هذا الموقع يستخدم ملف تعريف الارتباط Cookie
يقدّم كتاب عفاف عبد الحفيظ محمد رحمه إسهامًا جادًا ومفيدًا في دراسة فئة إدارية-ثقافية محورية في التاريخ العباسي المبكر. فيؤرّخ لجانب مهم من دراسة تشكّل الامبراطورية الإسلامية، وإرسائها لأجهزتها الإدارية والمالية. فتتدارك تأخرها في هذا المستوى مقارنة بالإمبراطورية الفارسية شرقا والبيزنطية غربا. وينجز مهمته بمنهجية تجمع بين السياسي والثقافي والاجتماعي، وتستند إلى المصادر الكلاسيكية ما يجعل منه مرجعًا مفيدًا للباحث المبتدئ والمتخصص على حد سواء، خصوصًا في مباحث نشأة الدواوين وحركة الترجمة ونكبة البرامكة وطبقية مجتمع الكُتّاب.
تأتي تجربة الروائي الليبي جمال أبو زيد من تقاطع خاص بين السيرة والتاريخ والمنفى؛ فهو ضابط سابق في الدفاع الجوي، انشق عن النظام الليبي، وتنقّل في بلدان عربية قبل أن يستقر في لندن، حيث اتجه إلى القراءة والكتابة، محوّلًا جانبًا من تجربة المنفى وذاكرة الاستبداد إلى خيال روائي. وفي "الشام بين فكي الوحش" و"سقوط الطاغية" تتبلور ملامح مشروعه بوضوح: من تشريح منظومة الاستبداد السوري وآليات تغوّلها، إلى سرد لحظة انهيارها أمام الثورة؛ أي من تفكيك الوحش إلى رواية سقوطه. وبين العملين، يحاول أبو زيد أن ينحت لنفسه مسارًا خاصًا عند تخوم الرواية والتاريخ والتوثيق، وأن يضيف صوتًا ليبيًا إلى الرواية العربية التي جعلت من الأدب مساحة لمساءلة السلطة واستعادة الذاكرة.
منذ أن وضع دانيال ديفو "روبنسون كروزو" عام 1719، قطعت الرواية البريطانية رحلة طويلة من التحولات الفنية والفكرية، وصولا إلى تجارب زادي سميث في مطلع الألفية، وهي الرحلة التي يحاول الروائي والناقد البريطاني فيليب هينشر إعادة قراءتها في كتابه "تاريخ الرواية في بريطانيا". وفي نحو 600 صفحة، لا يقدم هينشر مجرد تسلسل تاريخي للأعمال والكتاب، بل يرسم شبكة من التأثيرات والمواجهات والتجارب التي أسهمت في تشكيل الرواية الحديثة، مستفيدا من خبرته كروائي في قراءة تقنيات السرد وبناء الشخصيات والأصوات. وتكتسب هذه القراءة أهمية خاصة من منظور عربي، إذ كانت الرواية البريطانية، عبر الترجمة والتعليم والصحافة والاحتكاك الثقافي، إحدى القنوات التي وصلت من خلالها إلى الرواية العربية الحديثة أشكال وتقنيات جديدة في بناء الحكاية والشخصية والزمن، قبل أن يعيد الروائيون العرب توظيفها ضمن أسئلتهم الخاصة حول الاستعمار والهوية والمجتمع والطبقة والسلطة. ومن هنا لا يصبح تاريخ الرواية البريطانية تاريخا لأدب أجنبي فحسب، بل مدخلا أيضا لفهم جانب من مسار تشكل الرواية العربية وتحولاتها.
بعد خمسة عشر عاماً على انخراط الإسلاميين الليبيين في الحياة السياسية، لم يعد السؤال يتعلق بحجم حضورهم داخل مؤسسات الدولة بقدر ما أصبح يتعلق بحصيلة التجربة نفسها، وما الذي انتهت إليه بعد خمسة عشر عاماً من الممارسة السياسية. خلال هذه السنوات لم تقتصر التحولات على تبدل الحكومات أو تعاقب المبادرات الدولية، بل شملت أيضاً إعادة تشكيل موازين القوة داخل ليبيا وخارجها، وتغير مواقع الفاعلين السياسيين، وصعود قوى وتراجع أخرى. فمن اتفاق الصخيرات إلى اجتماعات باريس وباليرمو وبرلين وجنيف، وصولاً إلى المبادرات التي طُرحت خلال الأشهر الماضية، ومنها المبادرة المنسوبة إلى مسعد بولس، بدا واضحاً أن المشهد الليبي يتجه نحو إعادة توزيع النفوذ أكثر من اتجاهه إلى إنتاج تسوية مستقرة.
