تمحور الخلاف الرئيسي بين
العراق والكويت حول ترسيم حدودهما البحرية جنوب العلامة 162 (العلامة التي انتهى اليها ترسيم الحدود البحرية بين البلدين وفقا لقرار مجلس الأمن رقم 833 في العام 1993) حول خط الأساس الذي استنادا إليه يتم تحديد البحر الإقليمي والمنطقة المتاخمة والمنطقة الاقتصادية للدول؛ فقد كانت
الكويت مصرة على ترسيم خطها الأساس من منطقة ضحلة هي “فشت العيج”، وتقع في مدخل خور عبد الله، خاصة بعد إصدارها المرسوم الأميري رقم 317 عام 2014 الذي رسم الحدود البحرية للكويت. وهو ما يرفضه العراق؛ ففي رسالة وجهها الممثل الدائم للعراق في الأمم المتحدة الى رئيس مجلس الأمن، عد العراق هذا المرسوم “فعلا باطلا بموجب أحكام القانون الدولي ولا يترتب عليه أي أثر قانوني”!
وكان الخلاف أيضا حول المنطقة الواقعة غرب خور الخفكة الذي يقع على بعد 29.7 ميل بحري (47.8 كيلو متر تقريبا) جنوب الساحل العراقي، ويقع فيه ميناء البصرة النفطي؛ فقد وجهت وزارة الخارجية العراقية بتاريخ 19 آذار 2023 كتابا يتضمن رفض العراق قيام الجانب الكويتي بنصب محطة تنقيب عن النفط في “خور الخفكة” ضمن المنطقة الاقتصادية للعراق.
في المقابل عمد العراق إلى ترسيم خط الأساس الخاص به عام 2011 من الساحل الطبيعي، ففي رسالة أودعت في الأمم المتحدة بتاريخ 15 نيسان 2011، قدم العراق مخططا وقائمة بالإحداثيات الجغرافية للنقاط التي تحدد خط الأساس للبحر الإقليمي العراقي، لكنه عاد عام 2021 ليقدم مخططا وقائمة بإحداثيات تحدد خط أساس مختلف يعتمد على كاسر الأمواج الخاص بميناء الفاو الكبير، وليس على الساحل الطبيعي مع أنه لا يمكن، بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، الاعتماد على المنشآت المستحدثة، مثل الجزر الاصطناعية أو المنصات) لترسيم خط الأساس الذي تقاس به الحدود البحرية!
وقد أشرنا في مقال سابق أننا نعتقد أن العراق قد لجأ إلى هذا الترسيم الجديد لخطه الأساس من أجل استخدامه كورقة تفاوضية بإزاء “فشت العيج”!
إن مراجعة الاتفاقيات الخاصة بالحدود البحرية التي وقعت بين كل من عمان والإمارات العربية المتحدة والسعودية والبحرين من جهة، وإيران من جهة ثانية، تكشف أنها جميعا عمدت إلى تجاهل الجزر عند ترسيمها لتلك الحدود، وأنها جميعا اعتمدت على مبدأ تساوي البعد، بسبب ضيق عرض
الخليج العربي الذي لا يتيح للدول المطلة عليه اعتماد المسافات التي حددتها اتفاقية قانون البحار لترسيم جرفها القاري، أي بحر إقليمي يمتد لمسافة 12 ميلا بحريا، ثم المنطقة المتاخمة التي تمتد لمسافة 12 ميلا بحريا أخرى، وأخيرا المنطقة الاقتصادية الخالصة التي تمتد لمسافة 200 ميل بحري!
ولكن الأمور تغيرت حين قدم العراق يوم 18 شباط 2026 خرائط وإحداثيات مجالاته البحرية شمال الخليج العربي وجنوب العلامة 162 في مدخل خور عبد الله، لاسيما أنها بدت ارتجالية إلى حد بعيد حين لم يلتزم بقواعد ترسيم الحدود البحرية وفقا لاتفاقية قانون البحار، تحديدا أحكام المادة 15 التي تنص على أنه في حال عدم وجود اتفاق، وحين تكون “سواحل دولتين متقابلة أو متلاصقة”، لا يحق لأي منهما “أن يمد بحرها الإقليمي الى أبعد من الخط الوسط الذي تكون كل نقطة عليه متساوية في بعدها عن أقرب نقطة يقاس منه عرض البحر الاقليمي لكل من الدولتين”.
