السلفية في تونس.. تشعّبات الفكر، تحولات الخطاب وأبعاد الممارسة.. كتاب جديد

السلفية في تونس ظاهرة متعددة الجذور، تجمع تيارات علمية، وولائية، وجهادية. وجميعها متأثرة بالسلفيات الدولية.
الكتاب: السلفية في تونس: الأسس والخطاب
الكاتب: كتاب جماعي، التنسيق والمراجعة: محمد بالطيب
الناشر: دار المقدمة للنشر والتوزيع، ط1 تونس 2025.
عدد الصفحات: 434 صفحة

ـ 1 ـ


صدر الكتاب الجماعي السلفية في تونس: الأسس والخطاب عن وحدة البحث "الظاهرة الدينية في تونس" بكلية الآداب والفنون والإنسانيات لهذا الكتاب الجماعي. فحاولت مقالاته المختلفة التعمق في فهم الأسس الفكرية للخطاب السلفي ضمن سياقه التونسي المعاصر.

ويشير د. محمد بالطيب رئيس وحدة البحث ومنسق الكتاب في تقديمه إلى الدور الخطير الذي باتت تلعبه بعض الاتجاهات السلفية في تعاظم الإرهاب، واصفًا إياه بـ "الداء العياء الذي عمّ وطَمّ واتسع نطاقه". فقد عمل غلاتهم على استدراج الشباب اليائس والمحبط إلى أحضانهم. وتتمثل المفارقة الكبرى في اعتقادهم لكون الجرائم والفظائع التي يرتكبونها تمثل جهادًا للتقرّب إلى الله، وبكون ترويع الآمنين سبيلا لتحقيق رضاه. هذا التداخل بين الوسائل الإجرامية والغايات المعلنة يستدعي، وفق الباحثين، التفكير في طرق الوقاية من الإرهاب، وهو ما يمرّ أولًا عبر محاولة فهم إطار السلفية وأُسسها.

عُرّفت السلفية إذن بكونها منهجًا في الدين والحكم اعتمده جمهور من علماء الإسلام، وفي مقدمتهم أحمد بن حنبل، ليكون مثالًا يُحتذى به للمسلمين في الماضي والمستقبل، وليعدّ لاحقا منهج الصحابة المقدّس. ومن تبعات هذا المنعرج في الفهم أن اعتبر من لا يتقيد بها مسلمًا، فاختزل الإسلام فيها، وغدا عندهم مساويًا لها أو ناطقًا باسمها، واعتُبر كل مخالف لها مخالفًا للإسلام ذاته. ثم ورثت الوهابية هذا الفهم، وانتقل عبر جسرها إلى الأزمنة الحديثة.
ويذكر محمد بالطيب أن هذه الدراسات، تمثل امتدادًا لكتاب له نشر سنة 2017 بعنوان: السلفية في المغرب العربي: مقاربات سوسيو-تاريخية. وها أنّ وحدة البحث تعمل الوحدة على دراسة الموضوع نفسه من زوايا مختلفة، متعمقة في أصول الفكر السلفي، وفي أطروحاته، ومحددات خطابه، وتجلياته، واتجاهاته، ومفاهيمه، ومرجعيته. وقد ركزت الدراسة على المسكوت عنه في خطاب السلفية، خاصّة في التيارات العنيفة، بغرض دراسة الإرهاب، ومساعدة أهل القرار على ابتغاء مسالك فعالة لدرء خطره.

ـ 2 ـ

يتناول هذا المبحث بداية، أطروحات السلفية بالدراسة ويحاول أن يجيب عن سؤال مداره هل هذا التيار تجديد للخطاب الإسلامي أم هو إعادة إنتاج له. وينتهي إلى أن "السلفية التونسية شأنها شأن السلفية العربية الإسلامية تياران أحدهما كلاسيكي تقليدي ضد الحداثة والتجديد والعصر والآخر حداثي تجديدي يسعى إلى تحقيق دولة الوحي والمدنية في عصر يرفض الثنائية في المشاريع المجتمعية ويشتد فيه الصراع بين قيم الأصالة ومجلوبات العصرنة". ويخص المسألة السياسية في خطاباتها بقدر وافر من الاهتمام. فيعمل على تحليل مواقف تياراتها المختلفة من السلطة والدولة، والمشاركة السياسية. ويحاول أن يبحث في مرجعيات خطابها ضمن مصادرها التاريخية والفكرية والعقدية.

