في أعقاب الهجمات الأخيرة التي استهدفت مواقع تابعة للقوات الأمنية
العراقية، تصاعدت دعوات نيابية لإعادة النظر بالعلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، ولا سيما الاتفاقية الأمنية التي أبرمت معها في عام 2008، وضرورة تعزيز قدرات العراق الدفاعية بشكل مستقل.
وكشف النائب عن الإطار التنسيقي الشيعي، علاء الحيدري، خلال مقابلة تلفزيونية، الأحد، أن الولايات المتحدة الأمريكية أبلغت رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، في اليوم الأول من الحرب على إيران، بمنع تحليق أي طائرة حربية أو مروحية عراقية، إضافة إلى رصد الرادارات ونقلها إلى مكان آخر.
من جهته، قال النائب عن الإطار التنسيقي، أحمد مجيد، إن "الموقف الأمريكي الأخير أعاد طرح تساؤلات جوهرية بشأن جدوى الاتفاقية الأمنية"، وأضاف أن "هذه الاتفاقية لم تسهم في تطوير منظومات للدفاع الجوي قادرة على مواجهة التحديات المتزايدة في المنطقة"، حسبما نقل موقع "السومرية نيوز".
ودعا مجيد إلى "إعادة النظر بالاتفاقية الأمنية بالطرق القانونية، والعمل على تعديلها"، مشددًا على "ضرورة تقليص الوجود العسكري الأمريكي في العراق، وأن المرحلة الحالية تتطلب موقفًا حكوميًا واضحًا، بما في ذلك تقديم احتجاج للأمم المتحدة بشأن الهجمات الأخيرة التي طالت مواقع أمنية".
"طرح خطير"
وعن مدى نجاح التحرك البرلماني، قال المحلل السياسي العراقي، فلاح المشعل، إن "طرح هذا الموضوع أمر خطير، لأن العملية السياسية في العراق هي أساسًا مشروع أمريكي أُنجز في الشرق الأوسط عام 2003 بدافع إسقاط نظام صدام حسين، والمجيء بحالة ديمقراطية بعد سنوات طويلة من الديكتاتورية".
وأوضح المشعل لـ"عربي21" أن "هذا المشروع انتهى باتفاقية إطارية إستراتيجية، واتفاقية أخرى للدفاع المشترك بين العراق وأمريكا، بالتالي ليس بالإمكان فك هذا الارتباط بحكم هيمنة الولايات المتحدة على الأجواء والفضاء والاستخبارات والمجالات الأمنية والاقتصادية".
ورأى الخبير العراقي أن "مثل هذا القرار يجب أن يُتخذ بأغلبية ساحقة في البرلمان، بمعنى نسبة الثلثين من النواب (220 من أصل 329 نائبًا)، ولا أعتقد أن هذا الشيء يتحقق في ظل الظروف الراهنة".
وتابع: "لكن هناك محاولات للتعبير عن الهوية أو الانتماء، خصوصًا من بعض نواب الإطار التنسيقي الذين يعبرون عن تضامنهم مع إيران التي تتعرض إلى عدوان أمريكي-إسرائيلي".
وقال المشعل: "إذا تحدثنا عن الاتفاقية الأمنية، فإنه لا توجد توجهات حقيقية في العراق لبناء مشروع دولة ومؤسسة دفاعية أمنية رصينة، بالتالي لا توجد شفافية للكشف عن المشاريع التي اتُّخذت".
اظهار أخبار متعلقة
ولفت إلى أن "وزارة الدفاع العراقية تمثل مستنقعًا عميقًا في الفساد بالعقود واتفاقيات التسليح والتجهيز، وأنه لا توجد شفافية، فهم يقولون إن الولايات المتحدة تمنع تسليح العراق، لكن طائرات (إف 16) من أين وردت، إضافة لدورات الإعداد والتدريب والتسليح خلال السنوات الـ15 من احتلال البلاد".
وأشار إلى أن "البعض من القوى السياسية يدفع بتثبيت الوجود الأمريكي في العراق، وآخرون يريدون طرد الأمريكيين، وهذا صوت يتناغم مع القطب الشيعي الموالي لإيران، بينما هناك أطراف شيعية معتدلة تطالب بوجودهم لأنهم سيتركون فراغًا كبيرًا، وبالتالي من يملؤه؟".
وأكد المشعل أنه "يتردد في الأوساط السياسية الواقعية بأن العراق لم يستطع أن يحقق أي شيء من هذه الاتفاقية، وأن المشكلة ليست في أمريكا التي تريد السلاح لجميع الدول الصديقة، لكن الأخيرة كانت غير مطمئنة لعلاقتها مع الجانب العراقي، خصوصًا مع وجود مجاميع مسلحة خارج نطاق وسيطرة الدولة وتعمل بالضد من الوجود الأمريكي وحتى الوجود المؤسسي للدولة".
وبحسب المشعل، فإن "هذه الجماعات نفسها لا تريد أن يكتمل بناء المؤسسة الأمنية، ولاحظنا، الأحد الماضي، كيف قُصفت طائرة تابعة للدفاع الجوي العراقي في مطار بغداد، وقبلها ضُربت الرادارات، ومقر المخابرات العراقية، وألوية مكافحة الإرهاب، وهذه كلها تؤكد أنه ثمة غايات سياسية لإبعاد الوجود الأمريكي، وهذه ترتبط مع الرغبة الإيرانية التي لا تريد وجودًا أمريكيًا".
وأردف: "غياب الوجود الأمريكي يعني أنه ستحل محلهم القوات الإيرانية كحالة ذاتية، وهذا الأمر يكاد يكون مكشوفًا لجميع الأطراف، لذلك فإن مثل هذا الأمر لن يُمرر في المرحلة الحالية، لأنه لا يزال ارتباط العراق الاقتصادي، وخصوصًا الدولار، إضافة إلى أن الفضاء العراقي تحت سيطرتهم".
