اقتصاد الوفرة أم سياسات الندرة؟ تفكيك أسطورة الحلم الأمريكي.. قراءة في كتاب

يجب أن يكون هدف أية أمة ديمقراطية وأخلاقية وعقلانية هو خلق مجتمع يتمتع الناس فيه بالصحة الجيدة والسعادة والقدرة على عيش حياة طويلة ومثمرة.
الكتاب: لا بأس من الغضب على الرأسمالية
الكاتب:ر برني ساندَرز، ترجمة وتقديم: د. محمد جياد الأزرقي
الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى يناير2024، (عدد الصفحات 360 من القطع الكبير).


نقد سياسة ترامب التي تخدم مصالح طبقة المليارديرات

تعرَّض ساندرز في ختام الفصل الثاني من كتابه القيِّم إلى المنطق الأعرج للرئيس الأرعن، الذي كان يكرّره في خطاباته وتغريداته، إذا فزتُ، فالانتخابات جيدة، وإذا خسرت فهي حتماً مزوّرة، كما علَّق على أحداث 6 كانون الثاني من عام 2021 حين هاجم مثير والشغب من أنصاره لمقاطعة مراسيم تصديق الكونغرس على نتائج الانتخابات، وفوز بايدن بواقع 232 صوتاً من أصل 306 صوتاً. ذكر ساندرز، "لقد أثرت أحداث 6 كانون الثاني من عام 2021 على أمريكا، إذ فازت الديمقراطية في ذلك اليوم، لكن الصراع على مستقبلها لا يزال مستمراً. إن ترامب وأنصاره ما زالوا يرفضون نتائج انتخابات عام 2020، ويخططون لستراتيجيات جديدة لقمع الناخبين وتهديدهم وتشويه انتخابات عام 2024". وهو حقاً مصيب.

عندما أطلقت خطة لفرض ضريبة على الثروة الفاحشة في خريف عام 2019، تساءل أحد مراسلي صحيفة النويورك تايمز، عما إذا كنت أحاول القضاء على فئة المليارديرات. في الواقع أنني أجبت، "أنا لا أعتقد أن فئة المليارديرات ينبغي أن تكون موجودة". تصدرت هذه الجملة مئات العناوين الرئيسية وتم بنها بشكل مكثف في قناة تلفزيون فوكس ومحطات الراديو اليمينية. كما اعترف مارك زوكربيرگ صاحب الفيسبك أنه "في مرحلة ما لا يستحق المرء أن يحصل على هذا القدر من المال". وغرّد إيلون ماسك بعدد من التعليقات اللاذعة. ولكن ما أذهلني هو أن الكثير من الناس اعتقدوا أنني لا بد أمزح، ولم أكن.

إن وجود فئة المليارديرات في حد ذاته لا يتعلق بمن يمتلك المال ومن لا يمتلك منه شيئاً. إنه مظهر من مظاهر النظام السياسي الفاسد، الذي تسيطر فيه سلطة هائلة على حياة الجماهير الغفيرة من الأمريكيين تتركز في أيدي قلة من الأشخاص، الذين من خلال ترتيبات تمويل الحملات الانتخابية، التي في رأيي رشوة قانونية. إنهم يشترون السيطرة على انتخاباتنا والسياسات التي تنبع منها.
في حال فاتت هذه النقطة أي شخص، اصدرت حملتي ملصقا لواقي السيارات الخلفي يقول، بأنه ينبغي عدم وجود فئة المليارديرات. وضع عشرات الآلاف من الأمريكيين الملصق على سياراتهم لأنهم فهموا أكثر مما يقوله معظم النقاد. إن الولايات المتحدة لا تستطيع تحمل تكاليف دعم فئة المليارديرات، التي تأخذ من هذا البلد أكثر بكثير مما تعطيه.

إن محض وجود فئة المليارديرات التي تتوسع بسرعة في الولايات المتحدة هو مظهر من مظاهر النظام الظالم، الذي يعزّز التفاوت الهائل في الدخل والثروة. في هذا النظام، الناس الذين في الأعلى يتمتعون بحياة امتياز غير عادي.

