واشنطن تجدد دعمها لتسوية نزاع الصحراء.. وبولس يلتقي دي ميستورا

يأتي التحرك الأمريكي في وقت تشهد فيه القضية تحولات دبلوماسية لافتة، مع اتساع دائرة الدول الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي المغربية.. إكس
أكدت الولايات المتحدة استمرار انخراطها في الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء نزاع الصحراء، وذلك خلال لقاء جمع كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، بالمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دي ميستورا، حيث شدد الجانبان على ضرورة تسريع المسار السياسي وتنفيذ مقتضيات قرار مجلس الأمن رقم 2797، وسط مساعٍ دولية متزايدة لدفع الأطراف نحو تسوية سياسية تنهي نزاعا امتد لأكثر من خمسة عقود.

وقال بولس، في تدوينة نشرها أمس الخميس عبر منصة "إكس"، إن اجتماعه مع دي ميستورا كان "مثمرا"، وشكل فرصة لتبادل وجهات النظر بشأن السبل الكفيلة بتعزيز تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2797، وبحث الآليات التي يمكن أن تساعد الأطراف على التوصل إلى "حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الجميع".

وأكد المسؤول الأمريكي أن نزاع الصحراء طال أمده لأكثر من خمسين عاما، مشددا على أن الحاجة باتت ملحة أكثر من أي وقت مضى للتوصل إلى تسوية سياسية تضع حدا لهذا الملف الذي يعد من أقدم النزاعات المطروحة على أجندة الأمم المتحدة.

وأضاف أن الولايات المتحدة تدعم الجهود الرامية إلى تحقيق تقدم ملموس في العملية السياسية، بما يضمن الاستقرار في المنطقة ويتيح فتح آفاق جديدة للتعاون والتنمية الإقليمية.



القرار 2797 في صلب التحركات الدولية


ويكتسي قرار مجلس الأمن رقم 2797 أهمية خاصة في تطورات الملف، إذ جدد التأكيد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي واقعي وعملي ودائم قائم على التوافق، تحت رعاية الأمم المتحدة.

كما دعا القرار جميع الأطراف إلى مواصلة الانخراط في العملية السياسية بحسن نية ومن دون شروط مسبقة، بهدف التوصل إلى حل سياسي متوافق عليه يضمن الاستقرار الدائم في المنطقة.

ويعكس القرار استمرار التحول الذي شهدته المقاربة الدولية خلال السنوات الأخيرة، حيث بات التركيز ينصب على البحث عن حلول سياسية واقعية وقابلة للتطبيق، بدلا من المقاربات التي ظلت تراوح مكانها لعقود.

وفي هذا السياق، تواصل مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب عام 2007 تعزيز موقعها داخل الأوساط الدولية باعتبارها أرضية للحل، إذ تعتبرها الولايات المتحدة وعدد متزايد من الدول "مبادرة جادة وواقعية وذات مصداقية" لتسوية النزاع.

وكانت واشنطن قد اعترفت في كانون الأول/ ديسمبر 2020 بسيادة المغرب على الصحراء، وهو موقف حافظت عليه الإدارات الأمريكية اللاحقة مع استمرار دعمها للمسار الأممي الهادف إلى التوصل إلى حل سياسي نهائي.

حراك دبلوماسي متواصل


ويأتي لقاء بولس ودي ميستورا في سياق حراك دبلوماسي متواصل تقوده الأمم المتحدة لإعادة إطلاق العملية السياسية، بعد سنوات من الجمود الذي طبع الملف.

ويواصل المبعوث الأممي مشاوراته مع مختلف الأطراف المعنية والدول المؤثرة في الملف، سعيا إلى تهيئة الظروف المناسبة لاستئناف المفاوضات على أساس قرارات مجلس الأمن والمرجعيات الأممية ذات الصلة.

وتسعى الأمم المتحدة منذ سنوات إلى تقريب وجهات النظر بين المغرب وجبهة البوليساريو، بمشاركة الجزائر وموريتانيا في المسار السياسي، حيث يتمسك المغرب بمبادرة الحكم الذاتي تحت سيادته باعتبارها الحل الواقعي للنزاع، بينما تدافع البوليساريو، بدعم من الجزائر، عن خيار تقرير المصير، وهو ما أبقى العملية السياسية تراوح مكانها لسنوات رغم الجهود الأممية المتواصلة.

الجزائر ودورها في النزاع


وتبقى الجزائر أحد أبرز الأطراف المؤثرة في الملف، إذ تدعم جبهة البوليساريو سياسيا ودبلوماسيا وتستضيف مخيمات اللاجئين الصحراويين في منطقة تندوف منذ عقود.

وبينما تؤكد الجزائر أنها ليست طرفا مباشرا في النزاع وإنما تدعم ما تصفه بحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، يرى المغرب أن الجزائر طرف رئيسي في القضية بحكم دورها التاريخي والسياسي في دعم البوليساريو، وهو ما دفع الأمم المتحدة إلى إشراكها في اجتماعات الموائد المستديرة إلى جانب المغرب وموريتانيا والجبهة.

ويأتي التحرك الأمريكي في وقت تشهد فيه القضية تحولات دبلوماسية لافتة، مع اتساع دائرة الدول الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، مقابل تمسك الجزائر وجبهة البوليساريو بموقفهما الداعي إلى تقرير المصير. وقد جعل هذا التباين من الملف أحد أبرز مصادر التوتر في العلاقات المغربية الجزائرية خلال العقود الأخيرة، كما أسهم في تعطيل مشاريع الاندماج السياسي والاقتصادي داخل منطقة المغرب العربي.

نزاع يعود إلى سبعينيات القرن الماضي


ويعود النزاع حول الصحراء إلى عام 1975 عقب انسحاب إسبانيا من الإقليم، حيث دخل المغرب وجبهة البوليساريو في مواجهة استمرت سنوات قبل التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار برعاية الأمم المتحدة عام 1991.

ومنذ ذلك الحين، تعاقب عدد من المبعوثين الأمميين على الملف دون التوصل إلى تسوية نهائية، رغم الجهود الدبلوماسية المتواصلة التي قادتها الأمم المتحدة وعدد من القوى الدولية.

وخلال السنوات الأخيرة، اكتسب الملف زخما جديدا مع اتساع دائرة الدعم الدولي للموقف المغربي، وافتتاح عدد من الدول قنصليات في مدينتي العيون والداخلة، فضلا عن تأييد متزايد لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها حلا سياسيا قابلا للتطبيق.

رهانات الاستقرار الإقليمي


ويأتي تجدد الاهتمام الأمريكي بالملف في وقت تشهد فيه منطقة شمال أفريقيا والساحل تحديات أمنية متصاعدة، ما يجعل إنهاء النزاعات الإقليمية أولوية بالنسبة للعديد من القوى الدولية.

ومن شأن أي تقدم في ملف الصحراء أن يساهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي وفتح المجال أمام تعاون اقتصادي وأمني أوسع بين دول المنطقة، في ظل التحديات المشتركة المرتبطة بالإرهاب والهجرة غير النظامية والتنمية الاقتصادية.

وفي هذا الإطار، تعكس تصريحات مسعد بولس رغبة أمريكية في الدفع نحو مرحلة جديدة من التعاطي مع الملف، تقوم على تشجيع الأطراف على اغتنام الفرصة السياسية المتاحة والتقدم نحو حل نهائي يضع حدا لنزاع استمر لعقود وألقى بظلاله على مستقبل المنطقة المغاربية بأكملها.