الكتاب، الصادر عن دار الفكر في 2026، يقع في نحو 520 صفحة، ويجمع بين مقدمة تحليلية وقسم أرشيفي واسع يضم الوثائق الأساسية ذات الصلة بالملف السوري منذ 2011 حتى 2025. وتشمل المادة قرارات مجلس الأمن، وبياناته الرئاسية، وتقارير الأمين العام، وقرارات الجمعية العامة ومجلس حقوق الإنسان، وتقارير لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سورية.
يعود إبراهيم المرشيد ومحمد أبو عزيزة بالنقاش إلى الداخل العربي نفسه، ليسائلا العوامل البنيوية التي تدفع الشباب أصلًا نحو الهجرة. يفحص المرشيد ظاهرة "الهبة الديموغرافية" في المغرب، مستحضرًا في مقدمته تقابلًا فكريًّا كلاسيكيًّا بين النظرة التشاؤمية لروبرت مالتوس الذي رأى في النمو السكاني عبئًا استهلاكيًّا، والنظرة التفاؤلية لجان بودان صاحب المقولة الشهيرة: "لا ثروة ولا قوة من دون الرجال".
صدر حديثا للدكتور أحمد الريسوني كتاب "مواقف في القضية الفلسطينية.. مقالات وحوارات"، من إعداد وتنسيق الباحث محمد زاوي، ويضم 35 مقالا وثمانية حوارات تمتد على نحو عقدين، ترصد تحولات القضية الفلسطينية وتقدم مواقف الريسوني من الاحتلال والمقاومة والتطبيع وحق العودة و«معاداة السامية» والأوضاع الإنسانية للفلسطينيين، وصولا إلى الحرب على غزة والإبادة الجماعية، في محاولة لجمع جانب من إنتاجه الفكري والفقهي حول فلسطين وتوثيق رؤيته لقضية ظلت حاضرة في كتاباته ومواقفه، وفق ما أعلنته مؤسسة «إحياء» التي تولت نشر الكتاب.
نشهد اليوم تراجع الهيمنة الأمريكية بسبب ثلاثة عوامل رئيسية: الضعف النسبي للقوة الأمريكية، تغير موقف الرأي العام الأمريكي تجاه دور بلاده العالمي، وأزمة الشرعية التي ألمّت بالنظام الدولي الليبرالي.
تكتسي الأحداث الأخيرة التي عرفتها نقاط العبور المؤدية إلى مدينتي سبتة ومليلية أهمية استثنائية، بالنظر لحجمها وتوقيتها من جهة، وبالنظر إلى دلالاتها الإنسانية وخلفياتها الاقتصادية والاجتماعية من جهة أخرى، بالإضافة إلى كونها تؤكد مرة أخرى تعقد ظاهرة الهجرة غير النظامية في عالم تتداخل فيه العوامل الاقتصادية والاجتماعية مع التحولات الرقمية وشبكات الاتجار بالبشر والتطورات القانونية العابرة للحدود.
تستعيد رواية "جاكاراندا" للكاتب والمغني الفرنسي ـ الرواندي غايل فاي جراح الإبادة الجماعية التي شهدتها رواندا عام 1994، من خلال حكاية أجيال تتوارث آثار المأساة وأسئلتها المفتوحة، في عمل روائي يتجاوز سرد وقائع المجزرة إلى تفكيك ما تركته من ندوب في الذاكرة والعائلة والهوية؛ فبين رحلة ميلان، الفتى المولود في فرنسا لأب فرنسي وأم رواندية، وعودته إلى بلد والدته، تتكشف طبقات من الأسرار والصمت، ويصبح البحث عن الحقيقة مواجهة مع ماضٍ لا ينتهي بانتهاء الحرب، فيما تضع الرواية مفهوم المصالحة أمام امتحانه الأصعب: هل يمكن للغفران أن يكون ممكناً بعد الإبادة، وهل تستطيع المجتمعات أن تتصالح مع ماضيها من دون أن تواجه الحقيقة كاملة؟ ومن خلال هذا السؤال، يحوّل فاي المأساة الرواندية من واقعة تاريخية إلى تجربة إنسانية تتصل بذاكرة الحروب والإبادات في العالم، وتطرح الأدب بوصفه مساحة لاستعادة أصوات الضحايا ومقاومة النسيان.