يمتلكون المزيد من سخاء الكوكب لأكثر مما يمكن أن يستهلكه أي منهم حتى لو عاش حياته مجدداً 1000 مرة، ولا توجد رفاهية بعيدة عن متناوله. إن هؤلاء الأثرياء استثنائيون لدرجة أنهم يستطيعون إنفاق ثرواتهم "في تجارب" مثل رحلة صاروخية خارج الغلاف الجوي للأرض. بينما وبشكل استثنائي تتخبط قلة من الأثرياء في الثراء ويصبحون أكثر ثراء بشكل كبير مع مرور كل يوم، يعيش غالبية الأمريكيين حياة اليأس الهادئ. إنهم لا يخططون لدفع ثمن الرحلات إلى خارج الفضاء. إنهم يكافحون لدفع ثمن ضرورات الحياة على هذه الأرض.

إن وجود فئة المليارديرات في حد ذاته لا يتعلق بمن يمتلك المال ومن لا يمتلك منه شيئاً. إنه مظهر من مظاهر النظام السياسي الفاسد، الذي تسيطر فيه سلطة هائلة على حياة الجماهير الغفيرة من الأمريكيين تتركز في أيدي قلة من الأشخاص، الذين من خلال ترتيبات تمويل الحملات الانتخابية، التي في رأيي رشوة قانونية. إنهم يشترون السيطرة على انتخاباتنا والسياسات التي تنبع منها.

هؤلاء هم مستثمرو الوول ستريت والرؤساء التنفيذيون، الذين يحددون فيما إذا كانت الوظائف ستبقى في البلد أو ستذهب للخارج، وما نوع الدخل الذي يحصل عليه العمال وما هو سعر الغاز والأدوية الموصوفة والطعام الذي يتوفر للمواطنين تمارس هذه القلة القليلة تأثيرها على حياتنا وحياة الناس العاديين، الذين ليس لديهم عملياً أية قوة أو حتى لا يدركون مفهوم القوة في تشكيل مستقبل دول العالم. إنهم مواطنون يفتقرون إلى المؤسسات التي تمكنهم من ممارسة النفوذ، وهم مشغولون فقط بمحاولة البقاء على قيد الحياة.

في هذه اللحظة غير المسبوقة في التاريخ الأمريكي، لا يوجد شيء للمزيد من الوقت للترقيع حول الحواف. لقد حان الوقت لرفض "الحكمة التقليدية"،و"النزعة التدريجية".  لقد حان الوقت بشكل أساسي لإعادة التفكير في التزامنا بنظام الرأسمالية غير المقيدة ومعالجة الضرر الذي لا يوصف بما يلحقه هذا النظام بنا جميعاً.

في بلدنا لا يوجد سوى القليل من النقاش الصادق حول نظامنا الاقتصادي ولا يوجد سوى قدر ضئيل من النقاش حول سياسة النظام الذي يدعمه. قد تبدو فكرة رفض الرأسمالية غير المقيدة والتخلص من فئة المليارديرات مسألة جذرية. وهي ليست كذلك!

يجب أن يكون هدف أية أمة ديمقراطية وأخلاقية وعقلانية هو خلق مجتمع يتمتع الناس فيه بالصحة الجيدة والسعادة والقدرة على عيش حياة طويلة ومثمرة. وهي فرصة ليست فقط للأغنياء والأقوياء، بل لجميع الناس. يجب أن يتم تحديد عظمتنا ليس بعدد المليارديرات الذين يعيشون في بلدنا، بل بحجم الناتج الإجمالي لدينا وكيفية توزيعه، ليس بعدد الأسلحة النووية التي نمتلكها بل بعدد القنوات التي ينقلها الكيبل التلفزيوني.

يجب أن نحكم على نجاحاتنا كأمة من خلال النظر إلى نوعية حياة المواطن الأمريكي العادي. ما مستوى صحته؟ هل أسرته راضية ومكتفية بعمله؟ ما مدى سعادة الأطفال؟ يجب علينا أن نبتعد عن عقلية الندرة والتقشف الاقتصادي إلى عقلية تسعى لرخاء الجميع. إلى من يقول ذلك، في أغنى دولة في تاريخ العالم، لا يوجد ما يكفي لرعاية جميع الناس، يجب أن تكون إجابتنا، "هذا أمر سخيف. بالطبع هناك ما يكفي". ومع الإنفجار التكنولوجي الجيد والإنتاجية التي نشهدها، لدينا الآن القدرة على توفير حياة كريمة لكل أمريكي.

