الغارديان: الأونروا أنقذت ملايين الوثائق المتعلقة باللاجئين من غزة والقدس في عملية سرية

العملية استمرت عشرة أشهر لإنقاذ المواد الأرشيفية التي تحتفظ بها الأونروا في غزة وشرق القدس- الأناضول
العملية استمرت عشرة أشهر لإنقاذ المواد الأرشيفية التي تحتفظ بها الأونروا في غزة وشرق القدس- الأناضول
شارك الخبر
قادت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" على مدى عشرة أشهر عملية سرية لإنقاذ ملايين الوثائق التاريخية للاجئين الفلسطينيين من غزة وشرق القدس، وسط حرب وقصف وقيود إسرائيلية.

ونشرت صحيفة "الغارديان" تقريرا أعده جيسون بيرك، مراسل الشؤون الدولية، تحدث فيه عن هذه المهمة السرية لإنقاذ الأرشيف الحيوي للاجئين الفلسطينيين.

وذكر التقرير أن الرحلة من شرق القدس العاصمة الأردنية عمان، عادة ما تكون سهلة، فهي رحلة قصيرة بالسيارة إلى البحر الميت، مرورا بنقطة التفتيش الحدودية، ثم الوصول سريعا إلى العاصمة الأردنية. لكن في بداية صيف عام 2024، بدت المسافة عقبة مستحيلة  أمام العاملين في المجال الإنساني بوكالة "الأونروا" وهم يسعون جاهدين لحماية كميات هائلة من الوثائق الأرشيفية التي تؤرخ  لعقود بالغة الأهمية من التاريخ الفلسطيني الحديث.

وكانت عملية استمرت عشرة أشهر لإنقاذ المواد الأرشيفية التي تحتفظ بها الأونروا في غزة وشرق القدس تقترب من مراحلها الأخيرة.

وقد اتسمت هذه الجهود بحساسية بالغة، بل وخطورة في بعض الأحيان. وشارك فيها بالفعل عشرات من موظفي الوكالة في أربع دول على الأقل، ورحلات محفوفة بالمخاطر لإنقاذ الوثائق تحت القصف ومسؤولون يحملون بعناية مظاريف غير مميزة إلى مصر وصناديق ثمينة نقلت جوا إلى  بر الأمان على متن طائرات عسكرية.

اظهار أخبار متعلقة


لكن الوقت الآن ينفد. فقد أصبح مجمع الأونروا الشاسع في شرق القدس محورا لجهود إسرائيلية مكثفة لطردها وهدفا لجماعات اليمين المتطرف. وكان الأرشيف وملفاته، مهما لأنه وثق تجارب الفلسطينيين أثناء نزوحهم أو إجبارهم على مغادرة ديارهم خلال الحروب التي أدت إلى قيام "إسرائيل" عام 1948.

ونقلت الصحيفة عن روجر هيرن، المسؤول البارز في الأونروا وأشرف على العملية: "كان تدميرها كارثيا، فإذا ما وجد حل عادل ودائم لهذا الصراع، فهذا هو الدليل الوحيد الذي يمكن الاستناد إليه لإثبات وجود فلسطينيين كانوا يعيشون في مكان ما".

وقالت الصحيفة إن هذه الجهود السرية، كان يجب ألا تكون من مهام الأونروا، التي تأسست عام 1949 لتوفير الرعاية الصحية والغذاء والتعليم لنحو 750,000 لاجئا فلسطيني.

فمع بداية حرب غزة، التي أعقبت هجوم حماس المفاجئ على "إسرائيل"، ملفات الأرشيف المنظمة منتشرة في مختلف دول الشرق الأوسط التي تعمل بها. وفي صناديق مغبرة بمجمع الأونروا في مدينة غزة، وجدت بطاقات التسجيل الأصلية للاجئين الفلسطينيين الذين لجأوا إلى غزة عام 1948، بالإضافة إلى شهادات الميلاد والزواج والوفاة التي تعود لأجيال. وكان من شأن هذه الوثائق أن تمكن الفلسطينيين الذين أُجبر أجدادهم على مغادرة ديارهم من تتبع أصول عائلاتهم في ما أصبح يعرف بـ"إسرائيل".

على الرغم من الجهود السابقة لمسح الوثائق ضوئيا، بقيت مئات الآلاف من السجلات التاريخية في شكل ورقي فقط حتى عام 2023، مما يجعلها عرضة للحريق أو الفيضان أو التدمير المتعمد.

ووصف جان بيير فيليو، أستاذ دراسات الشرق الأوسط في معهد العلوم السياسية بباريس، والذي زار غزة خلال الحرب، الوثائق بأنها "بالغة الأهمية لفهم التجربة الفلسطينية". وقال فيليو: "هناك شهادات تثبت كيف أُجبر الناس على الفرار عام 1948 ومن أين أتوا، وأين كانت ممتلكاتهم، وما دمر. وصل 200.000  شخصا إلى غزة بين عامي 1948 و 1949، من جميع أنحاء فلسطين".

لعقود، أبدت "إسرائيل" عداءً تجاه وكالة الأونروا، متهمة إياها بإبقاء آمال الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم حية من خلال منح صفة لاجئ لأحفاد النازحين. كما اتهمت إسرائيل أونروا باستخدام كتب مدرسية في مدارسها تروج لآراء معادية لإسرائيل ومعادية للسامية.

