من إيران إلى لبنان: من صراع على الأرض إلى صراع على التدفقات المالية والنقدية!!

محمد موسى
"المسار العام للاقتصاد يبقى مرهونا بتطورات البيئة الجيوسياسية وإمكانية تخفيف القيود الاقتصادية المفروضة عليه بفعل الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية"- جيتي
"المسار العام للاقتصاد يبقى مرهونا بتطورات البيئة الجيوسياسية وإمكانية تخفيف القيود الاقتصادية المفروضة عليه بفعل الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية"- جيتي
شارك الخبر
إن المشهد الذي يجمع بين ما يعيشه لبنان اليوم وما تواجهه إيران منذ سنوات لم يعد مجرد تقاطع أزمات، بل تحوّل إلى نموذج واضح لمرحلة تُدار فيها الصراعات عبر الاقتصاد بقدر ما تُدار عبر السياسة. الأرقام هنا لا تُستخدم للتوصيف فقط، بل تكشف عمق التحوّل: من صراع على الأرض إلى صراع على التدفقات المالية والنقدية.

في الحالة الإيرانية، تبدو الصورة للوهلة الأولى متماسكة نسبيا: اقتصاد بحجم يقارب 400 مليار دولار اسميا، وربما أكثر بفعل سوق المشتريات ومؤشراته، ولكن ما يشهده اقتصاد إيران في المرحلة الراهنة حالة من الضغط الهيكلي العميق نتيجة تراكم آثار العقوبات الأمريكية منذ عام 2018، والتي أدت إلى تقييد قدرته على الاندماج في النظام المالي العالمي، وخفض تدفقات الاستثمار الأجنبي، وتعقيد عمليات تصدير النفط وتحويل العائدات. وقد انعكس ذلك في ارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات مرتفعة مزمنة، وتدهور سعر العملة المحلية، وتآكل القدرة الشرائية للأسر. كما يعاني الاقتصاد من اختلالات داخلية بنيوية، مثل الاعتماد الكبير على قطاع الطاقة وضعف الإنتاجية في القطاعات غير النفطية، ما جعله أكثر عرضة للصدمات الخارجية.

في الحالة الإيرانية، تبدو الصورة للوهلة الأولى متماسكة نسبيا: اقتصاد بحجم يقارب 400 مليار دولار اسميا، وربما أكثر بفعل سوق المشتريات ومؤشراته، ولكن ما يشهده اقتصاد إيران في المرحلة الراهنة حالة من الضغط الهيكلي العميق نتيجة تراكم آثار العقوبات الأمريكية

ففي عام 2026، تفاقمت هذه الأوضاع بفعل التصعيد العسكري والاضطرابات الإقليمية، التي أسهمت في إلحاق أضرار بالبنية التحتية وتعطيل سلاسل الإمداد والتجارة، فضلا عن زيادة حالة عدم اليقين الاقتصادي. وقد أدى ذلك إلى تعميق ظاهرة الركود التضخمي، حيث يتزامن تباطؤ النمو أو انكماشه مع استمرار ارتفاع الأسعار، ما يفرض ضغوطا مزدوجة على سوق العمل ومستويات المعيشة.

وعلى الرغم من استمرار بعض مظاهر الصمود، مثل الحفاظ على حد أدنى من الصادرات النفطية، إلا أن المسار العام للاقتصاد يبقى مرهونا بتطورات البيئة الجيوسياسية وإمكانية تخفيف القيود الاقتصادية المفروضة عليه بفعل الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية! وفي صورة ملفتة، فإن الميزان التجاري الإيراني قد يسجّل فائضا اسميا يتراوح بين 5 و15 مليار دولار، لكن هذا الفائض لا ينعكس استقرارا نقديا؛ السبب بسيط: جزء كبير من العائدات غير قابل للتحويل أو الوصول الفوري. أي أن المشكلة لم تعد في "حجم الصادرات"، بل في "قابلية استخدام عائداتها". وهذه نقطة مفصلية تفسّر كيف يمكن لاقتصاد أن يُصدّر ويحقق فائضا، وفي الوقت نفسه يعاني من شح الدولار وتدهور العملة الذي أصبح عنوان المرحلة، وهو ما تراهن عليه أمريكا للضغط الكبير من الداخل، وتاليا البحث عن الانفجار الاجتماعي من قلب المجتمع عبر الاهتزازات والتضخم وتآكل القدرة الشرائية. ولكن هل للنجاح من سبيل مع شعب تآخى مع العقوبات؟!