وشغل التبار العنيف من هذه السلفية الباحثين أكثر. فتطرقوا إلى خطابه التكفيري باعتباره مظهرا للتطرّف الديني. زدرسوا مقولات التكفير وأثرها، وموقف ابن تيمية منها وتأثيرها على الخطاب السلفي المعاصر. وبحثوا انطلاقا من النص القرآني وخطابهم الجهادي، في مقولاتهم المختلفة شأن "مسألة الطاغوت" و"شرعية الجهاد".

ـ 3 ـ

يتفق المشاركون في هذا الأثر على صعوبة ضبط مفهوم السلفية. فهذه الظاهرة تختلف بين تيار وآخر، وبين مفكر وآخر وجماعة وأخرى. ويقدّر الأثر أن الأسلم منهجيا فهمها بما هي ظاهرة اجتماعية، كما في الفلسفة الظواهرية، بحيث يتسنى وصفها وتصنيفها ودراسة أساليب تجلّيها علميًا. لذلك يعتبرها ظاهرة اجتماعية تشكّلت في سياق محدد وتطورت تدريجيًا. ومن هذا المنطلق نزعت أغلب دراساته، على اختلافها إلى يتتبع مسار تطورها إلى نهاية القرن العشرين لتقديم صورة كاملة عن وضعها الراهن.

عُرّفت السلفية إذن بكونها منهجًا في الدين والحكم اعتمده جمهور من علماء الإسلام، وفي مقدمتهم أحمد بن حنبل، ليكون مثالًا يُحتذى به للمسلمين في الماضي والمستقبل، وليعدّ لاحقا منهج الصحابة المقدّس. ومن تبعات هذا المنعرج في الفهم أن اعتبر من لا يتقيد بها مسلمًا، فاختزل الإسلام فيها، وغدا عندهم مساويًا لها أو ناطقًا باسمها، واعتُبر كل مخالف لها مخالفًا للإسلام ذاته. ثم ورثت الوهابية هذا الفهم، وانتقل عبر جسرها إلى الأزمنة الحديثة.

وعادت بعض المقالات بجذورها البعيدة في تونس إلى القرن الثامن الميلادي مع تأسيس مدرسة القيروان المالكية، وأكدت تأثرها بدعوة المرابطين في القرنين الخامس والسادس الهجريين، وأخيرًا بالدعوة الوهابية في العصر الحديث. فمثلت في بدايات القرن العشرين دعوة للإصلاح الديني داخل بيئة يهيمن عليها الإرث الطرقي.

ـ 4 ـ

تصنف الحركات السلفية في تونس إلى تيارات عديدة متغيّرة بتغير الأحوال والعصور، ولكن التباين الشديد سيظهر في العصر الحديث خاصّة:

أ ـ من بداية القرن العشرين

ظهر في بداية القرن العشرين ما عُرف بالسلفية الحركية أو الإصلاحية، مع بعض مشايخ جامع الزيتونة الذين تشبّعوا بالفكر المشرقي، ويُفرد بالذكر الشيخ عبد العزيز الثعالبي، الذي كان له موقفٍ ناقد لانصراف بعض رموز الزيتونة إلى التصوّف والزوايا. وكان الشيخ متأثّرًا آنذاك بمقولات محمد رشيد رضا، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده. ويشدّد الكتاب على أنّ معركة شيوخ الزيتونة، قبل هذه المرحلة، كانت قائمة مع الرسالة الوهابية التي دعتهم إلى نبذ ما اعتبرته شركًا، مثل التوسّل بالقبور وزيارتها، وغيرها ممّا ترسّخ في المخيال الديني الشعبي من إيمان تقليدي احتفالي بالطقوس والشعائر الموسمية.

الولاء والبراء يشكلان إطارًا موحدًا للعقيدة السلفية المسالمة فكانت تحاول المواءمة الصعبة بين الولاء للحكام بحجة حماية المجتمع من الفتن، ومعاداة الحداثة (التي يتبناها هؤلاء الحكام، وإن في مستواها السطحي)، التحذير من التشبه بالكفار ومن أباطيل الحداثيين.
وعلى المستوى الرسمي تأسست السلفية الحركية الفكرية سنة 1988 باسم الجبهة الإسلامية التونسية، بقيادة محمد علي الحراثي وعبد الله الحاج ومحمد قوجة. وتعرضت لتأثير الجهاد الأفغاني منذ الثمانينات، مع محاولات فشلها.