يرى ساندرز العنيد أن وجود فئة المليارديرات في حد ذاته لا يتعلق بمن يمتلك المال ومن لا يمتلك منه شيئاً. إنه مظهر من مظاهر النظام السياسي الفاسد. لقد حان الوقت بشكل أساسي لإعادة التفكير في التزاماتنا بنظام الرأسمالية غير المقيدة الجامحة، ومعالجة الضرر الذي لا يوصف بما يلحقه هذا النظام بنا جميعاً. قد تبدو فكرة رفض الرأسمالية غير المقيدة والتخلص من فئة المليارديرات مسألة جذرية. وهي ليست كذلك يتساءل الشيخ ساخراً وهو يستعرض كيف تغرس المؤسسة في المواطنين من خلال النظام السياسي ووسائل الإعلام والمدارس ديمومة الأسطورة القائلة: "بأننا مجتمع ديمقراطي حيث إن (الشعب) هو صاحب السيادة ويتحكم في مصير الأمة. أحقاً هذا؟".

الرعاية الصحية

فيما يتعلق بمسألة الرعاية الصحية، التي ركز عليها السنتر في الفصل الخامس من الكتاب، أشار إلى أن البلاد تنفق أكثر من 12530 دولاراً سنويا لكل رجل وامرأة وطفل، ليصل المجموع إلى 4 ترليون دولاراً، أو حوالي 20% من الناتج المحلي الإجمالي لأمريكا. وهذا إنفاق فلكي، ولا يزال يتزايد بسرعة ويلتهم موارد الأفراد والأسر والشركات والحكومة بمعدل غير مستدام".

بالمقارنة، تنفق المملكة المتحدة 5268 دولاراً فقط للفرد على الرعاية الصحية وتنفق كندا 5370 دولاراً وتنفق فرنسا 5564 دولاراً وتنفق ألمانيا 6731 دولاراً. بجزء بسيط من مبلغ إنفاقنا، تضمن هذه الدول الرعاية الصحية لكافة شعوبها".

يجب أن يكون هدف أية أمة ديمقراطية وأخلاقية وعقلانية هو خلق مجتمع يتمتع الناس فيه بالصحة الجيدة والسعادة والقدرة على عيش حياة طويلة ومثمرة. وهي فرصة ليست فقط للأغنياء والأقوياء، بل لجميع الناس. يجب أن يتم تحديد عظمتنا ليس بعدد المليارديرات الذين يعيشون في بلدنا، بل بحجم الناتج الإجمالي لدينا وكيفية توزيعه، ليس بعدد الأسلحة النووية التي نمتلكها بل بعدد القنوات التي ينقلها الكيبل التلفزيوني.
ثم عرّج على خسارة ما يقرب من مليون مواطنا أمريكيا بسبب كوفد - 19 التي كانت خسارة مدمرة". أعطى مثالاً على مسألة طول العمر وعلاقتها بمحل سكنى الفرد. فإذا كنت رجلاً عاديا يعيش في منطقة ما كدويل في ولاية غرب فرجينيا، وهي إحدى أفقر المقاطعات في هذا البلد، ستعيش إلى سن 64 عاما في المتوسط. إذا كنت رجلا من الطبقة الوسطى وتعيش في منطقة فيرفاكس في ولاية فرجينيا المجاورة، وهي إحدى أغنى المقاطعات في أمريكا، ستعيش حتى سن 82 عاماً.

ويصدد جريمة ارتفاع أسعار الأدوية، ذكر أنه ركب حافلة محملة بالناس من ديترويت في ولاية مشكن وعبرت بهم الجسر إلى مدينة وندسر في مقاطعة أونتاريو في كندا. "كان هؤلاء الناس مصابين بمرض السكري ويحتاجون إلى دواء الأنسولين للبقاء على قيد الحياة. تعرّفت خلال رحلة الحافلة التي استغرقت ساعة واحدة على حياتهم. كان أحد الذين تحدثت معهم شابا يلعب كرة القدم ورفض إخبار عائلته التي تعاني من ضائقة مالية أنه لا يستطيع شراء كمية الأنسولين التي يحتاجها. وحين قام بتقنين هذه الكمية، كما يفعل الملايين في أمريكا، مرض وكاد أن يموت. وفي صيدلية الحي الصغيرة في وندسر، تمكن هو والآخرون في رحلة الحافلة شراء نفس منتجات الأنسولين بالضبط بمقدار 10/1 من الثمن الذي كان عليهم دفعه في الولايات المتحدة". وفي رأي السنتر، أن السبب في هذا الرخص الشاسع أن كندا تتفاوض، مثل أية دولة كبرى أخرى، على أسعار الأدوية الموصوفة طبيا مع الشركات التي تصنعها. نحن لا نفعل ذلك ونحن ندفع ما يصل إلى 10 أضعاف ما يدفعه الكنديون".

