في عالم الإعلام الرقمي، أصبحت بعض الصفحات والحسابات على فيسبوك وإنستغرام وإكس تعرف بـ"النبوءات الدقيقة"، حيث تنشر تحذيرات أمنية حادة وتهديدات مبطنة لقادة فصائل وتوقعات عن هجمات على فصائل عراقية مسلحة أو أي نشاطات عسكرية لجماعات موالية لإيران، وغالبا ما تتحقق جزء منها.
ويكمن السر أن هذه الظاهرة لا ترتبط بقدرات تنبؤية خارقة، بل تستند إلى استراتيجية عسكرية تعتمد على العمليات النفسية (PSYOP) التابعة للجيش الأمريكي، ضمن نمط أوسع كشفت عنه تقارير رسمية لشركة ميتا منذ عام 2022.
واعتمدت هذه الاستراتيجية على ما يعرف بـ"الإغراق بالمعلومات"، من خلال نشر عشرات المنشورات يوميا، بعضها يستند إلى معلومات استخباراتية حقيقية، وأخرى مبالغ فيها، بهدف بناء مصداقية تدريجية للمصدر.
وأعلنت شركة ميتا في تشرين الثاني/ نوفمبر 2022 إزالة شبكة ضمت 39 حسابا على فيسبوك و16 صفحة ومجموعتين و26 حسابا على إنستغرام، قالت إنها مرتبطة بـ"أفراد مرتبطين بالجيش الأمريكي"، وتحديدا بعمليات نفسية تابعة للقيادة المركزية (CENTCOM).
واستهدفت هذه الحملة دولا عدة بينها العراق وأفغانستان واليمن وسوريا وإيران ودول في آسيا الوسطى، مستخدمة صورا مزيفة وحسابات وهمية تنتحل صفة محلية، إلى جانب محتوى يجمع بين الدعاية المؤيدة للولايات المتحدة والتحريض ضد
إيران وروسيا والصين.
وأكد تقرير ميتا الربعي لعام 2022، أن هذه الحسابات حاولت إخفاء هويتها، غير أن التحقيقات كشفت ارتباطها بعناصر عسكرية أمريكية.
وكشفت ملفات تويتر أن المنصة، التي تعرف حاليا بـ"إكس"، أنشأت "قائمة بيضاء" لحسابات مرتبطة بالقيادة المركزية الأمريكية، ما أتاح لها نشر محتوى دعائي دون أن يصنف كرسائل مزعجة.
وشملت هذه الأنشطة نشر روايات مؤيدة للحرب السعودية في اليمن وانتقاد الضربات الإيرانية، ما أدى لاحقا إلى مراجعة داخلية داخل وزارة الحرب الأمريكية، وطلب من البيت الأبيض لإجراء تدقيق شامل في عمليات PSYOP.
واستندت عملية التحالف الدولي "العزم الصلب"، وهي الحملة العسكرية الأمريكية ضد تنظيم الدولة في العراق وسوريا منذ عام 2014، إلى حضور إعلامي رسمي عبر موقع inherentresolve.mil وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى جانب استخدام حسابات غير رسمية للتأثير في الجمهور المحلي.
واستمرت الحملات الدعائية الأمريكية مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، من حرب غزة وهجمات حزب الله والحوثيين بين عامي 2023 و2025، وصولا إلى الصراع الجاري مع إيران، حيث تطورت عمليات PSYOP وأصبحت أكثر تقدما من حيث الأدوات والتقنيات.
ومن جانب آخر، اعتمدت هذه العمليات على منصات غير تقليدية، مع التركيز على ردع الفصائل المدعومة من إيران، والتأثير في الرأي العام داخل العراق وسوريا ولبنان، ودعم الوجود الأمريكي ضمن الحملة، وفقا لتقرير صادرة عن مكتب المفتش العام في الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية.
ما الجديد؟
وشهدت الفترة بين شباط/ فبراير وآذار/ مارس 2026 تطورا لافتا في هذه العمليات، مع استخدام تطبيقات مدنية، حيث جرى استهداف تطبيق الصلاة الإيراني "BadeSaba" الذي يستخدمه 37 مليون شخص، عبر التحكم في نظام الإشعارات.
وأرسلت رسائل باللغة الفارسية تضمنت عبارات مثل "المساعدة وصلت!" و"ألقوا أسلحتكم"، متزامنة مع ضربات صاروخية، ما سمح بتجاوز قيود حجب الإنترنت داخل إيران، نظرا لكون التطبيق موثوقا محليا، بحسب ما أورده موقع.
وبرزت في هذا السياق صفحة "USA & IRAQ TODAY" على فيسبوك، ومقرها
الولايات المتحدة، والتي أُغلقت مؤخرا، حيث كانت تنشر تحذيرات يومية بشأن
الحشد الشعبي والفصائل العراقية المسلحة وتوقعات أمنية يتحقق بعضها جزئيا تضمنت قيادات في الحشد ومسؤولين بارزين تابعين لذات الهيئة، وعادة ما تستخدم لهجة عراقية محلية.