من الردع إلى الحرب الوجودية.. قراءة بنيوية في التصعيد الأمريكي ـ الإيراني (1من2)

لا يعود القرار العسكري محكومًا بحسابات الربح والخسارة التقليدية، بل بمنطق وجودي يرى في التراجع خطرًا أعظم من المخاطرة.
لا يعود القرار العسكري محكومًا بحسابات الربح والخسارة التقليدية، بل بمنطق وجودي يرى في التراجع خطرًا أعظم من المخاطرة.
شارك الخبر
تقف منطقة الشرق الأوسط، مع بداية سنة 2026، على عتبة تحوّل استراتيجي هو الأخطر منذ حرب الخليج الثانية. فالتصعيد المتسارع بين واشنطن وطهران لم يعد أزمة سياسية قابلة للاحتواء، ولا جولة ضغط، يمكن تفريغها دبلوماسيًا. بل نحن أمام تحوّل نوعي في طبيعة الصراع ذاته: من نزاع يمكن إدارته، إلى مواجهة وجودية مفتوحة، تُطرح فيها أسئلة البقاء والزوال، وليس شروط التسوية.

لا يُفهم هذا التصعيد ـ بما يشمله من حشود عسكرية غير مسبوقة، وتهديدات تتجاوز الردع التقليدي، وانخراط إسرائيلي مباشر ـ بوصفه تراكما لقرارات ظرفية أو استجابة تكتيكية معزولة. مثل هذا الاختزال يُغفل البُعد الأعمق: التحوّل الجوهري في بنية الصراع، وخطابه، وأفقه التاريخي. فنحن إزاء لحظة انتقال نوعي، حيث لم يعد النزاع يُدار ضمن "القابل للاحتواء"، بل أُعيد تعريفه صراعًا صفريًا، تُستدعى فيه مفردات الوجود والزوال، والبقاء والفناء، والكسر النهائي للإرادة المقابلة. حيث تُعاد صياغة السياسة دفاعًا عن الوجود، لا أداة لتنظيم المصالح.

ما يلفت النظر في هذا السياق، ليس مستوى التصعيد المادي، فحسب، بل التحوّل في اللغة التي يُوصف بها الصراع، ويُسوّغ بها القرار. اللغة ليست أداة توصيف محايدة؛ إنها حقل لإنتاج المعنى، وإطار مُسبق لتحديد الممكن، والمشروع، والضروري. حين تنتقل المفردات من "الردع" و"إدارة التوازن" إلى "الاقتلاع" و"التهديد الوجودي"، يتبدّل منطق القرار ذاته: تتحوّل السياسة من فنّ إدارة المخاطر، إلى ممارسة سياسة شفى الهاوية. في هذا الطور، لم يعد الهدف احتواء الخصم أو تعديل سلوكه، بل تفكيك شروط وجوده وبقائه الاستراتيجي.

تُعرَّف الحرب الوجودية بوصفها نمطًا خاصًا من الصراع تنتفي فيه منطقية حسابات الكلفة والعائد، التي تقوم عليها نظريات الردع التقليدي، ليحل محلها منطق البقاء بوصفه القيمة العليا. في هذا السياق، لا تُفهم الهزيمة العسكرية كخسارة مرحلية قابلة للاحتواء أو التعويض، بل كتهديد مباشر لشرعية النظام السياسي، وهويته الرمزية، واستمراريته التاريخية.
وبالتوازي مع هذا التحوّل اللغوي، لا يمكن فصل التصعيد عن تحوّلات أعمق في بنية النظام الدولي والإقليمي، حيث تتآكل قواعد العقلانية الكلاسيكية، التي حكمت الصراعات الكبرى، منذ الحرب الباردة. وتبرز محلها، أنماط صراع هجينة، تتداخل فيها الحسابات العسكرية، بالرهانات الأيديولوجية- الدينية لدى كافة الأطراف، وتُدار المواجهة على المدى الطويل، حرب إرادات واستنزاف بنيوي، لا معركة حسم خاطف. من هنا، يغدو التصعيد الأمريكي-الإيراني تعبيرًا عن مأزق أوسع: مأزق نظام عالمي عاجز عن إنتاج تسويات مستقرة، فيلجأ إلى تصعيد اللغة أولًا، تمهيدًا لتطبيع العنف بوصفه أفقًا سياسيًا من دون ضوابط.

