انطلقت مساء الخميس منافسات
كأس العالم 2026
بالمباراة الافتتاحية التي جمعت المكسيك وجنوب أفريقيا، في نسخة تاريخية هي الأكبر
في تاريخ البطولة بمشاركة 48 منتخبا موزعة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.
لكن صافرة البداية لم تنجح في حجب الجدل
السياسي والحقوقي الذي سبق انطلاق البطولة، بعدما تحولت الولايات المتحدة، الدولة
التي تستضيف ثلاثة أرباع مباريات المونديال، إلى هدف لانتقادات حقوقية وإعلامية
متزايدة بسبب سياسات الهجرة والتشديدات الأمنية، في مشهد أعاد إلى الواجهة
المقارنات مع الحملات الواسعة التي استهدفت قطر قبل استضافتها كأس العالم 2022.
وقبل أيام من انطلاق البطولة، استقبل الرئيس
الأمريكي دونالد ترامب شخصيات رياضية ونجوما بارزين في البيت الأبيض، فيما حافظ
رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) جياني إنفانتينو على حضوره اللافت إلى جانب
الإدارة الأمريكية خلال الاستعدادات للمونديال، في صورة تعكس متانة العلاقة بين
الطرفين في وقت تتصاعد فيه
الانتقادات الموجهة إلى سياسات واشنطن المتعلقة بالهجرة
والدخول إلى أراضيها.
لكن ما أثار الاهتمام أكثر من أي شيء آخر
كان التحذيرات الصادرة عن منظمات حقوقية دولية بارزة، وفي مقدمتها منظمة العفو
الدولية، التي أصدرت قبل أسابيع تقريرا حمل عنوان "يجب أن تنتصر
الإنسانية"، اعتبرت فيه أن مونديال 2026 يواجه مخاطر حقيقية قد تجعله منصة
لانتهاكات حقوقية بدلا من أن يكون مناسبة عالمية جامعة. وأشارت المنظمة إلى أن
ملايين المشجعين واللاعبين والصحفيين قد يواجهون تداعيات السياسات الأمريكية
المتعلقة بالهجرة والاحتجاز والترحيل، محذرة من أن القيود المفروضة على حرية
التعبير والتظاهر تهدد البطولة "الآمنة والشاملة" التي وعدت بها
"فيفا".
ولم تقتصر الانتقادات على منظمة العفو
الدولية، بل انضمت إليها منظمات وشبكات حقوقية دولية أخرى طالبت "فيفا"
باستخدام نفوذها لضمان احترام حقوق الجماهير والصحفيين واللاعبين والعمال خلال
البطولة، مؤكدة أن استضافة حدث رياضي عالمي لا تعفي الدول المضيفة من التزاماتها
الحقوقية.
قضية الحكم الصومالي
وتحولت قضية الحكم الصومالي عمر عبد القادر
أرتان إلى واحدة من أبرز القضايا التي ألقت بظلالها على البطولة قبل انطلاقها.
فالحكم الذي اختارته "فيفا" للمشاركة في إدارة مباريات كأس العالم، وكان
سيصبح أول حكم صومالي في تاريخ البطولة، مُنع من دخول الولايات المتحدة رغم
امتلاكه تأشيرة دخول سارية المفعول، ليتم استبعاده رسميا من قائمة حكام المونديال.
وأكدت "فيفا" أن أرتان لن يتمكن
من المشاركة بعد قرار السلطات الأمريكية، مشيرة إلى أن قضايا الهجرة والدخول تبقى
من اختصاص الدولة المضيفة. أما السلطات الأمريكية فقالت إن القرار جاء بعد إجراءات
تدقيق أمنية، فيما تحدثت تقارير أمريكية عن مزاعم تتعلق بوجود ارتباطات مع أشخاص
يشتبه بانتمائهم إلى منظمات مصنفة إرهابية، وهي اتهامات لم تُقدم بشأنها أدلة
علنية حتى الآن.
وأثارت القضية ردود فعل واسعة داخل الأوساط
الرياضية الأفريقية والدولية، خصوصا أن أرتان كان قد حصل على جائزة أفضل حكم في
أفريقيا لعام 2025، قبل أن يقرر الاتحاد الأوروبي لكرة القدم تعيينه حكما لمباراة
كأس السوبر الأوروبية بين باريس سان جيرمان وأستون فيلا في خطوة اعتُبرت رسالة دعم
له بعد استبعاده من كأس العالم.