بـ ـ في القرن 21

تجددت نشاطاتها في نهاية الألفينات مع انتشار القاعدة على الإنترنت. وفي بداية هذه الألفية، وخاصة في مرحلة ما بعد الثورة تأسست أحزاب سلفية قانونية مثل جبهة الإصلاح، وحزب الأصالة، وحزب الرحمة، وأدت إلى ظهور كيان مختلف هو تنظيم أنصار الشريعة، الذي أعلن بدايةً التزامه بالدعوة السلمية، قبل أن تمارس العنف لاحقًا. وعامة تشكلت هذه الحركات ضمن ثلاث حركات رئيسة:

ـ السلفية العلمية: تمثلها شخصيات مثل الشيخ البشير بن حسين والشيخ كمال المرزوقي، وتركز على تصفية العقيدة من البدع وتربية الجيل عليها، وتدعو إلى طاعة الحاكم.

ـ السلفية المدخلية (الولائية): تشمل رموزًا من مصر والسعودية مثل الشيخ سعيد رسلان والشيخ ربيع المدخلي، وتؤكد الولاء للأنظمة، والامتناع عن الاحتجاج والخروج على الحاكم، مع القعود والصبر والالتماس الأعذار.

ـ السلفية الجهادية: تمثلها تنظيمات مثل «أنصار الشريعة» بقيادة أبو عياض، وتتبنى مفهوم الحاكمية، وتكفر الحكام غير الحاكمين بالشريعة، معتبرة الجهاد المسلح وسيلة لإقامة الدولة الإسلامية.

ـ 5 ـ

تتفق التيارات السلفية في تونس، رغم تباين مساراتها، على أرضية عقدية صلبة تتسم بالانغلاق، فتتقدم العقيدة على سائر مستويات التفكير والممارسة. وتتجلى هذه الوحدة في مركزية البعد العقدي وهيمنة المرجعية النصية على إعمال العقل، والالتزام الحرفي بظاهر النص في فهم الذات والصفات الإلهية ورفض التأويل. فضلا عن ذلك يقوم هذا الإطار المشترك على تصنيف الناس بناءً على أولوية النقل، والتسليم المطلق بأسبقية "السلف" والماضي على الحاضر، مما أنتج بيئة فكرية تمنح المرجعية النبوية والآثار المروية سلطة مطلقة في توجيه السلوك الفردي والجمعي.

وشكّل الولاء والبراء مبدأً أساسيًا موحدًا بين مختلف الحركات السلفية، بعد محبة الرسول، ويشمل محبة أولياء الله ومعاداة أعدائهم. ويظهر في مظاهر عملية، مثل تجنب التشبه بالكفار في الملبس والكلام والإقامة، وتجنّب المشاركة في أعيادهم أو الإشادة بعاداتهم المدنية، مع الالتزام بالحدود الشرعية للعلاقة معهم.

ومع هذا الاشتراك في الجوهر العقدي، يبرز الاختلاف الجذري عند الانتقال إلى فضاء الممارسة واختيار الزعامات الروحية والسياسية، وتحديد الموقف من الدولة. فقد أدت القراءات المتباينة للنصوص إلى انشقاقات حادة توزعت بين نزعات "إرجائية" تميل للسكوت عن الحاكم، ونزعات "خارجية" تميل لتكفيره والمواجهة معه. وتستند هذه التباينات إلى مزيج من المرجعيات الفكرية التي تبدأ من التراث الحنبلي والتيمي، وصولاً إلى المؤثرات الوهابية والحركات "الصحوية" ذات الامتداد الإخواني، وهو ما خلق تشتتاً في الولاءات التنظيمية وتعدداً في المرجعيات التي تحكم السلوك الميداني لكل تيار.

ويتجسد التباين الأعمق في تونس من خلال الموقف من شرعية السلطة؛ فبينما تبنت السلفية العلمية منهج "التصفية والتربية" الذي يركز على تنقية العقيدة من البدع وتربية الأفراد على العلم الشرعي، التزمت في الوقت نفسه بمبدأ "طاعة ولي الأمر" وتحريم الخروج عليه، مفضلةً الانكفاء على الدروس المسجدية والالتزام بالمظهر السلفي دون الصدام مع مؤسسات الدولة، انحرفت في المقابل، السلفية الجهادية نحو القطيعة التامة مع الدولة الوطنية، معتبرةً أن المواجهة المسلحة هي السبيل الوحيد للتغيير، وهو ما تُرجم ميدانياً في أحداث عنيفة مثل تفجير كنيس جربة (2002) ومواجهات سليمان (2006)، وصولاً إلى تحول عناصرها نحو جبهات القتال الدولية في العراق والجزائر وسوريا لاحقاً، مما جعل من "الجهاد" ممارسة مركزية تتجاوز حدود الدولة والولاء لولي الأمر.