انطلاقًا من هذا المنظور، تفترض هذه المقالة أن ما نشهده ليس تصعيدًا تكتيكيًا عابرًا، بل اقتراب من نمط خاص من الصراعات يمكن توصيفه بـ "حرب النهايات": صراع تسعى فيه الدولة العظمي إلى كسر النظام السياسي للطرف المقابل، حتى لو كان الثمن انهيارًا إقليميًا واسعًا، وليس مجرد تحسين موقعه داخل النظام الدولي القائم.

أولا ـ من الردع إلى الحرب الوجودية

تُعرَّف الحرب الوجودية بوصفها نمطًا خاصًا من الصراع تنتفي فيه منطقية حسابات الكلفة والعائد، التي تقوم عليها نظريات الردع التقليدي، ليحل محلها منطق البقاء بوصفه القيمة العليا. في هذا السياق، لا تُفهم الهزيمة العسكرية كخسارة مرحلية قابلة للاحتواء أو التعويض، بل كتهديد مباشر لشرعية النظام السياسي، وهويته الرمزية، واستمراريته التاريخية.

يمثل هذا التحول انتقالًا بنيويًا من ردع عقلاني قائم على افتراض أولوية تجنب الحرب الشاملة، إلى صراع تُديره اعتبارات الهوية، والمعنى، والخوف من الزوال. ومع إدراك أحد الأطراف أن الهزيمة السياسية تعادل نهايته كنظام، تنهار معادلات الردع، ويتبدل السؤال المركزي من تقدير الخسائر إلى ضمان الوجود ذاته.

الحرب الوجودية لا تُعلن، بل تحدث عندما تجتمع الكبرياء، والخوف، والاعتقاد بأن الزمن لم يعد في صالح أحد. في هذه اللحظة، لا يعود الردع قادرًا على الكبح، لأن ما يُراد كبحه لم يعد الخسارة، بل الفناء ذاته. ولا يعود الفاعلون يتصرفون بوصفهم وحدات سياسية تبحث عن تحسين شروطها، بل ككيانات تشعر بأن وجودها ذاته موضع نفي. وحين يُستدعى سؤال الوجود، تُعلَّق قواعد اللعبة القديمة، وتنهار المسافات الفاصلة بين السياسة والحرب الوجودية، وبين العقلانية والمقامرة المطلقة. حيث تُدار الصراعات على حافة الهاوية لا بوصفها انحرافًا مؤقتًا، بل كمنطق جديد للعالم. هنا بالضبط تبدأ "حرب النهايات".

1 ـ الجذور والتراكم التاريخي للصراع الوجودي الأمريكي ـ الإيراني

يتجاوز العداء الأمريكي ـ الإيراني إطار الخلافات السياسية التقليدية، ليتجذّر في حقل أعمق يمسّ قضايا الهوية والشرعية، وبنية النظام الدولي ذاته. فمنذ انتصار الثورة الإسلامية، عام 1979، شيّدت إيران سرديتها السياسية على نفي الهيمنة الأمريكية، ووسمها بـ "الشيطان الأكبر"، واعتبار الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط تهديدًا مباشرًا لاستقلالها السياسي، ولدورها الإقليمي. في المقابل، نظرت الولايات المتحدة إلى النظام الإيراني بوصفه كيانًا ثوريًا معاديًا، لا يهدد مصالحها الاستراتيجية، فحسب، بل يقوّض البنية الإقليمية، التي أرستها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

من هذا المنظور، لا يمكن فهم التصعيد الراهن باعتباره حدثًا طارئًا أو انزلاقًا مفاجئًا، بل بوصفه حصيلة تراكم تاريخي طويل من المواجهات غير المباشرة، تخللته محطات مفصلية شكّلت معًا ذاكرة صراع صلبة. لعلّ أزمة الرهائن (1979 ـ 1981) تمثّل الحدث الرمزي المؤسِّس لهذا المسار، إذ شكّل اقتحام السفارة الأمريكية- التي وُصفت في الخطاب الثوري بـ "وكر التجسس" ـ مواجهة سياسية وإعلامية كبرى، كشفت عمق القطيعة بين الجمهورية الإسلامية الوليدة وواشنطن. وقد فشلت الجهود الدبلوماسية الأمريكية في احتواء الأزمة، كما أخفقت العملية العسكرية السرية لتحرير الرهائن، في أبريل 1980 (عملية "مخلب النسر")، ما ألحق ضررًا بالغًا بهيبة الولايات المتحدة، وأسهم في إضعاف إدارة الرئيس جيمي كارتر داخليًا.

