الوازع الديني وأثر فتوره على حياة الفرد والمجتمع.. قراءة في كتاب

يسود في بعض مواضع الكتاب خطاب وعظي يغلب عليه الطابع الانفعالي، مع التسليم ببعض المسلّمات دون فحص كافٍ، وهو ما يباعد بينه وبين الجدل الذي يطمح إليه البحث الأكاديمي.
الكتاب: الوازع وأثره في مقاصد الشريعة الإسلامية.
المؤلف: رابح القاسمي
الناشر: مجمع الأطرش للتوزيع، الطبعة: الأولى، تونس، 2021.
عدد الصفحات: 200 صفحة.

ـ 1 ـ

يعمل الباحث في مستهل أثره على تأطير موضوعه. فيعرّف الوازع على المستوى المعجمي. فينطلق من الاستعمالات المختلفة، ومن عيون الشعر ومن المعاجم لينتهي إلى أنه يفيد معنى الكفّ عن الشيء والارتداع عنه، كما في قول النابغة الذبياني: "وعلى حين عاتَبتُ المشيبَ على الصبا / وقلتُ ألما أصحُ والشيبُ وازع". كما يرد في قول الخليفة عثمان: "ما يزع الناسَ السلطانُ أكثرَ مما يزعهم القرآن"، ويرد أنّ السلطان، بما له من نفوذ، يمنع من لم يمتنعوا امتثالًا للقرآن مِن ارتكاب الفواحش والآثام. ويذكر ما يُروى عن الحسن البصري، لما وَلِيَ القضاء، قوله: "لا بدّ للناس من وزعة"، أي من جهةٍ تردعهم وتمنعهم. وجاء في الحديث أن إبليس رأى جبريل عليه السلام يوم بدر يزع الملائكة، أي ينظّم صفوفهم ويكفّهم عن التفرّق والانتشار.

وللوازع في الاستعمال المعجمي دلالة ثانية، تتمثّل في معنى الإلهام والتحريض والإغراء، كما ورد في لسان العرب: "وَعَزْتُه بالشيء" أي أغريته به.

ـ 2 ـ

يتعلّق المستوى الثاني من دراسة دلالة الوازع بما يسمّيه الباحث الحقل المعجمي الخاص. فيتناوله باعتباره مصطلحًا يحيل على مفهوم مشترك في مختلف السياقات. فهو لازم من لوازم الامتثال لأوامر الله ونواهيه في جميع الأحوال. فيشير ابن تيمية إلى أنّ من عبد الله بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحّد، وينقل عن تلميذه ابن القيم أن الحياء من الله يدلّ على مراقبته وحضور القلب معه، ومن وازعه الحياء كان قلبه حاضرًا مع الله. أما الإمام السيوطي فيربط الحديث عن الوازع بصلاح الإيمان، ويرى أن الفاسق لا وازع ديني له، فلا يُوثق به. ويستمر هذا المعنى في كتابات المعاصرين، إذ يذكر ابن عاشور أن الوازع اسم غلب إطلاقه على ما يزَعُ عن عمل السوء.

يؤكد رابح القاسمي أنّ الدين الإسلامي دين فطرة، لأن تشريعاته لا تتناقض مع أصل الجبلة التي فطر الله الناس عليها. ومن هنا يتحدّد الضمير بوصفه ذلك الوازع الداخلي الكامن في وجدان الإنسان، والحارس على أفعاله، وهو ما تعكسه العبارة الشائعة: "ضميره حيّ".
يرتبط الوازع إذن بالتقوى التي تدفع المرء إلى الابتعاد عن المعصية والامتثال لما يطلبه الشارع. وينشأ الوازع عن الفطرة، ويتصل مباشرة بالضمير ونقاء الفطرة. فيُعدّ معيارًا تُقاس به أعمال العباد، وعنصرا يحقّق الانسجام بين مقوّمات الأخلاق وطبيعة الإنسان وآليات عمل العقل.

ـ 3 ـ

يؤكد رابح القاسمي أنّ الدين الإسلامي دين فطرة، لأن تشريعاته لا تتناقض مع أصل الجبلة التي فطر الله الناس عليها. ومن هنا يتحدّد الضمير بوصفه ذلك الوازع الداخلي الكامن في وجدان الإنسان، والحارس على أفعاله، وهو ما تعكسه العبارة الشائعة: "ضميره حيّ".

