحكومة لولايتين متتاليتين واحتل صدارة المشهد منذ عام 2011، انهار بصورة غير مسبوقة.
من 125 مقعدا إلى 13 فقط. مثّل ما وصف آنذاك بـ"سقوط مدوٍّ" جعل الحزب ينتقل من القوة السياسية الأولى إلى المرتبة الثامنة خلال ساعات قليلة.
داخل مقر الحزب بالرباط، كان الصمت أثقل من أي خطاب سياسي. قيادات الحزب تحدّثت يومها عن "نتائج غير مفهومة" و"اختلالات" و"حملات استهداف"، فيما تساءل سعد الدين العثماني، وهو رئيس الحكومة السابق، علنا: "كيف يُعاقَب الحزب دون غيره من مكونات الأغلبية؟".
في السياق نفسه، ولكن هذه المرّة، خارج المقرات الحزبية، كان تفسير آخر ينتشر بسرعة أكبر داخل الشارع المغربي، وهو ما وصف بـ"العقاب السياسي".
إلى ذلك، خلال سنوات حكمه، انتقل حزب العدالة والتنمية، في نظر جزء واسع من قاعدته الانتخابية، من حزب يقدم نفسه باعتباره حاملا لمشروع "الإصلاح" و"محاربة الفساد"، إلى حزب يمارس السلطة بمنطق براغماتي مشابه لخصومه التقليديين.
وارتبط اسم الحزب، بقرارات اجتماعية قد أثارت غضبا واسعا، من إصلاح التقاعد، إلى التوظيف بالتعاقد، مرورا بتحرير أسعار المحروقات وتراجع الخدمات الاجتماعية. ثم جاءت الضربة الرمزية الأكبر: توقيع اتفاق التطبيع مع "إسرائيل" نهاية 2020.
بالنسبة لكثير من الناخبين، لم تكن المسألة مرتبطة فقط بقرار دبلوماسي، ولكن بشعور أعمق بكون الحزب تخلّى عن جزء كبير من خطابه السياسي والأخلاقي الذي بنى عليه شعبيته منذ سنوات.
في تلك الفترة، لم تعد النقابات تخفي موقفها. الاتحاد المغربي للشغل، دعا بشكل واضح إلى ما وصفه بـ"التصويت العقابي" ضد الحزب، معتبرا في الوقت نفسه أنّ: "الحكومة قادت سياسات غير شعبية مسّت حقوق الطبقة العاملة والحريات النقابية".
جرّاء ذلك، كان لافتا أن الغضب الشعبي لم يتجه نحو كل أحزاب الأغلبية بنفس الدرجة، بل تركز بشكل كبير على "البيجيدي"، فيما خرج حزب التجمع الوطني للأحرار منتصرا من الانتخابات، على الرغم من مشاركته في الائتلاف الحكومي نفسه.
الغلاء.. السياسة التي تتسلل إلى الأسواق
اليوم، وعقب ما يناهز الخمس سنوات على تلك النتيجة، رصدت "عربي21" أنّ السؤال نفسه قد عاد بصورة معكوسة: هل يمكن أن يتحول الغضب الاجتماعي الحالي إلى تصويت عقابي ضد حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يقود الحكومة الحالية برئاسة عزيز أخنوش؟
في الأسواق الشعبية، يبدو النقاش السياسي أكثر حضورا من أي وقت مضى. قرب بائع خضر في أحد أحياء مدينة تمارة، كانت امرأة ستينية تراجع الأسعار بصوت مرتفع قبل أن تقول للبائع: "كل أسبوع تزيدون شيئا جديدا". يرد الرجل سريعا: "حتّى نحن لم نعد نفهم شيئا".
ذلك النوع من النقاشات اليومية بات جزءا من المزاج السياسي العام في المغرب. فالغضب الحالي يظهر في شكل احتجاجات، وكذلك في الإحساس الجماعي بالإنهاك الاقتصادي. ارتفاع الأسعار، تآكل القدرة الشرائية، صعوبة الولوج إلى الشغل، وتراجع الثقة في الوعود الحكومية، كلها عوامل راكمت شعورا متزايدا بالإحباط.
ومع اقتراب انتخابات 2026، رصدت "عربي21" أنّ المعارضة بدأت تستثمر هذا المزاج بشكل واضح. خلال مهرجان خطابي لشبيبة حزب العدالة والتنمية، اختارت الفنانة فاطمة وشاي، وهي الملتحقة حديثا بالحزب، مخاطبة الشباب بلغة قريبة من الشارع الغاضب.