توالت بعد ذلك حلقات التصعيد، من حرب الناقلات (1984 ـ 1988)، التي شكّلت لحظة انتقالية في الصراع من الخصومة غير المباشرة، إلى الاحتكاك العسكري المحدود، إلى تفجير مقرّ قوات المارينز في بيروت عام 1983، ثم المواجهة غير المباشرة في العراق بين 2003 و2011، فالصراع السوري منذ عام 2011، وصولًا إلى اغتيال قاسم سليماني عام 2020، والضربات الإسرائيلية  ـ الأمريكية على المنشآت النووية الإيرانية عام 2025.

لم تُفضِ هذه السلسلة المتراكمة من المواجهات إلى أي تسوية استراتيجية، بل أسهمت في ترسيخ منطق العداء البنيوي، حيث تحوّلت كل مواجهة جديدة إلى حلقة إضافية في مسار تصاعدي مفتوح، تُعاد فيه كتابة قواعد الاشتباك باستمرار، من دون المساس بجوهر الصراع أو كسر منطقه البنيوي العميق.

2 ـ طوفان الأقصى.. الصدمة المُفجِّرة لبنية الحرب الجودية

لم يكن هجوم السابع من أكتوبر (طوفان الأقصى) مجرد عملية عسكرية مفاجئة، بل مثّل حدثًا تاريخيا كبيرا كاسرًا للتوازن الاستراتيجي والرمزي في الشرق الأوسط. فقد أسقط، خلال ساعات، مسلّمات تأسست عليها معادلة الردع الإسرائيلية لعقود، أبرزها التفوق الاستخباراتي المطلق، والسيطرة الأمنية الشاملة، والقدرة الدائمة على احتواء الفاعلين غير الدوليين. بهذا المعنى، لا يُقرأ طوفان الأقصى كنجاح عسكري بحت، بل كصدمة بنيوية أعادت تعريف مفهومي القوة والضعف، وضربت مركز الدلالة الإسرائيلي: صورة الدولة التي لا تُقهر ولا تُخترق.

أدّى سقوط النظام السوري، واستنزاف حزب الله، وتوجيه ضربات قاصمة للبنية القيادية لحماس، وتراجع القدرة العملياتية للحوثيين، إلى تقليص العمق الاستراتيجي الإيراني بصورة غير مسبوقة. ونتيجة لذلك، لم تعد المواجهة قابلة للإدارة عبر منظومة الوكلاء بالقدر نفسه من الفعالية، بل باتت أكثر مباشرة، وأكثر انكشافًا، وأقل قابلية للاحتواء المرحلي.
شكّل طوفان الأقصى لحظة انتقال من صراع محلي قابل للعزل إلى شبكة تفاعلات إقليمية ودولة مترابطة. فمنذ الأيام الأولى، لم يعد الصراع محصورًا في غزة، بل تمدّد عبر اشتباك محسوب مع حزب الله في الشمال، واستهداف الملاحة في البحر الأحمر، وضرب قواعد أمريكية في العراق وسوريا، وتصعيد غير مباشر مع إيران عبر رسائل متبادلة. لم يكن هذا التمدد انفجارًا عفويًا، بل تجسيدًا عمليًا لمنطق تفجير المجال الإقليمي، دون بلوغ الحرب الشاملة: العمل تحت العتبة الوجودية، مع الاقتراب المستمر منها.

قبل طوفان الأقصى، كان الصراع الأمريكي ـ الإيراني يُدار ضمن مستويات مدروسة من الاشتباك غير المباشر. غير أن الحدث أعاد إيران إلى قلب المعادلة الاستراتيجية، حتى دون مشاركة عسكرية مباشرة. فقد قرأت إسرائيل والولايات المتحدة الطوفان بوصفه نتاجًا مباشرا لمحور تقوده إيران، ودليلًا على أن سياسة الاحتواء لم تعد كافية. في المقابل، وجدت إيران نفسها أمام معادلة دقيقة: استثمار انهيار الهيبة الإسرائيلية، دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة، قد تُسرّع تفعيل الحرب الوجودية ضدها. هذا التوازن الهش أبقى الصراع متحركًا قرب نقطة الانكسار الحرجة.