وهذه الخريطة لا تتقاطع مع الخرائط التي رسمتها الكويت وإيران وحسب، بل لا تترك لهاتين الدولتين أي منطقة اقتصادية خالصة شمال الخليج العربي
إن مراجعة الإحداثيات التي قدمها العراق تكشف أنه قد رسم بحره الإقليمي لمسافة 12 ميلا بحريا، ثم رسم منطقته المتاخمة لمسافة 12 ميلا بحريا، ثم رسم منطقته الاقتصادية الخالصة لمسافة 62 ميلا بحريا، أي بعمق 86 ميلا بحريا، أي ما يعادل 159.27 كيلو متر (الميل البحري يعادل 1.852 كيلو متر)، على الرغم من أن ساحله على الخليج العربي لا يتجاوز 58 كيلو مترا!
وهذه الخريطة لا تتقاطع مع
الخرائط التي رسمتها الكويت وإيران وحسب، بل لا تترك لهاتين الدولتين أي منطقة اقتصادية خالصة شمال الخليج العربي، بل إنها تأخذ أكثر من نصف المنطقة المتاخمة الكويتية! على الرغم من أن الساحلين الكويتي والإيراني يمتدان لأضعاف طول الساحل العراقي. ولو عمدت قامت الدولتان باعتماد المسافات التي اعتمدها العراق في ترسيمته هذه، لما بقيت هناك حدود بحرية للعراق أصلا!
مثال على هذه الارتجالية في رسم الحدود البحرية للعراق، أنها ضمت إليها حقل الدرة للنفط والغاز، وهو حقل كان موضع نزاع طويل بين الكويت وإيران امتد لأكثر من 59 عاما، إذ تدعي إيران امتلاكها لـ 40 في المئة من هذا الحقل، وتسميه حقل آراش، حيث يقع في مياهها الإقليمية، فيما ترفض الكويت ذلك! وقد وقعت الكويت والسعودية اتفاقية ترسيم حدودهما البحرية عام 2000، وعدّت الاتفاقية حقل الدرة “حقلا مشتركا” بينهما، فيما رفضت إيران ذلك! وطوال هذه السنوات لم يصدر عن العراق أي تصريح أو إشارة، حول ملكية العراق لهذا الحقل الكاملة أو المشتركة!
وثمة ملاحظة لا بد من الوقوف عندها هنا، وهي أن خارطة المجالات البحرية العراقية الأخيرة ضمت أكثر من ثلث الحدود البحرية التي رسمتها إيران لجرفها القاري، بما فيها حقل الدرة/ آراش، ولم يصدر حتى اللحظة أي اعتراض إيراني على الترسيم العراقي، وهو ما يستدعي وضع ألف علامة تعجب وليس واحدة!
وبعيدا عن الأسباب التي دفعت العراق إلى هذا الترسيم المرتجل، فإن الحدود البحرية للدول لا ترسم عبر التعدي على حقوق الآخرين، ولا ترسم عبر الارتجال والرغبات والخيال، ولا بالشعبويات وصعود الأدرينالين الوطني، ولا تخضع لعلاقات القوة أو محاولات فرض أمر واقع عبر خرائط تودع في الأمم المتحدة بشكل روتيني، وبالتالي لا ترسيم إيران لحدودها البحرية عام 1955، ولا ترسيم الكويت لحدودها البحرية عام 2014، ولا ترسيم العراق لحدوده البحرية عام 2026 من جانب واحد، سيترتب عليها كلها أيّ أثر قانوني يمكن فرضه على الآخر. وليس ثمة حل أمام الأطراف الثلاثة سوى الوصول إلى حلول مرضية لهم جميعا بالتوافق، أو اللجوء الى آليات تسوية النزاعات التي تقررها اتفاقية قانون البحار لعام 1982 (المحكمة الدولية لقانون البحار، أو محكمة العدل الدولية، أو محكمة تحكيم خاصة يعينها الأمين العام للأمم المتحدة).
القدس العربي