لم ينتظر الرئيس فلاديمير بوتين طويلا بعد مأساة مجزرة بيسلان لبحث تعزيز سلطته. فالحرب الدموية ضد شعب الشيشان واللغة البلاغية المعتمدة في "محاربة الإرهاب" هما الحقلان الرئيسيان اللذان يسمحان للرئيس بوتين بفرض قبضته الحديدية كرئيس للبلاد في وجه أي محاولة إنفصالية وإنما في وجه أي شكل من أشكال الإحتجاج. وباتت الإستخبارات العامة الروسية(FSB) تتولى قيادة العمليات "ضد الإرهاب" مؤكدة في هذا المجال تفوقها على الجيش و الشرطة. و"باسم أمن الدولة" ينهب الجنود آلاف المدنيين الشيشان الذين يحتجزونهم في "معسكرات تصفية".
لا يقتصر أدب المناخ على الروايات التي تتناول الكوارث البيئية مباشرة، بل يشمل أيضاً الأعمال التي تستحضر ما يسميه النقاد "الزمن العميق"؛ أي النظر إلى تاريخ الأرض بوصفه إطاراً لفهم الحاضر، وهو ما يجعل رواية "الفم الأحمر" تنتمي إلى هذا الاتجاه من خلال ربطها بين المستنقعات الأيرلندية والذاكرة الجيولوجية وأسئلة الهوية والبيئة.
افتتحت حركة التوحيد والإصلاح بإقليم طنجة مكتبتها الجديدة، بالتزامن مع تنظيم ندوة فكرية ناقشت دور الكتب والمكتبات في مسار الإصلاح الحضاري. وجاء اللقاء، الذي جمع عدداً من العلماء والمفكرين والباحثين والفاعلين الجمعويين، في وقت تتراجع فيه علاقة الأجيال الجديدة بالكتاب الورقي تحت تأثير التحولات الرقمية، ليعيد طرح سؤال موقع المعرفة والقراءة في بناء الإنسان والمجتمع، مستحضراً التجربة التاريخية للمكتبات الإسلامية والخزانات العلمية المغربية، ودورها في حفظ الذاكرة الثقافية وصناعة النخب العلمية.
لا تكمن قوة بعض الروايات في الحكاية التي ترويها فقط، بل في الأسئلة التي تتركها معلقة بعد إغلاق صفحاتها. وهذا ما تفعله رواية "Trouble Was" للكاتبة البريطانية شارلوت إدواردز، التي تنقل القارئ إلى صيف عام 1976 عبر عين طفل صغير يراقب عالم الكبار وهو يتداعى من حوله، لا بسبب مأساة استثنائية مفاجئة، بل بفعل تراكم الإهمال والصمت والعجز اليومي. غير أن هذه القراءة لا تتوقف عند حدود الأسرة المنهارة أو مسؤولية الآباء، بل تفتح أفقًا أوسع للنظر في البنية الاجتماعية والاقتصادية التي صنعت إنسانًا مثقلًا بالكدح، وأسرة فقدت كثيرًا من قدرتها على الحماية، ودولة تراجعت أدوارها أمام منطق السوق والفردانية. ومن هنا تتحول الرواية من قصة عن طفولة مجروحة إلى تأمل في أزمة الإنسان المعاصر، وفي قدرة القيم الروحية والاجتماعية، في الغرب كما في العالم العربي والإسلامي، على مواجهة التحولات التي تعيد تشكيل معنى الأسرة والرحمة والمسؤولية.
لو قُدّر للواحد منا أن يقرأ (في المتوسط) كل أسبوع كتاباً، وقُدّر له عمر مديد تمكّن فيه من أن يقرأ ستين سنة لكان قد اطلع على ثلاثة آلاف كتاب، وهو رقم متواضع للغاية إذا ما قورن بمئات الألوف من الكتب التي تعج بها مكتبات العالم، والتي هي في تصاعد مستمر؛ هذا الوضع يجعل التدقيق في نوعية ما نقرأ جزءاً من حرصنا على الحياة نفسها!.
لا تبدو رواية "كارثة طبيعية" للكاتبة البريطانية ليزا أوينز مجرد عمل أدبي يتناول يوميات أم منهكة في نهاية إجازة الأمومة، بقدر ما تمثل نافذة على واحد من أكثر الأسئلة إلحاحا في الثقافة الغربية المعاصرة: العلاقة الملتبسة بين الأمومة والهوية النسوية، وبين الأسرة ومشروع الحداثة الذي جعل من تحرير الفرد، رجلا كان أو امرأة، أحد مرتكزاته الأساسية. ومن خلال مراجعة نشرتها الروائية البريطانية ديانا إيفانز في صحيفة "الغارديان"، تعود هذه الرواية لفتح نقاش يتجاوز حدود الأدب إلى الفلسفة والاجتماع، حول ما إذا كانت المرأة الغربية قد نجحت في التوفيق بين تحقيق ذاتها ومتطلبات الأسرة، أم أن هذا التوتر ما يزال أحد أبرز وجوه الأزمة الحضارية التي يعيشها الغرب المعاصر.