لم تقتصر آثار طوفان الأقصى على الإقليم، بل امتدت إلى النظام الدولي ذاته. فقد كشف الحدث محدودية شعار حقوق الإنسان، وعجز المؤسسات الدولية عن ضبط العنف الإسرائيلي والأمريكي، وازدواجية المعايير، أو انعدامها، في تطبيق القانون الدولي. هذا الانكشاف أضعف شرعية النظام الدولي القائم، وفتح المجال أمام قوى دولية صاعدة (روسيا، الصين، وقوى الجنوب العالمي) لاستثمار الحدث سياسيًا وأخلاقيًا، بوصفه دليلًا على أفول القيادة الغربية. في هذا السياق، لم تعد الولايات المتحدة تدير أزمة إقليمية فحسب، بل باتت تدافع عن زعامتها للنظام الدولي، الذي تأسس بعد العالمية الثانية، ما رفع منسوب التصعيد وربط مصير غزة مباشرة بمسألة الهيبة والهيمنة العالمية.

في ضوء طوفان الأقصى ومسار الحرب الوجودية، يمكن استشراف ثلاث مآلات كبرى. إقليميًا، تآكل مفهوم الحرب المحدودة، وصعود الفاعلين غير الدوليين كقوى كسر توازن، وهشاشة متزايدة للدول الوطنية. دوليًا، تراجع شرعية الردع الغربي، وتسارع الانتقال نحو عالم متعدد الأقطاب، والتطبيع مع العنف واسع النطاق كأداة سياسية. استراتيجيًا، بقاء الصراع دون حسم مع اقتراب دائم من حافة الانفجار، وتحوّل أي حادث رمزي كبير إلى شرارة حرب شاملة.

يمكن القول إن طوفان الأقصى لم يُنشئ الحرب الوجودية، لكنه كشف هشاشة البنية الردعية القائمة، وسرّع الانتقال من الاحتواء إلى الصراع الوجودي، وأدخل الرموز والهيبة في صلب المعادلة، وقرّب الإقليم من لحظة الانكسار الشامل. إسرائيل باتت تخوض حربًا لمنع انهيار صورتها الوجودية، وإيران تواجه بيئة قد تدفعها من الردع إلى المواجهة الشاملة، والولايات المتحدة تقف أمام خيار صعب: ضبط صراع يتفلّت، أو التصعيد للحفاظ على زعامة وحماية النظام الدولي الذي قادته منذ الحرب العالية الثانية.

ثانيا ـ الحشد الأمريكي بوصفه خطابًا قبل أن يكون قوة

تبنّت إدارة ترامب الثانية مقاربة أكثر صادمية مقارنة بولايتها الأولى، مؤطِّرة سلوكها الاستراتيجي ضمن عقيدة "السلام عن طريق القوة" بوصفها مبدأً ناظمًا لصنع القرار، لا مجرد شعار سياسي. وعليه، فالحشود العسكرية في الخليج ليست استعراضًا نفسيًا، بل تمهيدًا حقيقيًا لخيارات عسكرية. بخلاف إدارة بايدن التي راهنت على الاحتواء، تطرح واشنطن اليوم معادلة صفرية: استسلام استراتيجي كامل، أو مواجهة مفتوحة ومدمرة. لأن المطالب الأمريكية- تفكيك البرنامج النووي، وإنهاء التخصيب، ووقف الصواريخ الباليستية، وقطع شبكة الوكلاء- تعني عمليًا نزع عناصر السيادة الإيرانية، أي الاستسلام، وهو ما لا يمكن لأي نظام قبوله، دون تقويض شرعيته الوجودية.