وكانت المرحلة الأولى من عملية إنقاذ الوثائق مثيرة ومحفوفةً بالمخاطر. وبعد أيام من غزو قواتها لغزة، أمرت إسرائيل بإخلاء مكاتب الأونروا في مدينة غزة. 

وغادر الموظفون الدوليون في غضون ساعات، غير قادرين على نقل ملفات الحيوية معهم. وقال سام روز، القائم بأعمال مدير شؤون الأونروا في غزة: "كان هناك خطر حقيقي من أن يقتحم الإسرائيليون المكاتب ويدمروها، أو أن تدمر في حريق أو انفجار أو أي شيء آخر". وقبل أشهر قليلة، اضطر نظام التسجيل الرقمي للأونروا إلى التوقف مؤقتًا بعد تعرضه للاختراق، وساد قلق واسع النطاق من أن هجوما إلكترونيًا آخر قد يمحو الخوادم من السجلات التي تم مسحها ضوئيا.

قال هيرن: "لقد مررنا بفترة خطيرة للغاية، حيث كنا نتعرض للعديد من الهجمات الإلكترونية يوميا، وكنا نعتقد حقا أننا سنرى النسخ الأصلية وأي نسخ رقمية أنشأناها تدمر. حينها، كان كل شيء سيضيع إلى الأبد".

اظهار أخبار متعلقة


ورغم الغارات الجوية والقصف في بعضٍ من أشد هجمات العدوان الإسرائيلي المتواصل فتكا، والذي أودى بحياة أكثر من 70,000 شخصا، معظمهم من المدنيين، عاد فريق صغير من مسؤولي أونروا بشاحنات مستأجرة إلى مقر المنظمة المترامي الأطراف في مدينة غزة. وقاموا بثلاث رحلات لنقل الوثائق جنوبا إلى مستودع أغذية في رفح، على الحدود مع مصر. لكن القاهرة رفضت السماح بخروج الأرشيف من غزة إلا بعد استشارة إسرائيل. وكان مسؤولو أونروا على يقين من أن المسؤولين الإسرائيليين، الذين فرضوا حصارا شبه كامل على غزة، سيدركون فورا أهمية الوثائق، وسيصادرونها أو سيرفضون السماح بمرورها. في عام 1982، عندما غزت إسرائيل لبنان، نقل جيشها أرشيف منظمة التحرير الفلسطينية من مكاتبها في بيروت.

بدلا من ذلك، كلف مسؤولو أونروا الحاملون لجوازات سفر دولية بإخراج الأرشيف دون رقابة. وقال روز: "إذا أُوقف أي شخص على الحدود، كان يقول ببساطة إنه يحمل أوراقا، كانت هناك أكوام من الوثائق التي يجب إخراجها. كان الجميع يحمل أغراضًا معه". وعلى مدى الأشهر الستة التالية، جمعت الوثائق في مصر، ثم نقلت بواسطة جمعية خيرية أردنية باستخدام طائرات المملكة العسكرية أثناء عودتها إلى عمان بعد تقديم مساعدات لغزة. كانت الشحنة الأخيرة في طريقها قبل أسبوعين فقط من تحرك الدبابات الإسرائيلية للاستيلاء على رفح في أيار/مايو 2024، ما أدى إلى قطع الطريق أمام الخروج نهائيا. لكن هذا ترك مجموعة أخرى من الوثائق ذات الأهمية نفسها في مجمع أونروا بالقدس الشرقية، والتي كانت بحاجة ماسة إلى إنقاذها.

وبحلول أوائل عام 2024، أصبح مجمع شرق القدس هدفا للاحتجاجات وسلسلة من هجمات الحرق المتعمد التي ألحقت أضرارا جسيمة. وتسارعت وتيرة التحركات لطرد الأونروا.

وقال روز: "في القدس الشرقية، تلقينا تحذيرات على مدى أشهرٍ بأننا سنفقد حق الوصول [إلى مكاتبنا]".

ولم تكلل الجهود المبذولة لإقناع البعثات الدبلوماسية الصديقة بتخزين الأرشيف بالنجاح. لذا، ومع نفاد الوقت، قام الموظفون بنقل هذه الوثائق سرا على مدى عدة أشهر، لتصل في نهاية المطاف إلى مكاتب الأونروا في الأردن. وفي كانون الثاني/ يناير 2025، منعت قوانين إسرائيلية جديدة الوكالة من دخول "إسرائيل" والأراضي الفلسطينية المحتلة. 

وفي عمان، بذلت جهود جديدة وواسعة النطاق لرقمنة الوثائق. وبتمويلٍ أساسي من لوكسمبورغ، عمل أكثر من 50 موظفا من الأونروا في قبو مكتظ وضيق على مسح أعداد كبيرة من وثائق تسجيل اللاجئين الأصلية بحجم البطاقات البريدية يدويا، بالإضافة إلى ملايين الوثائق الأخرى.وقال المؤرخ  فيليو: "الأرشيف الآن خارج فلسطين، لكنه على الأقل محمي".

وبعد رقمنة ما يقارب 30 مليون وثيقة، تسعى وكالة الأونروا إلى تزويد كل لاجئ فلسطيني بشجرة عائلته وجميع الوثائق الداعمة، بالإضافة إلى رسم خرائط توضح أنماط النزوح عام 1948. كما سيوفر الأرشيف فهما أفضل للأحداث المثيرة للجدل حول طرد ونزوح نحو 750,000 فلسطينيا في ذلك الوقت. ويقدر المسؤولون أن هذه المهمة قد تستغرق عامين آخرين.
التعليقات (0)