كشفت صحيفة “
وول ستريت جورنال” في تقرير أعده الصحفيون جوشوا شافين ونيل ميهتا ودوغلاس بيلكين، أن رجل الأعمال المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين لم يحصل على شهادة جامعية، فضلا عن أي درجة من
جامعات رابطة اللبلاب المرموقة، ومع ذلك نجح في نسج شبكة علاقات عميقة مع نخبة الأكاديميين الأمريكيين، عبر التبرعات المالية والاهتمامات المشتركة واستضافتهم في عقاراته الفاخرة.
وأوضح التقرير أن ملايين الوثائق التي نشرتها وزارة العدل الأمريكية مؤخرا تكشف كيف تمكن إبستين من اختراق الأوساط الأكاديمية وترسيخ نفوذه فيها، وهو ما يهدد اليوم المسارات المهنية لعدد من الأسماء البارزة في جامعات النخبة.
خلال هذا الأسبوع فقط، أعلن العالم الحائز على جائزة نوبل ريتشارد أكسل استقالته من منصبه كمدير مشارك لمعهد العقل والدماغ والسلوك في جامعة كولومبيا، واصفا علاقته بإبستين بأنها "خطأ جسيم في التقدير".
وفي السياق ذاته، قرر الخبير الاقتصادي والرئيس السابق لـجامعة
هارفارد لورانس سمرز إنهاء عمله كأستاذ في الجامعة مع نهاية العام الدراسي. وكان سمرز قد حصل في تشرين الثاني/نوفمبر على إجازة من التدريس واعتذر علنا، معربا عن "خجله الشديد"، بعد نشر رسائل بريد إلكتروني طلب فيها من إبستين نصيحة بشأن "ممارسة الجنس" مع امرأة كان يسعى للتقرب منها.
كما استعانت كلية بارد بمكتب محاماة لمراجعة علاقات رئيسها ليون بوتستين بإبستين، بعدما أظهرت رسائل إلكترونية علاقة شخصية ودية استمرت حتى بعد إقرار إبستين بالذنب عام 2008 بتهم تتعلق بالتماس الدعارة واستغلال قاصرات. ونفى بوتستين أن يكون إبستين صديقا له، مؤكدا أن التعامل اقتصر على "جمع التبرعات للكلية".
شبكة أكاديمية واسعة
امتدت علاقات إبستين إلى أسماء بارزة مثل اللغوي نعوم تشومسكي من معهد
ماساتشوستس للتكنولوجيا، والفيزيائي النظري ستيفن هوكينغ، إلى جانب باحثين مؤثرين في علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي.
ورغم أن الأكاديميين لم يمنحوه ثروات كتلك التي وفرها مستثمرو وول ستريت، فإنهم أسهموا في تكريس صورته بوصفه راعيا للعلوم وصاحب عقل لامع. ففي مقابلة عام 2007 مع مجلة "نيويورك"، أشاد أكسل بذكاء إبستين قائلا إنه "يملك قدرة فريدة على الربط بين الأفكار ويستطيع تحديد المشكلات البيولوجية دون امتلاك كل البيانات".
وقد عزز إبستين هذه الصورة بظهوره المتكرر مرتديا قميص هارفارد، وحضوره المؤتمرات العلمية، بينها فعاليات "تيد"، واستضافته تجمعا لعلماء الفيزياء في جزر فيرجن عام 2006. كما حملت إحدى وثائق وزارة العدل عنوان "قائمة العلماء" وضمت نحو 30 اسما.
تكشف الوثائق رسائل متبادلة تضمنت تعليقات مهينة للنساء، تعود إلى فترة ما قبل حركة “أنا أيضا”. ففي كانون الأول/ديسمبر 2010، دعا عالم الفيروسات ناثان وولف إبستين إلى عشاء مع مستثمر و"متدربتين جذابتين من المنتدى الاقتصادي العالمي"، واستمر التواصل بينهما حتى 2018. وأفادت جامعة ستانفورد بأن فترة زيارته انتهت كما كان مقررا.
كما وصف أستاذ علوم الحاسوب في جامعة ييل ديفيد جيلرنتر طالبة جامعية بأنها "شابة شقراء جميلة قصيرة القامة" في رسالة عام 2011.
المال بوابة النفوذ
أظهر تقرير صدر عن هارفارد في أيار/مايو 2020 أن إبستين تبرع بـ9.1 مليون دولار للجامعة خلال العقد الذي سبق إدانته، منها 6.5 مليون دولار تعهدا عام 2003 لإنشاء برنامج الديناميات التطورية بإشراف البروفيسور مارتن نواك، الذي أوقفته الجامعة مؤقتا مع استمرار تقاضي راتبه بانتظار نتائج التحقيق.
وغالبا ما تراوحت تبرعات إبستين الفردية بين عشرات الآلاف من الدولارات، مستفيدا من حاجة بعض الأكاديميين، خصوصا في العلوم الاجتماعية والإنسانية، إلى التمويل.
ومن بين هؤلاء عالم الأنثروبولوجيا روبرت تريفرز، الذي أشاد في رسالة عام 2019 بـ"نزاهة إبستين الشخصية"، واعتبر دعمه المالي "أفضل من الضمان الاجتماعي"، رغم الجدل الذي أثارته تصريحاته المدافعة عنه.
شبكة العلاقات والوساطات
وتظهر الرسائل أن أحد الأكاديميين كان يفتح الباب لآخر. فقد تعرف الاقتصادي نوريل روبيني على إبستين عبر جينو يو، الذي أبلغه بأن إبستين يمول بعض أبحاثه. وقال روبيني للصحيفة إنه التقى إبستين مرة واحدة فقط لمدة نصف ساعة، مضيفا أنه "لم يكن مهتما بآرائي، بل بذكر أسماء المشاهير".
كما كشفت مراسلات عام 2016 أن إبستين حاول تسهيل التحاق أليس دي
روتشيلد، وريثة العائلة المصرفية الشهيرة، بجامعة كولومبيا عبر التواصل مع أكسل. ورغم إرسال السيرة الذاتية وطلب المراجعة، انتهت المحاولة بالرفض في شباط/فبراير 2017، قبل أن تلتحق أليس بـجامعة نيويورك لدراسة علم الأحياء بين 2017 و2022.
وأكد متحدث باسم عائلة روتشيلد أن قبولها أو رفضها في الجامعات الأمريكية "كان مرتبطا بالكامل بدرجاتها"، مشددا على أنه "لا يمكن تحميلها مسؤولية تصرفات جيفري إبستين الأحادية".
ويخلص التقرير إلى أن الأكاديميين لم يمنحوا إبستين فقط غطاء من الاحترام، بل وفروا له أيضا نفوذا أو مظهرا من النفوذ، خصوصا في ما يتعلق بإمكانية تسهيل قبول أبناء الأثرياء في جامعات رابطة اللبلاب.
وبينما تتواصل التحقيقات وتتكشف الوثائق، تبدو تداعيات علاقات إبستين بالأوساط الأكاديمية مرشحة لمزيد من التصعيد، مع ما تحمله من أسئلة حول أخلاقيات التمويل الجامعي وحدود العلاقة بين المال والبحث العلمي.