قرأت إسرائيل والولايات المتحدة الطوفان بوصفه نتاجًا مباشرا لمحور تقوده إيران، ودليلًا على أن سياسة الاحتواء لم تعد كافية. في المقابل، وجدت إيران نفسها أمام معادلة دقيقة: استثمار انهيار الهيبة الإسرائيلية، دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة، قد تُسرّع تفعيل الحرب الوجودية ضدها. هذا التوازن الهش أبقى الصراع متحركًا قرب نقطة الانكسار الحرجة.
في هذا الإطار، تمثّل الحشود العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط أكثر من مجرّد إعادة انتشار تقني للقوات أو تعديل في خرائط التموضع العملياتي؛ إنها، في جوهرها، ممارسة خطابية–استراتيجية مكتملة الأركان. فالقوة هنا لا تُستحضَر فقط باعتبارها أداة جاهزة للاستخدام، بل تُعرَض بوصفها رسالة، وتُؤدَّى كعلامة، ويُراد لها أن تُقرأ سياسيًا ونفسيًا قبل أن تُختبَر ميدانيًا. إننا أمام استعراض مقصود للقوة بوصفها خطابا، لا بوصفها فعلًا مباشرًا، حيث يصبح الحشد ذاته جزءًا من المعركة، لا تمهيدًا لها فحسب. وبهذا المعنى، يصبح الحشد ذاته جزءًا من بنية الصراع، وليس مرحلة تمهيدية خارجة عنه.

ومن منظور التحليل الخطابي للاستراتيجية، لا يُختزل التهديد في حجم القدرات العسكرية أو نوعيتها، بل يتحدد كذلك بما يُنتَج من سرديات عن الذات، وبما يُفرض على خيال الخصم من احتمالات قصوى وسيناريوهات مغلقة. فالخطاب الأمريكي المصاحب للحشود يشتغل على زعزعة يقين الخصم، وإعادة تشكيل إدراكه لحدود الفعل الممكن، ودفعه إلى استبطان فكرة أن جميع الخيارات- بما فيها التهدئة أو التكيّف- قد لا تؤدي إلى النجاة. في هذا المستوى، تغدو اللغة امتدادًا مباشرًا للقوة الصلبة، وتتحول الكلمات إلى أدوات ضغط استراتيجي، تُستخدم لإنتاج الخوف، وتكريس الشك، وإشاعة الإحساس بانسداد الأفق. هنا، تصبح اللغة جزءًا من القوة الصلبة، وتغدو الكلمات نفسها أدوات قتال، تُستخدم لاستشعار النهاية.

في هذا السياق، لا تسعى الولايات المتحدة فقط إلى تحسين شروط الردع التقليدي أو تعزيز ميزان القوة، بل إلى إعادة تعريف قواعد اللعبة ذاتها. فالتلويح بإسقاط النظام الإيراني ـ سواء أُعلن صراحة،(على خامتائي أن يكون قلقا) أو سُرّب عبر القنوات السياسية والإعلامية-لا يعمل كتهديد عسكري مباشر فحسب، بل كعملية إعادة صياغة للخصم في الوعي الاستراتيجي الأمريكي: من فاعل إقليمي يمكن احتواؤه أو تطويعه، إلى كيان يُقدَّم بوصفه مشكلة وجودية ينبغي اقتلاعها. بهذا المعنى، يتحوّل الحشد إلى آلية نزع شرعية، لا إلى أداة ضغط مرحلية.

وعليه، فإن نقل الصراع إلى مستوى خطاب إسقاط النظام لا يعني مجرد تصعيد في اللهجة أو توسيع دائرة الضغط، بل يمثل انتقالًا بنيويًا من صراع يدور حول السلوك الإقليمي وضبطه، إلى صراع يستهدف الشرعية والوجود معًا. في هذا المستوى، يفقد الردع التقليدي فعاليته، لأن منطق الردع يفترض—في جوهره—إمكانية التسوية، وتبادل الرسائل، ووجود أفق بقاء متبادل يسمح لكل طرف بالانسحاب دون انهيار رمزي. أما حين يُعاد تعريف الهدف بوصفه إنهاء الخصم لا احتواءه، فإن أي تراجع لا يُقرأ كتفاهم عقلاني أو خطوة تكتيكية محسوبة، بل يُفهم باعتباره اعترافًا بالهزيمة الوجودية وانكسارًا في سردية البقاء ذاتها. ومن ثمّ، تُدفَع إيران ـ بوصفها الطرف المُستهدَف ـ إلى تبنّي منطق "الكل أو لا شيء"، حيث يغدو التصعيد خيارًا أقل كلفة من الانكفاء، وتتحوّل المواجهة إلى مسار تصاعدي مغلق يصعب كسره دون انهيار أحد الطرفين، أو دون إعادة تعريف جذرية للخطاب السياسي والاستراتيجي نفسه. في هذا السياق، لا يعود القرار العسكري محكومًا بحسابات الربح والخسارة التقليدية، بل بمنطق وجودي يرى في التراجع خطرًا أعظم من المخاطرة.