تحدثت وشاي التي زكاها حزب "المصباح" وكيلة للائحته الجهوية للنساء بجهة الدار البيضاء- سطات، عن ما وصفته بـ"خمس سنوات من العذاب الأليم، أمام الجزار وبائع الخضر والبوطة (أنبوبة الغاز) والمدرسة والماء والكهرباء"، معتبرة أنّ: "المشاركة السياسية وصناديق الاقتراع هي الطريق الوحيد للتغيير".
اظهار أخبار متعلقة
وأوضحت وشاي، أنّ: "جيلا مشاركا يجب أن يشارك في قضايا الوطن. بماذا سيشارك؟ ليس بالعزوف، أو عدم الاكتراث، بل يجب عليه الاهتمام لأنه في جميع الحالات جيل مؤثر، بانفتاحه على التقنيات الحديثة على غرار مواقع التواصل الاجتماعي".
وأضافت: "بلا مشاركة سياسية لن نصل إلى شيء، فجيل مشارك ليس بالجسد والحضور فقط، بل الانخراط في القضايا المجتمع، بمعرفة القضايا والمشاكل الكبيرة التي نعيشها جميعا باعتبارنا مواطنين، مثل: غلاء المعيشة والبطالة وتردي الصحة والتعليم والكثير من الإكراهات الأخرى التي يعيشها المواطن".
هل يواجه "الأحرار" المصير نفسه؟
داخل حزب التجمع الوطني للأحرار، رصدت "عربي21" تصاعد الحديث عن توترات جهوية وصراعات داخلية مرتبطة بالتزكيات الانتخابية والقيادات المحلية. بعض المسؤولين الجهويين يشتكون من التهميش، فيما تتحدث عدد من التقارير الإعلامية المحليّة عن ارتباك مبكر مرتبط بما يسمى "التركيبات البرلمانية"، أي محاولات استقطاب الأعيان والمرشحين القادرين على ضمان المقاعد الانتخابية.
وفي الوقت ذاته، تواجه الحكومة الحالية، التي يترأسها حزب التجمع الوطني للأحرار نفسه، انتقادات متزايدة مرتبطة بارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
وبينما تدافع الأغلبية عن حصيلتها عبر الحديث عن برامج الدعم الاجتماعي والاستثمارات الكبرى، تبدو المشكلة بالنسبة لجزء من المغاربة أعمق من مجرد أرقام أو مؤشرات اقتصادية. وهنا تحديدا يظهر شبح "التصويت العقابي".
من الاحتجاج إلى صندوق الاقتراع
التجربة المغربية وفقا للمعطيات التي اطّلعت عليها "عربي21" تبرز أنّ الاحتقان الاجتماعي لا يتحول دائما إلى تصويت. ففي كثير من الأحيان، يقود إلى العزوف وفقدان الثقة والانسحاب الكامل من المجال السياسي.
وخلال السنوات الأخيرة، ظهر جيل جديد من الاحتجاجات الرقمية والميدانية، ارتبط بما بات يعرف بـ"جيل زد"، إذ خرج شباب يطالبون بإصلاحات اجتماعية واقتصادية، وتحسين التعليم والصحة، ومحاربة الفساد.
وكان حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي قد أعلن تعليق مشاركته في المشاورات المرتبطة بالانتخابات التشريعية مع وزارة الداخلية، مطالبا بتوفير ما وصفه بـ"مناخ سياسي سليم يضمن احترام حرية التعبير والاحتجاج".
من جهته، دعا حزب العدالة والتنمية، السلطات، إلى إطلاق سراح الشباب الذين تم توقيفهم على خلفية هذه الاحتجاجات، في محاولة لاستثمار حالة الاحتقان الاجتماعي المتصاعدة، وتقديم نفسه مجددا كطرف منحاز للغضب الشعبي، بعدما كان قبل سنوات هدفا رئيسيا لـ"التصويت العقابي" نفسه الذي يحاول اليوم توظيفه ضد الحكومة الحالية.
ومع اقتراب الانتخابات، كذلك، رصدت "عربي21" أنّ الأحزاب المعارضة، باتت تحاول استثمار هذه الحركية. نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، دعا بشكل واضح إلى: "إسقاط الحكومة عبر صناديق الاقتراع"، معتبرا أنّ: "مشاركة الشباب بكثافة يمكن أن تغير موازين القوى السياسية".