ويخلص، من الوازع، ضمن قراءة ذات بعد ديني وسياسي مستلهمة من ابن خلدون، إلى وجود أصناف من الوازع هي خاصّة الوازع الجِبلّي والوازع السلطاني والوازع الديني. فهذه الجبلّة ظهرت في التاريخ الإسلامي خلال ربط الدولة بالتديّن ثم حوّلت الخلافة لاحقًا المستوى الديني إلى بعد عصبي. فيجمع بين مقولات الفقه في عصوره الأولى ومواقف المحدثين من أمثال منجز الطاهر بن عاشور في تفسير التحرير والتنوير، إذ يذكر أن التقوى تقرُب بمقدار قوة الوازع، وأن الوازع شرعي وطبيعي، وأن في القلب المفطور على الرأفة والسماحة لينًا يزعه عن المظالم والقساوة، فتكون التقوى أقرب إليه لكثرة أسبابها فيه. وينفتح على القراءات الاستشراقية فينقل عن سيلغريوفا برلنت ماجو ميدوفينا تعرفها له بأنه "هيئة راسخة في نفس الإنسان تدفعه إلى عمل الخير رجاء ثواب الله، وتمنعه من عمل الشر خوفًا من عقاب الله" ص 29.

ـ 4 ـ

ينتهي صاحب الأثر إلى المقصد الأعظم من الوازع، وهو حفظ الإنسانية من خلال صيانة الدين والنفس والعِرض والمال والنسب والعقل. أي مقاصد الشريعة التي تشمل الفرد والمجموعة، ولا تنفصل بينهما. ثم يتوسّع في تفسير هذه المقاصد وتفصيلها ضمن رؤية شمولية، يرى فيها أن الشارع الحكيم يقصد إلى من خلال الوازع إلى توفير فضاء ملائم لبناء الإنسان الصالح، القادر على تحمّل أمانة الاستخلاف وتعمير الأرض وفق ما شرعه الدين.

يعرض دور الوازع، فيجده فطريًا، يعمل بشكل حاسم على صقل كيان الشخصية المؤمنة، بما يوجّهها نحو الفضائل والسماحة أولًا، ويزوّدها بالشعور بالمسؤولية تجاه الذات وتجاه الآخر ثانيا. فيجد توازنه في ربط المصالح التي يحققها بذاته وبصلته بالمجموعة. وهكذا يضطلع هذا الوازع، بما هو معدِّل ذاتي لسلوك الفرد، بجعلِه يضمن سلامته ومصالحه، وينصهر في الآن نفسه في المجموعة دون أن يتصادم معها. وعليه، فإن في تقوية الوازع حفظًا لكيان الفرد والمجموعة، وتحقيقًا لمقصد حفظ إنسانية الإنسان.

يربط الوازع المحرّك الأساس لفعل الإنسان وأقواله، ويجعل من ترشيد السلوك نتيجة حتمية له. فتنشأ عنه استجابة لحاجتين من حاجات الإنسان: المادية وتتمثل في تحقيق التكامل، والمعنوية ومدارها على توثيق العلاقات بين أفراد المجتمع. وبذلك تخمد النزاعات، ويُقضى على التشرذم القبلي، وتكفّ الاعتداءات، ويتحقق الانسجام الاجتماعي في ظل رؤية موحّدة للعالم.

ـ 5 ـ

ينتهي الباحث كما أسلفنا إلى ثلاثة أنواع من الوازع: الجبلي والسلطاني والديني، ويحاول تفصيل القول في كل منها. فيبحث أولًا في دور الوازع الجبلي في مستويات عديدة، منها تقرير الأحكام، فالتشريع الإسلامي يقوم على أساس مقاصد الشريعة ويرتبط بمراعاة طبيعة المحكوم عليه. ولذلك، كثيرًا ما يكتفي النص الحكيم بالوازع الطبيعي الجبلي دون تفصيل أحكام مخالفته. وإن لم يكفِ هذا الوازع، يتدخل الشارع لتقدير ما يجب من الأحكام حين يتجاوز السلوك الحدود السليمة، بما يضمن مصلحة المكلفين. ولهذا  ويترك له النصّ  مسؤولية النظر إلى المحرم ومفسدته، وإلى الوازع وداعيته، ليوازن بينهما وليقدّر العقوبة التي لم يشر إليها النص، ويعرض جملة من السلوكيات المقرفة التي يسكت عنها النص لأنها تتناقض مع الطبيعة البشرية تلقائيًا.