وفي هذا الإطار المتفجّر، لا يمكن عزل الصراع عن تفاعلاته الدولية الكبرى، إذ إن روسيا والصين، بوصفهما فاعلين مركزيين في النظام الدولي المتحوّل، لن تقبلا بالبقاء على هامش محاولة اقتلاع أحد المرتكزات الأساسية لمعسكر ممانع للهيمنة الغربية. فروسيا تمتلك مصالح استراتيجية عميقة في إيران، تتجاوز التعاون العسكري الظرفي إلى اعتبارات تتصل بإعادة إنتاج نفوذها الجيوسياسي، وكسر طوق الاحتواء الغربي، والحفاظ على هوامش الحركة في فضاءات الشرق الأوسط وآسيا الوسطى. أما الصين، فترى في إيران شريكًا استراتيجيًا متعدد الأبعاد، لا يقتصر على ضمان أمن الطاقة، بل يمتد إلى موقعها الجيوـاقتصادي ضمن مشاريع إعادة تشكيل شبكات التجارة العالمية وموازين القوة في إطار تنافسها البنيوي طويل الأمد مع الولايات المتحدة.

 بناءً على ذلك، يغدو احتمال التدخل الروسي–الصيني غير المباشر احتمالًا مرجحًا بنيويًا، لا في صيغة مواجهة عسكرية مفتوحة، بل عبر أدوات القوة المركبة: تزويد إيران بأنظمة تسليح نوعية تعيد ضبط التوازن الردعي، توفير مظلة دبلوماسية داخل المؤسسات الدولية، تعطيل منظومات العقوبات أو الرد عليها بإجراءات مضادة، والدفع نحو بناء أطر اقتصادية وسياسية موازية تُقوّض قدرة الغرب على فرض إرادته بشكل أحادي. وبهذا المعنى، فإن توسيع الصراع إلى مستوى وجودي لا يهدد إيران فحسب، بل يفتح الباب أمام اختبار شامل لطبيعة النظام الدولي ذاته وحدود قدرته على الاستمرار في صيغته الراهنة.

ثالثا ـ  إيران من الرد المتدرّج إلى الشمول الوجودي

بعد تدمير جزء معتبر من البنية النووية الإيرانية خلال حرب الاثني عشر يومًا في يونيو/حزيران 2025، وُضِعت طهران أمام معادلة استراتيجية حادّة لا تحتمل الحلول الوسطى: القبول بهزيمة استراتيجية طويلة الأمد تُعيد تكريس اختلال ميزان القوة، أو السعي إلى فرض توازن جديد عبر تصعيد شامل قد يُجبر واشنطن على العودة إلى طاولة التفاوض من موقع مختلف، أقل تفوقًا وأكثر حذرًا. وقد تزامن هذا المأزق الخارجي مع تشديد غير مسبوق في منظومة العقوبات، عبر تفعيل ما يُعرف بـ "سياسة الزناد"، ما فاقم الاختناق الاقتصادي الداخلي ودفعه إلى مستويات حرجة.

وفي ظل تضخم يتجاوز 42%، وانهيار حاد في قيمة الريال، وتآكل متسارع في القدرة الشرائية للطبقات الوسطى والدنيا، يواجه النظام الإيراني أزمة داخلية بنيوية لا يمكن اختزالها في اختلالات اقتصادية ظرفية أو دورات ضغط عابرة. فقد تحوّلت الانتفاضات الواسعة، المتزامنة مع اختراق استخباراتي إسرائيلي عميق شمل عددًا معتبرًا من المحافظات الإيرانية، إلى أخطر تحدٍّ داخلي يواجهه النظام منذ تأسيسه. ولم تعد هذه التحركات تُقارب بوصفها احتجاجات اجتماعية قابلة للاحتواء عبر الأدوات الأمنية التقليدية، بل باتت تُقرأ كمؤشرات على تصدّع متزايد في العقد السياسي–الأيديولوجي الذي يستند إليه النظام، وتآكل في منظومة الشرعية التي طالما شكّلت ركيزة استقراره.