أوروبا تعوض الحكم الصومالي بعد استبعاده من
المونديال
ولم تمر قضية الحكم الصومالي عمر عبد القادر
أرتان دون تفاعل داخل الأوساط الكروية الدولية، إذ أعلن الاتحاد الأوروبي لكرة
القدم (يويفا) تعيينه لإدارة مباراة كأس السوبر الأوروبي المقررة في آب/ أغسطس
المقبل بين باريس سان جيرمان الفرنسي وأستون فيلا الإنجليزي، وذلك بعد أيام من
استبعاده من المشاركة في كأس العالم 2026 إثر منعه من دخول الولايات المتحدة.
ويُنظر إلى القرار الأوروبي على نطاق واسع
باعتباره رسالة دعم للحكم الصومالي الذي كان يستعد لأن يصبح أول حكم من بلاده
يشارك في نهائيات كأس العالم، قبل أن تحول إجراءات الدخول الأمريكية دون ذلك. كما
أعاد القرار تسليط الضوء على الجدل الذي أثارته القضية داخل الأوساط الرياضية
الدولية، خاصة أن أرتان يُعد من أبرز الحكام الأفارقة في السنوات الأخيرة، بعدما
نال جائزة أفضل حكم في القارة السمراء لعام 2025.
وأثار استبعاده من المونديال انتقادات
واسعة، ليس فقط بسبب حرمانه من المشاركة في أكبر حدث كروي في العالم، بل أيضا لأن
الواقعة جاءت في وقت ترفع فيه "فيفا" شعار الشمولية وعدم التمييز وإتاحة
الفرصة أمام جميع الاتحادات الوطنية للمشاركة المتساوية في أنشطة اللعبة. وفي
المقابل، بدا قرار "يويفا" بمثابة تعويض معنوي ورسالة مفادها أن الكفاءة
الرياضية يجب ألا تكون رهينة الاعتبارات السياسية أو القيود الإدارية المرتبطة
بالدول المضيفة.
مقارنة لا تغيب عن الأذهان
وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة المقارنة مع
مونديال قطر 2022، الذي تعرض قبل انطلاقه لحملات سياسية وإعلامية غربية مكثفة تحت
عناوين حقوق الإنسان والحريات العامة وحقوق العمال. وقد شهدت تلك الفترة دعوات
للمقاطعة ومواقف احتجاجية من بعض المنتخبات الأوروبية، أبرزها المنتخب الألماني
الذي ظهر لاعبوه واضعين أيديهم على أفواههم خلال الصورة الرسمية قبل إحدى
مبارياتهم.
ورغم تلك الحملات، انتهت البطولة القطرية
بإشادات واسعة من وسائل إعلام ورياضيين ومشجعين حول العالم، بعدما نجحت الدوحة في
تنظيم نسخة وصفت بأنها من بين الأفضل على مستوى البنية التحتية والتنقل والأمن
والحضور الجماهيري.
أما اليوم، فإن الولايات المتحدة تواجه
انتقادات حقوقية موثقة من منظمات دولية كبرى بسبب سياسات الهجرة والقيود المفروضة
على بعض الفئات من الأجانب، إلا أن حجم الضغوط السياسية والإعلامية الموجهة إليها
لا يبدو مماثلا لما شهدته قطر قبل أربع سنوات، وهو ما أعاد بقوة النقاش حول
ازدواجية المعايير في التعامل مع الدول المستضيفة للأحداث الرياضية الكبرى.
أين تقف "فيفا"؟
وأعادت قضية أرتان والتقارير الحقوقية
الأخيرة تسليط الضوء على موقف "فيفا" ورئيسها جياني إنفانتينو، الذي
تعرض لانتقادات بسبب ما اعتبره منتقدون غيابا لموقف حازم تجاه الإشكالات التي ظهرت
قبل انطلاق البطولة.
وخلال مؤتمر صحفي عشية انطلاق المونديال،
دعا إنفانتينو المنتقدين إلى "الهدوء والاسترخاء" عند سؤاله عن قضية
الحكم الصومالي، مؤكدا أن الاتحاد الدولي لا يملك صلاحية تجاوز قرارات الهجرة
الخاصة بالدول المضيفة. غير أن هذا الموقف لم ينه الجدل بشأن مسؤولية
"فيفا" في ضمان قدرة جميع المشاركين المعتمدين رسميا على الوصول إلى
البطولة دون عراقيل.
ومع انطلاق المنافسات رسميا، لا تبدو
الأسئلة المرتبطة بحقوق الإنسان والهجرة والسياسة بعيدة عن ملاعب كأس العالم. فكما
كانت قطر عام 2022 في قلب نقاش عالمي حول الحقوق والحريات، تجد الولايات المتحدة
نفسها اليوم أمام تدقيق دولي متزايد، لكن وسط تساؤلات مستمرة حول ما إذا كانت
المعايير المطبقة على الدول المستضيفة واحدة بالفعل، أم أنها تختلف باختلاف
الجغرافيا والسياسة وموازين القوة.