اظهار أخبار متعلقة
لذلك، يضيف المشعل أنه "حين تستغني عن الوجود الأمريكي، فما هو البديل، خصوصًا أن السماء الإيرانية اليوم محتلة من الجانب الأمريكي والطيران الإسرائيلي، بالتالي من يقدم هذا البديل؟ لذلك على القوى السياسية الابتعاد عن التناقض لأن الأمريكيين هم من جاؤوا بهذا النظام السياسي".
وشدد على ضرورة أن "تتخلص القوى السياسية نفسها من الفساد والتعبير عن برنامج حقيقي للدولة، بالتالي لا أحد يمنع العراق من تنويع السلاح، وإنما المشكلة تنطوي على خلافات وانشقاقات وأفكار سياسية وتوجهات غريبة، ولا يوجد منحى حقيقي لوجود الدولة في ظل وجود سلاح موازٍ للدولة".
وخلص إلى أن "الولايات المتحدة إذا أعطت العراق سلاحًا نوعيًا فإنه سيتسرب إلى الجهات التي تعمل خارج نطاق الدولة، بالتالي ليس لديه تجربة بناء دولة حتى تتعامل أمريكا معه على أساس دولة كما تتعامل -وفق السياقات الطبيعية- مع دول الخليج أو الدول الأوروبية وغيرها".
جوانب قانونية
وعلى صعيد آخر، قال خبير قانوني عراقي لـ"عربي21"، مفضّلًا عدم الكشف عن هويته، إن "هذه الاتفاقية الأمنية التي أبرمت عام 2008 وأُطلق عليها اسم "صوفا" (SOFA) نصت في المادة الأخيرة منها على أن أي طرف يريد إلغاء الاتفاقية من جانب واحد فإنه يُبلغ الطرف الآخر، وبالتالي يكون الانسحاب نافذًا بعد سنة".
وأضاف أن "الانسحاب من الاتفاقية يتم بذات الطريقة التي جرت المصادقة عليها داخل البرلمان، لأن هذه من الاتفاقيات الإستراتيجية التي نص عليها القانون العراقي رقم 35 لعام 2015، بأنه يستوجب تصويت ثلثي النواب، لذلك فإن الانسحاب منها يجب أن يتم بتصويت 220 نائبًا، وبعدها يذهب القانون للحكومة للتنفيذ".
وأشار الخبير إلى أن "الحكومة الحالية هي حكومة تصريف أعمال يومية، فربما يكون إجراء البرلمان هذا، لو حصل، فإنه يبقى معلقًا لحين تشكيل حكومة جديدة"، مشيرًا إلى أن "الحالة الطبيعية هي أن مجلس الوزراء يتخذ قرارًا بالانسحاب من الاتفاقية، وبعد ذلك يُحيل الأمر للبرلمان للتصويت".
وأشار إلى "وجود رأي قانوني آخر يقول إن الأمن هو أولى أولويات حكومة تصريف الأعمال اليومية، بالتالي تستطيع أن تصوت على الانسحاب لأنه يتعلق بشأن أمني، وإرساله إلى البرلمان للتصويت عليه".
وأكد الخبير أن "العراق لن تترتب عليه أية التزامات دولية في حال انسحب من الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة، لكن إذا كانت مودعة لدى الأمم المتحدة فإنه ينبغي إبلاغ الطرف الأممي بهذا الانسحاب، كونه طرفًا معنيًا بالإشعار ليس أكثر من ذلك".
اظهار أخبار متعلقة
وفي السياق ذاته، رأى الخبير أن "الاتفاقية فيها الكثير من الجوانب المهمة، خصوصًا في التعاون الأمني الإستراتيجي، ولا سيما في المادتين 27 و28 منها، والتي تُلزم الولايات المتحدة بالحفاظ على أمن العراق ومساندته والتدخل إذا تعرض البلد للخطر، لذلك الأمر بحاجة إلى التأني والتمحيص"، مذكرًا بأن "أمريكا لديها أموال البلد مودعة في البنك الفيدرالي".
واقترح الخبير أنه "بدلًا من لجوء العراق إلى أسلوب الرد العسكري على الضربات التي يتعرض لها، فإنه بإمكانه اللجوء إلى الأمم المتحدة لتقديم شكوى بخرق الجانب الأمريكي للاتفاقية، خصوصًا إذا كانت مودعة هناك".
الطريق الآخر هو أن "يذهب العراق إلى محكمة العدل الدولية لإقامة شكوى ضد الولايات المتحدة الأمريكية، إضافة إلى أنه بإمكان بغداد طرد السفير الأمريكي وإعلانه شخصًا غير مرغوب فيه إذا كانت هناك مشكلات"، حسبما أفاد به الخبير القانوني العراقي.
أصدرت السفارة الأمريكية في بغداد وقيادة العمليات المشتركة العراقية بيانًا، الجمعة، أعلنتا فيه إنشاء لجنة التنسيق العليا المشتركة بين العراق والولايات المتحدة، وذلك عقب إجماع جمع الطرفين.
وخلال الاجتماع الأول للجنة التنسيق العليا المشتركة، قرر الجانبان تكثيف التعاون لمنع الهجمات الإرهابية وضمان عدم استخدام الأراضي العراقية كنقطة انطلاق لأي اعتداء ضد الشعب العراقي أو القوات الأمنية العراقية أو المنشآت والأصول الإستراتيجية العراقية، وكذلك ضد الأفراد الأمريكيين والبعثات الدبلوماسية والتحالف الدولي.