في هذا السياق المركّب، يُعاد تعريف العلاقة بين الداخل والخارج على نحو جذري، إذ يُفهم أي تراجع في السلوك الخارجي ـ سواء أكان عسكريًا أم تفاوضيًاـ بوصفه علامة ضعف وجودي لا تقتصر تداعياتها على المكانة الإقليمية للدولة، بل تمتد لتغذية ديناميات التفكك والانهيار من الداخل. وعليه، يغدو التصعيد الخارجي، مهما بلغت كلفته، خيارًا دفاعيًا في منطق النظام، لا سعيًا إلى تحقيق نصر حاسم بقدر ما هو محاولة لمنع تفكك الشرعية السياسية وتآكل السلطة في آن واحد.

ويزداد هذا المنطق حدّة في ضوء التحولات الإقليمية المتسارعة، حيث أدّى سقوط النظام السوري، واستنزاف حزب الله، وتوجيه ضربات قاصمة للبنية القيادية لحماس، وتراجع القدرة العملياتية للحوثيين، إلى تقليص العمق الاستراتيجي الإيراني بصورة غير مسبوقة. ونتيجة لذلك، لم تعد المواجهة قابلة للإدارة عبر منظومة الوكلاء بالقدر نفسه من الفعالية، بل باتت أكثر مباشرة، وأكثر انكشافًا، وأقل قابلية للاحتواء المرحلي. هذا الضغط المركّب لا يعمل ككابح للتصعيد، بل قد يدفع القيادة الإيرانية نحو تبنّي خيار الحرب الوجودية بوصفها أداة لإعادة توحيد الجبهة الداخلية، وكسر حالة الاختناق الاستراتيجي، وإعادة إنتاج سردية الصمود في مواجهة التهديد الخارجي.

من هنا، يتشكّل الرد الإيراني بلغة متماثلة بنيويًا مع لغة التهديد المفروضة عليه: لغة لا تعترف بالتدرّج، ولا تقبل بوجود مساحات وسطى بين الحرب واللاحرب. ويتحوّل مفهوم الردع الإيراني من ردع تراكمي قائم على ضبط الإيقاع وتفادي الصدام المباشر، إلى ردع شامل يُعلن منذ اللحظة الأولى أن أي اعتداءـ مهما كان محدودًا في حجمه أو نطاقه ـ سيُقابَل بحرب واسعة النطاق، لا بسلسلة ردود محسوبة قابلة للاحتواء. إن إلغاء منطق التدرّج هنا لا يُعبّر عن خيار عسكري تقني فحسب، بل عن قرار سياسي ـ رمزي يهدف إلى كسر وهم "الضربة المحدودة"، وإجهاض أي تصوّر أمريكي بإمكانية التحكم بمسار التصعيد أو إبقائه دون العتبة الوجودية. فالحرب، وفق هذا المنطق، إما أن تُمنَع بالكامل عبر الردع المطلق، أو تُخاض حتى نهاياتها القصوى.

يتجلّى هذا الردع الشامل في توسيع مسرح الاستهداف المحتمل ليشمل القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في الخليج، وتهديد الدول التي تُستخدم أراضيها أو أجواؤها كنقاط انطلاق للعمليات، بما يعنيه ذلك من تدويل فوري للصراع ونسف لفكرة «المعركة المعزولة». كما يمتدّ التهديد إلى حاملات الطائرات الأمريكية ـ لا بوصفها أهدافًا عسكرية فحسب، بل باعتبارها أيقونات للهيمنة البحرية ـ إذ إن المساس بها يحمل دلالة رمزية تتجاوز الخسارة المادية إلى اهتزاز صورة الردع الأمريكي ذاتها. ويضاف إلى ذلك إدراج إسرائيل في قلب المعادلة عبر التلويح باستهدافها بكثافة، بما يحوّل أي مواجهة إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات منذ لحظتها الأولى.

*باحثة من المغرب
التعليقات (0)