ولهذا، للوازع الجبلي دوره في التشريع الأسري، فمعروف أن العدالة شرط مهم في تحمل المسؤولية، ومع ذلك يقر الفقهاء بصحة ولاية الفاسق على موالياتهم في النكاح، لأن الوازع الطبيعي يمنعهم من التقصير في حقهم. ومن ذلك تقول الشافعية بعدم اشتراط الثقة في محرم المرأة عند السفر، لأن هذا الوازع يحول دون تفريط المرء في عرضه لأن الوازع الطبيعي أقوى من الشرعي.

ويضيف الباحث ما يتعلق بالقضاء، فشرط العدالة يحضر عند الشهادة، ولا تؤخذ شهادة الفاسق، ولكن إذا أقرّ المرء على نفسه أمرًا ما، فإن ذلك يُؤخذ بعين الاعتبار، لأن وازع العقل وفق ابن عاشور يصرف صاحبه عن الكذب لغير نفع يرجوه لنفسه. وهكذا، يبرز الباحث الصلة الوثيقة بين الوازع الديني والوازع الجبلي، ما يبرّر اعتماده في تطبيق الشريعة.

ـ 6 ـ

ثم يفصل الباحث القول في الوازع السلطاني، وهو ضرورة قيام الاجتماع البشري باعتباره ينظم مجريات الحياة بين الناس، بما يلتقي مع مفهوم السياسة كتدبير للشأن العام. ويربط هذا الوازع بوجود قوة قاهرة تحفظ للمجتمع حرمته، وتصون كرامته، وتضمن حقوقه، وفي المقابل تكبح جماح المعتدين. ويعود الباحث إلى ابن عبد ربه الذي يرى أن السلطان هو زمام الأمور ونظام الحقوق وقوام الحدود، وقطب تدور عليه أمور الدين والدنيا، وحامٍ للبلاد، والظل ممدود على عباده. كما يستشهد بتفسير ابن كثير للآية الخامسة والعشرين من سورة الحديد: "وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس"، فيجد فيها رادعًا أراده الله لمن أبى اتباع الحق. ويؤكد ابن عاشور أن من أكبر مقاصد الشريعة حفظ نظام الأمة، وما يحفظ هذا النظام إلا بسد علامات الهرج والفتن والاعتداء، وهذا لا يتحقق إلا بتولي الشريعة وتنفيذ الحكومة. ويمكن أن يُستشف هنا استلهام لمفهوم شرعية اعتماد القوة التي يربطها ماكس فيبر بالدولة حصراً.

يندرج هذا الكتاب ضمن الأعمال الأكاديمية، بالنظر إلى بنيته، ومنهجه، صفة صاحبه العلمية أو استنادا إلى مقالة الأستاذ برهان النفاتي أستاذ الفقه بالجامعة التونسية التقديمية التي تؤكد أن البحث لا يكتفي بجمع المسائل ونقلها، بل ينظر في طبيعة العلاقات بينها، ويعي أصولها، ويستثمر المادة العلمية لتأسيس مبحثه.
ويختلف تطبيق الوازع السلطاني بحسب المكان والزمان والحال، ولهذا يظل هامش الحاكم في تقديره واسعًا، لكن لا بد للسلطان، صاحب الوازع، من وازع يردعه وقوة موازية تحدّه من الغلو والاستبداد. ومن هنا يصبح الوازع الديني موجّهًا للوازع السلطاني، محدّدًا لمساراته، ليحصّنه من الضلال واتباع الشهوات، ويضمن التزامه بالعدل. فالوازع السلطاني دقيق، فلا يتحقق بالشدة وحدها ولا بالضعف الذي لا يُطاع، بل بموقف وسط يحقق القضاء بالعدل والحق، كما يشير ابن عبد ربه في العقد الفريد.

ويتجسّد هذا الوازع في مجالات عديدة، منها الأحوال الشخصية والمعاملات الاقتصادية.
يحدّد الباحث الوازع بجملة من المقوّمات، باعتباره العمود الفقري للشريعة. ويترسّخ المقوّم الأول في قوة الإيمان، المتأسّسة على عقيدة المؤمن وما تتضمنه من خشية الله تعالى.

ـ 7 ـ

يتمثّل القسم الأخير من هذا المبحث فيما يسمّيه الباحث «مأساة الوازع»، وفيه يبرز من تراجع حضور الوازع في المجتمع العربي الإسلامي. ويرى فيه خطرا يهدّد إنسانية الإنسان، لارتباطها بما فُطر عليه من نزوع إلى الإيمان والصلاح والتقوى. ويذهب إلى أن العصر الحديث، بما حمله من نسق فكري وفلسفة مادية، دفع الإنسان إلى الحياد عن أصله، كما دفع المسلم، في ظلّ عجز معرفي وقصور عن إدراك مقاصد الدين، إلى تبنّي نزعة فردانية خفية.