ـ 6 ـ

لقد برزت في خطاب هذه السلفية الجهادية مستويان: فقد أعلنوا أن تونس أرض دعوة لا أرض جهاد. ورفعوا شعار "اسمعوا منّا ولا تسمعوا عنّا" احتجاجًا على "تشويهم" و"شيطنته"، ومحاولة لإعادة تعريف الذات أمام المجتمع. (وتحديدًا في خطابات أبي عياض (سيف الله بن حسين) في القيروان 2012.  وتظاهروا في بالالتزام بالفقه المالكي، ثم توجهوا تدريجيًا نحو المذهب الحنبلي. واتسم نشاطهم في المساجد بالاجتماع التلقائي دون تنظيم ظاهري، قبل أن يتضح وجود هيكل تنظيمي صارم، يشتمل على لجان للدعوة وأخرى للإعلام والشورى، وتظاهروا باستخدام الخيمات الدعوية للأعمال الخيرية/ ليتضح أنها كانت غطاءً لتجنيد الشباب وتوجيهه نحو بؤر التوتر. فبنوا تصورهم على مفهوم الحاكمية، وعدّوه جزءًا من التوحيد. وكفّروا الحكّام الذين لا يحكمون بالشريعة، ووصفوهم بالطواغيت، ثم جعلوا الخروج عليهم واجبًا. واعتبروا الجهاد المسلح الوسيلة اللازمة لإقامة ما يسمونه الدولة الإسلامية وإعادة الخلافة. ثم انتقلوا سريعًا إلى العنف، فشهدت البلاد اغتيالات سياسية ومواجهات مسلّحة في جبال الشعانبي، انتهت بتصنيفه تنظيمًا إرهابيًا وحظره.

تتفق التيارات السلفية في تونس، رغم تباين مساراتها، على أرضية عقدية صلبة تتسم بالانغلاق، فتتقدم العقيدة على سائر مستويات التفكير والممارسة. وتتجلى هذه الوحدة في مركزية البعد العقدي وهيمنة المرجعية النصية على إعمال العقل، والالتزام الحرفي بظاهر النص في فهم الذات والصفات الإلهية ورفض التأويل. فضلا عن ذلك يقوم هذا الإطار المشترك على تصنيف الناس بناءً على أولوية النقل، والتسليم المطلق بأسبقية "السلف" والماضي على الحاضر، مما أنتج بيئة فكرية تمنح المرجعية النبوية والآثار المروية سلطة مطلقة في توجيه السلوك الفردي والجمعي.
إذن يتبين من خلال هذا الأثر أنّ الطيف السلفي التونسي المعاصر متعدد وممتدّ الجذور. فقد تشكّل عبر آليات الاستنساخ والاقتداء والاتباع، واتصل بالحركات السلفية الدولية اتصالًا وثيقًا. وتبدو خارطته واضحة. ولكن التدقيق، يكشف مستويات خفيّة منه لم تُدرس بعد بالدقة الكافية.

ـ 7 ـ

يمكننا ان نوجز أهم ما انتهى إليه هذا الأثر الجماعي الأكاديمي في أنّ:

ـ  السلفية في تونس ظاهرة متعددة الجذور، تجمع تيارات علمية، وولائية، وجهادية. وجميعها متأثرة بالسلفيات الدولية.

ـ  المشتركات العقدية تجعلها متقاربة رغم اختلافاتها التنظيمية والفكرية ولكنها عمليا أميل على الانشقاقات السريعة بحيث يتمرّد التلاميذ على شيوخهم باستمرار ويتجهون أكثر نحو التشدّد أو إبراز الزعامة.

ـ  السلفية الجهادية مثلت الجانب العنيف المتطرف، وحاولت طمأنة الرأي العام لتتوسع في الأوساط الشبابية، بينما كانت كل من السلفية العلمية والسلفية الولائية تميلان إلى التكيّف مع السلطة والمجتمع المدني.

ـ  دراسة الخطاب السلفي، خاصة الجوانب المعلنة والمسكوت عنها، ضرورية لفهم الإرهاب وتأثيره على الشباب.

ـ  الولاء والبراء يشكلان إطارًا موحدًا للعقيدة السلفية المسالمة فكانت تحاول المواءمة الصعبة بين الولاء للحكام بحجة حماية المجتمع من الفتن، ومعاداة الحداثة (التي يتبناها هؤلاء الحكام، وإن في مستواها السطحي)، التحذير من التشبه بالكفار ومن أباطيل الحداثيين.

ـ مثّل الإعلام السلفي الجهادي أداة فعالة في التأثير على الشباب، بما في ذلك الخطب، الأناشيد، والفيديوهات، ويُعتبر امتدادًا للخطاب الدولي.