وقال بنعبد الله إنّ: "حركية جيل زد أعادت الروح إلى الحياة السياسية ومنحت القوى المعارضة فرصة لاستعادة المبادرة"، محذّرا في الوقت نفسه من تكرار "أساليب انتخابات 2021"، في إشارة إلى اتهامات مرتبطة باستعمال المال الانتخابي والتأثير على الناخبين.
في المقابل، أطلقت شبيبات حزبية عدّة حملات لتشجيع التسجيل في اللوائح الانتخابية، وذلك بعد إعلان وزارة الداخلية عن فتح باب التسجيل استعدادا لانتخابات أيلول/ شتنبر 2026. فيما يظل سؤال ملحّ على كافة مواقع التواصل الاجتماعي: هل ما يزال الشباب يؤمنون فعلا بأن صناديق الاقتراع قادرة على التغيير؟
الوجوه نفسها.. بأحزاب مختلفة
وسط هذا المشهد، يبرز عنصر آخر يعقد فكرة "التصويت العقابي"، وهو ما يعرف بمفهوم "الترحال السياسي" (ينتقل مرشحون وأعيان بين الأحزاب بشكل متكرر بحثا عن التزكيات والمقاعد). هذه الظاهرة تطرح سؤالا مربكا بالنسبة للناخب المغربي: كيف يمكن معاقبة حزب إذا كانت الوجوه نفسها تعود عبر أحزاب أخرى؟
في الأشهر الأخيرة، عاشت الساحة الحزبية المغربية على إيقاع حركة انتقالات واسعة بين الأحزاب، إذ انتقل مرشحون من اليمين إلى اليسار، ومن المعارضة إلى الأغلبية، والعكس، بحثا عن التزكيات الانتخابية والمقاعد البرلمانية.
ومن أبرز الأمثلة التي رصدتها "عربي21" هو: حزب الاتحاد الاشتراكي، الذي يقود حملة استقطاب واسعة لأعيان ومرشحين قادمين من أحزاب كان يتهمها في السابق بإفساد الحياة السياسية. أسماء انتقلت من "الأحرار" أو "الأصالة والمعاصرة" أو "الاستقلال" نحو "الوردة"، في محاولة لتعزيز الحظوظ الانتخابية للحزب.
اظهار أخبار متعلقة
إلى ذلك، في كثير من المناطق، لم يعد الانتماء الحزبي هو العامل الحاسم، ولكن أيضا النفوذ المحلي وشبكات العلاقات والأعيان. لذلك، قد يؤدي أي تصويت عقابي محتمل إلى إسقاط أحزاب كبرى على المستوى الوطني، دون أن يغير كثيرا من البنية التقليدية للانتخابات محليا.
تجدر الإشارة إلى أنّ المفارقة في السياسة المغربية أن الأحزاب قد تنهار بسرعة، لكنها قد تعود أيضا بسرعة.
دورة غضب متكررة
حزب العدالة والتنمية، الذي تعرض قبل سنوات لهزيمة وصفت بالتاريخية، يحاول اليوم العودة بخطاب اجتماعي انتقادي، مستثمرا غضب الشارع ضد الحكومة الحالية. وفي المقابل، يحاول "الأحرار" الدفاع عن حصيلته وتجنب مصير "البيجيدي".
وفي المغرب اليوم، تبدو الأزمة مرتبطة بقدرة الحكومات نفسها على تحسين الحياة اليومية، وفي جدوى المشاركة السياسية. ولهذا، فإن "التصويت العقابي" لم يعد مجرد مفهوم انتخابي عابر، ولكنّه تعبير متكرر عن علاقة متقلبة بين المغاربة والسلطة السياسية. علاقة تبدأ غالبا بالأمل، ثم تتحول إلى غضب، قبل البحث عن طرف لتحميله المسؤولية.
في عام 2011، صعد حزب العدالة والتنمية على وقع مطالب التغيير بعد حراك 20 شباط/ فبراير. وفي 2021، سقط الحزب نفسه تحت ثقل الغضب الاجتماعي. واليوم، يقف التجمع الوطني للأحرار أمام اختبار مشابه، بينما تستعد المعارضة لاستثمار أي موجة غضب جديدة.