أتى بعدها إلى أن معظم المواطنين لا يعرفون هذه الحقيقة التي يعيشها الجيران الكنديون ولا حتى الأصدقاء الأوروبيين طرح فكرة التجهيل المتعمد. أعطى مثالين على ذلك من خلال الحديث عما توفره دولتا النرويج والدنيمارك لشعبيهما من السعادة عن طريق اعتبار الرعاية الصحية والسكن والضمان الاجتماعي باعتبارها حقوقا إنسانية الشعب الأمريكي يجهل ذلك. لماذا هذا التجهيل - وكيف يحصل؟ برأي الكاتب، يرافق هذا التجهيل كذب القول بأن الولايات المتحدة لا تستطيع تحمل تكاليف توفير الرعاية الصحية عالية الجودة لكل أمريكي".

اختتم الشيخ برني ساندرز فصله الخامس بصرخة مدوية غاضبة، "يمكننا التغلب على النظام الرأسمالي الذي يحقق الأرباح على حساب الصحة العامة". عقب شارحاً، على الرغم من المبالغ الهائلة التي أُنفقت وتنفق لمنع مناقشة الرعاية الطبية للجميع، وعلى الرغم من شراء السياسيين من كلي الحزبين وعلى الرغم من التعتيم الإعلامي الذي ترعاه الشركات، وعلى الرغم من فشل وسائل الإعلام نفسها في إخبار قصة كيفية عمل التغطية الصحية الشاملة في بلدان أخرى، فإنّه يمكن للأمريكيين أن يفهموا من خلال تجاربهم اليومية، أن نظام الرعاية الصحية في البلاد كارثة ويجب تغييره. لقد أظهر الاستطلاع الذي أجرته مؤسسة Hill HarrisX أن مشروعي قد حظي بتأييد المواطنين بنسبة 67%".

لكن مشروعه النبيل هذا لتحسين حياة العمال والفقراء والمعوزين لإنقاذهم من الموت، قد مات هو نفسه في دهاليز مجلس الشيوخ ومكاتبه المفتوحة لزيارات ممثلي جماعات الضغط. ومع ذلك، لن تخمد تلك المحاولات الخبيثة جذوة أنفاسه المتفائلة، فيمضي للتنبؤ بذلك اليوم! "سيأتي يوم، يتمكن فيه الأمريكيون من دخول المستشفى والحصول على العناية، التي يحتاجونها. وسيكونون قادرين على التركيز على تعافيهم في أقرب وقت، بدون الضغط الناتج عن القلق بشأن إذا كان تحسن صحتهم سيؤدي بهم إلى الإفلاس".

يأمل السنتر بأنه سيأتي يوم يتمكن فيه الأمريكيون، بغض النظر عن دخلهم، من تأمين الأدوية التي يصفها لهم أطباؤهم. لن تكون هناك حاجة للتقنين في الأدوية والعلاجات التي يحتاجونها، بسبب ما لا يستطيعون تحمله من كلفتها. وسيجهد العلماء بحرية للتركيز على تطوير الأدوية الخارقة breakthrough drugs، بدلاً من تصميم أبحاثهم التي تمكن شركات الأدوية من تحقيق الأرباح القياسية. سيكون هناك ما يكفي من الأطباء والممرضات وأطباء الأسنان في كل جزء من البلاد لتقديم الرعاية الجيدة التي يحتاجها الشعب، ولن يضطر الشباب إلى الغرق في الديون الدراسية، لأنهم يبغون رعاية زملائهم ومواطنيهم من الرجال والنساء والأطفال.

إقرأ أيضا: من نيوديل إلى ساندرز.. حنين أمريكا إلى العدالة الاقتصادية.. قراءة في كتاب
الأكثر قراءة اليوم
الأكثر قراءة في أسبوع