سوداني يشعل بلفاست.. وسودانيون ماتوا من أجل بريطانيا

كز اليمين المتطرف على هوية وجنسية وديانة المتهم بهدف توظيف القضية سياسياً وإعلامياً- عربي21
أثارت حادثة إقدام مهاجر من أصول سودانية على محاولة قتل مواطن إيرلندي في مدينة بلفاست موجة غضب واسعة في بريطانيا، في وقت سارع فيه اليمين المتطرف إلى استثمار الحادثة لتصعيد خطابه المناهض للمسلمين والمهاجرين، في محاولة لاستنساخ ما يصفه مراقبون بـ"التجربة الترامبية" داخل الساحة البريطانية.

ورغم محاولات الحكومة البريطانية تهدئة الأجواء والتأكيد على أن الحادثة تمثل جريمة فردية معزولة لا علاقة لها بالدين أو العرق، واصل اليمين المتطرف التركيز على هوية وجنسية وديانة المتهم، محاولاً توظيف القضية سياسياً وإعلامياً.

سياسة التعميم والعقاب الجماعي

أصدرت السفارة السودانية في المملكة المتحدة بياناً أدانت فيه بشدة حادث الطعن الذي وقع في مدينة بلفاست في 8 حزيران/ يونيو 2026 ونفذه مهاجر من أصول سودانية، معربة عن تعاطفها مع الضحية وعائلته ومتمنية له الشفاء العاجل.


وشددت السفارة على ضرورة عدم تحميل أي جالية أو مجموعة سكانية مسؤولية أفعال فرد واحد، مؤكدة أن الجالية السودانية في المملكة المتحدة تتمتع بسجل طويل من الإسهامات الإيجابية في المجتمع البريطاني، بما في ذلك العمل في هيئة الصحة الوطنية البريطانية والجامعات وقطاع الأعمال ومجالات أخرى.

سودانيون ماتوا من أجل بريطانيا

وفي خضم التركيز الإعلامي على الأصول السودانية لمنفذ الهجوم، يغيب عن المشهد التذكير بإسهامات أبناء الجالية السودانية في بريطانيا، ومن بينها التضحيات التي قدمها أطباء بريطانيون من أصول سودانية خلال جائحة كورونا.

فقد كان الطبيبان أمجد الحوراني وعادل الطيار من أوائل الأطباء الذين فقدوا حياتهم أثناء عملهم في الخطوط الأمامية لمواجهة الوباء داخل المستشفيات البريطانية.




ولم يكن الطبيبان الراحلان يعرفان بعضهما بعضاً، وربما لم يلتقيا قط، إلا أن الالتزام المهني وخدمة بريطانيا شكلا القاسم المشترك بين قصتيهما، في صورة يرى متابعون أنها تتناقض مع محاولات التعميم التي يروج لها خطاب الكراهية.

إيلون ماسك يدخل على خط الأزمة

ولم يقتصر الجدل على دوائر اليمين المتطرف داخل بريطانيا، إذ أثارت مواقف رجل الأعمال الأمريكي إيلون ماسك اهتماماً واسعاً بعد تعليقه على الأحداث، في خطوة اعتبرها البعض محاولة للضغط باتجاه تشديد سياسات الهجرة على غرار ما شهدته الولايات المتحدة خلال إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

ويأتي ذلك في سياق تدخلات متكررة لماسك، وكذلك لمسؤولين أمريكيين، من بينهم نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، في النقاشات المرتبطة بالهجرة داخل بريطانيا.

ويرى مراقبون أن هذه المواقف تعكس ما يمكن وصفه بمحاولات "تصدير الشعبوية والخطاب المناهض للمهاجرين والأقليات" إلى أوروبا، والدفع نحو تشريعات أكثر تشدداً في ملفات اللجوء والهجرة.

ونشر ماسك عبر منصة "إكس" (تيوتر سابقا) تغريدة قال فيها: "لن يحدث أي تغيير إلا بالاحتجاج المتكرر والصاخب". كما أعاد سابقاً نشر مقطع فيديو قال فيه: "إما أن تدافع عن نفسك أو تموت"، مضيفاً: "هذا هو جوهر الأمر".

كما أعاد نشر تغريدة أخرى دعت إلى منع الأجانب من الحصول على الإعانات وترحيل المهاجرين غير القادرين على إعالة أنفسهم.


تصدير الشعبوية الترامبية إلى بريطانيا

وفي السياق ذاته، يواصل الناشط اليميني المتطرف تومي روبنسون نشر محتوى عبر منصة "إكس" يركز بصورة متكررة على المسلمين والمهاجرين، محملاً إياهم مسؤولية مشكلات التطرف والجريمة في البلاد، ومتهماً حكومة كير ستارمر بالعجز عن مواجهة ما يسميه "غزو المهاجرين".

كما يتبنى روبنسون خطاباً مشابهاً لذلك الذي ينتهجه ترامب وبعض أعضاء إدارته، عبر مهاجمة وسائل الإعلام التقليدية والتشكيك في مصداقيتها، ومحاولة تقديم نفسه وتياره بوصفهما المصدر الأكثر موثوقية للمعلومات.

وفي إحدى تغريداته، اتهم روبنسون وسائل الإعلام البريطانية بالفساد، مقدماً نفسه مصدراً للحقيقة في مواجهة ما وصفه بـ"التضليل الإعلامي".


استهداف للمسلمين وحرق منزل إمام

وفي تطور أثار قلقاً واسعاً داخل الأوساط المحلية، تعرض منزل الإمام حسن باتيل في مدينة بولتون شمال غربي إنجلترا لهجوم حارق نفذه شخص ملثم، في حادثة ربطها كثيرون بأجواء التحريض وخطاب الكراهية المتصاعد ضد المسلمين والمهاجرين.


وأظهرت كاميرات المراقبة رجلاً يرتدي خوذة وملابس داكنة وهو يقتحم الممر المؤدي إلى المنزل مساء الأربعاء، قبل أن يشعل مادة قابلة للاشتعال ويلقيها باتجاه العقار، ثم يحطم إحدى النوافذ ويصب مزيداً من السائل المشتعل، ما أدى إلى اندلاع النيران في واجهة المنزل.


أرقام وإحصاءات

وفي خضم الجدل الدائر حول الجريمة والهجرة، تشير بيانات وزارة الداخلية البريطانية إلى أن غالبية الموقوفين خلال عامي 2024 و2025 كانوا من البيض البريطانيين، بنسبة تقارب 80 في المئة من إجمالي الموقوفين.

وتبرز أهمية الاستناد إلى البيانات الرسمية عند مناقشة قضايا الجريمة والهجرة، إذ تعكس هذه الأرقام إلى حد كبير التركيبة السكانية للمجتمع البريطاني.

ويرى باحثون ومختصون أن هذه البيانات لا ينبغي استخدامها لتبرير التعميم أو تحميل جماعات سكانية بأكملها مسؤولية أفعال أفراد، سواء تعلق الأمر بالمهاجرين أو الأقليات أو أي فئة أخرى.

كما يؤكد خبراء في الاقتصاد وسوق العمل أن المهاجرين يشكلون جزءاً مهماً من القوى العاملة في المملكة المتحدة، ويساهمون في قطاعات حيوية تشمل الرعاية الصحية والتعليم والأعمال والخدمات العامة.