ويتناول الباحث التصورات المرتبطة بفلسفة ما بعد الحداثة، ويشير إلى فوكو، وعنده تُعدّ النزعة الإنسانية تصورًا ميتافيزيقيًا. ومن إشارته السريعة هذه ينتهي إلى أن هذه الفلسفات أسهمت في تشويه الفطرة، وفي ترسيخ نزعة مادية وهيمنة تصور للموضوعية، بما أثّر في القيم. ويرى أن هذا المسار أفضى إلى ابتعاد الإنسان عن الحياء من الخالق، وإلى انفصال المسلم عن قيم دينه، جزئيًا أو كليًا. ومما يترتب على ذلك عنده، ضعف الفطرة، وضمور القلب، وغياب الضمير، وهو ما ينعكس على فاعلية العقل فتضطرب القيم وتتأثر بالمعتقدات المنحرفة.

ويعرض "مأساة" أخرى للوازع هي خيانة الإنسان لأمانة ربه. فقد أودع الله في النفس دلائل وحدانيته، غير أن تكلّس الروح يفضي إلى ضياع هذا العهد، فينحرف الإنسان عن طريق الحق، ويقع في النفاق، فيُظهر الطاعة ويُبطن المعصية. ومن مظاهر ذلك ما يشهده المجتمع الإسلامي من تفكك، حيث تتراجع قيم التآزر والأخوّة، لتحلّ محلها نزعة فردانية تُضعف الثقة بين الأفراد.

ـ 8 ـ

تنبع أهمية دراسة رابح القاسمي للوازع وربطه بمقاصد الشريعة من كون الموضوع منتشرًا في مختلف المباحث الفقهية والدينية وفي الشواهد والحكم، ومع ذلك لم يجمع في أثر واحد.  فيلزم الباحث نفسه بتتبع دلالاته على المستوى المعجمي والاصطلاحي، ويبحث في وظائفه في مستويات الحياة المختلفة، ثم ينظر في سوء استعماله أو ما يعبر عنه هو بمأساته. فيتدرج من الجمع والتوثيق إلى التصنيف إلى التأليف والتأويل.

ويندرج هذا الكتاب ضمن الأعمال الأكاديمية، بالنظر إلى بنيته، ومنهجه، صفة صاحبه العلمية أو استنادا إلى مقالة الأستاذ برهان النفاتي أستاذ الفقه بالجامعة التونسية التقديمية التي تؤكد أن البحث لا يكتفي بجمع المسائل ونقلها، بل ينظر في طبيعة العلاقات بينها، ويعي أصولها، ويستثمر المادة العلمية لتأسيس مبحثه. ومع هذا كلّه ورغم اشتغال الباحث على موضوع راهن، وتنبيهه إلى أثر النزعة المادية في إضعاف بنية المجتمعات، تبرز جملة من الملاحظات تجعل صفته الأكاديمية موضع احتراز منها:

ـ  ما في الأثر من نزعة ماضوية تميل إلى تصوّر مثالي للتاريخ الإسلامي، وتتجاهل ما شهده من فتن وصراع على الحكم وتنازع في المصالح، كانت بتزكية من كثير الفقهاء المرتبطين بالسلطة ممن مثلوا خلفية نظرية للباحث.

ـ بقدر ما يرفع من العقل الإسلامي ويغض الطرف عما تعرض إليه من انتكاسات أفضت إلى جموده وآلت بالمجتمعات إلى عصور طويلة من الانحطاط نجد إلى اليوم عسرا في تجاوزها، يبخس منجزات العقل الغربي، فلا يعترق بما يحققه على المستويات الفكرية والعلمية والتقنية والسياسية، خاصة في ما يتصل بمكانة الفرد وحقوقه. وجدير بكل دراسة تسعى إلى نقد الراهن أن تأخذ هذه المعطيات بعين الاعتبار وأن تنظر في أسباب الفوارق القائمة بدل الاكتفاء بنقد عام أو التأسي في نبرة رثائية على صورة فردوسية لتاريخنا بعيدة كل البعد عن الواقع.

ـ يسود في بعض مواضع الكتاب خطاب وعظي يغلب عليه الطابع الانفعالي، مع التسليم ببعض المسلّمات دون فحص كافٍ، وهو ما يباعد بينه وبين الجدل الذي يطمح إليه البحث الأكاديمي.