في لبنان، الصورة أكثر حدّة، وإن كانت تنطلق من زاوية مختلفة. الاقتصاد انكمش بنحو 7 في المئة أو أكثر في الفترة الأخيرة بعد حروب الإسناد، خاصة بعد خسارة تراكمية تجاوزت 60 في المئة من الناتج منذ بداية الأزمة في 2019. فالمالية العامة تعاني من إيرادات ضعيفة، والعملة فقدت أكثر من85 في المئة من قيمتها خلال سنوات قليلة. ومع الحرب الأخيرة، تُقدَّر كلفة الأضرار وإعادة الإعمار بعشرات مليارات الدولارات، في وقت لا تتجاوز فيه قدرة الدولة الذاتية على التمويل بضعة مليارات بالكاد تكفي لتسيير الحد الأدنى من الإنفاق الذي يغدو مرهقا بفعل النزوح الهائل من الجنوب، حيث تمارس إسرائيل سياسة الأرض المحروقة، وكأني بالجنوب اللبناني غزة هاشم الفلسطينية، وشعبه الطيب يبدو أنه يلقى نفس مصير أهل غزة الصابرين، وكأننا على أبواب نكبة جديدة والعالم يتفرج عبر الشاشات على الإسرائيلي ينهش اللحم والأرض والمياه والثروة الأحفورية.

ولكن المعضلة الاقتصادية اللبنانية أن لبنان بخلاف إيران لا يملك حتى هامش "الالتفاف الاقتصادي". فهو يعتمد بشكل شبه كامل على التدفقات الخارجية، سواء عبر المساعدات أو الاستثمارات أو تحويلات المغتربين، لكن هذه التدفقات مشروطة بشكل صارم: إصلاحات مالية، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، واستقرار سياسي عنوانه معادلة "السلاح والإصلاح"، ومن دون ذلك يبقى التمويل الخارجي مجمّدا، تماما كما تُجمَّد الأصول الإيرانية، وإن اختلفت الأسباب.

لا يمكن لأي تسوية سياسية أن تصمد من دون قاعدة اقتصادية صلبة. فالدول قد تتحمّل الضغوط لفترة، لكنها لا تستطيع بناء استقرار دائم من دون تدفقات مالية مستقرة، وعملة متوازنة، وثقة داخلية وخارجية

هكذا، يتقاطع المساران الإيراني واللبناني عند مفارقة لافتة: في إيران، هناك موارد لا يمكن الوصول إليها بسهولة، وفي لبنان، هناك حاجة إلى موارد لا يمكن تأمينها بسهولة. وفي الحالتين، النتيجة واحدة: اختناق مالي ينعكس على العملة، الأسعار، والاستقرار الاجتماعي.

التجارب الدولية تشير إلى أن الخروج من هذا النوع من الأزمات لا يتحقق فقط عبر وقف النزاعات أو تخفيف الضغوط، بل عبر إعادة بناء القنوات الاقتصادية نفسها. فإعادة إعمار بلد كلبنان تتطلب تدفقات سنوية قد تتجاوز 5 إلى 10 مليارات دولار لسنوات متتالية، وهو أمر غير ممكن دون مظلة سياسية ومالية دولية واضحة. وفي المقابل، تخفيف الضغط عن اقتصاد كإيران يتطلب إعادة إدماجه، ولو جزئيا، في النظام المالي العالمي، بما يسمح بتحويل الفوائض إلى سيولة فعلية، وهذا لن يكون فعليا بعيدا عن معادلة رضى أمريكا دونالد ترامب وتاليا محاولة رسم دور إيراني جديد في المنطقة، وهذا يبدو ضبابيا الآن.

الخلاصة أن الأرقام، على قسوتها، تقدّم الإجابة بوضوح: لا يمكن لأي تسوية سياسية أن تصمد من دون قاعدة اقتصادية صلبة. فالدول قد تتحمّل الضغوط لفترة، لكنها لا تستطيع بناء استقرار دائم من دون تدفقات مالية مستقرة، وعملة متوازنة، وثقة داخلية وخارجية.

من هنا، يصبح مفتاح الحل في الحالتين واحدا: ليس في وقف الحرب فقط، بل في فتح قنوات الاقتصاد. فالسياسة قد تصنع الهدنة، لكن الاقتصاد وحده يصنع الاستقرار.

[email protected]


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل