أشرنا أكثر من مرة الى طبيعة النظام السياسي الهجين الذي يحكم
العراق، وإلى أن الدستور أحد قواريره الأكثر هشاشة، وأن ما يسيّر النظام هو علاقات القوة وحدها، ليس بين الأطراف المحلية السياسية الممثلة لقوميات ومذاهب وحسب، بل فواعل محليين آخرين يفترض أن لا علاقة لهم بالسياسة أيضا؛ على رأسهم المرجع الشيعي الأعلى السيد علي السيستاني، ورئيس مجلس القضاء الأعلى السيد فائق زيدان الذي ورث دور أبو مهدي المهندس كضابط ارتباط للنفوذ الإيراني في العراق من جهة، وحولته سلطتُه المطلقة على القضاء وسلطات ومؤسسات أخرى (بينها المحكمة الاتحادية ومفوضية الانتخابات وهيئة المساءلة والعدالة) إلى صاحب كلمة عليا في النظام السياسي ولا يستطيع أحد مواجهته (ما جرى لرئيس المحكمة الاتحادية السابق جاسم العميري كان درسا قاسيا لكل من يفكر في ذلك!).
فضلا على الفاعلين الخارجيين اللذين لهما حق الفيتو في العراق وهما إيران والولايات المتحدة الأمريكية، الأولى استمر دورها منذ العام 2003 إلى اليوم، أما الولايات المتحدة فكان دورها مرتبطا بطبيعة سياسات الإدارات الأمريكية المتعاقبة تجاه العراق.
بناء على ذلك كله، فإن اختيار المنصب الأهم في النظام السياسي العراقي، وهو منصب رئيس مجلس الوزراء، يخضع لعلاقات القوة هذه، خاصة بعد قرار المحكمة الاتحادية المسيس الذي صدر عام 2010 المتعلق بتفسير المادة 76 من الدستور العراقي، والذي ألغى العلاقة بين الانتخابات والترشيح لهذا المنصب، وأصبح المنصب، بذلك، خاضعا لعلاقات القوى بين الفواعل المحليين والخارجيين. من هنا فإنه يستحيل على أي مرشح لرئاسة مجلس الوزراء، أن يصل إلى هذا المنصب إذا ما كان هناك فيتو صريح ضده سواء من إيران أو الولايات المتحدة الأمريكية أو السيد السيستاني!
ولعل المثل الأقرب لذلك، أنه بعد تمرير الدستور العراقي عام 2005، وإجراء انتخابات مجلس النواب، رشّح الائتلاف العراقي الموحد إبراهيم الجعفري لمنصب رئيس مجلس الوزراء، لكن الترشيح لم يمر بسبب فيتو أمريكي ضمني، وفيتو صريح من السيد علي السيستاني أجبر الجعفري على الانسحاب!
وتكرر الأمر نفسه عام 2014، حيث وقف الفيتو الأمريكي الضمني، ومعه فيتو صريح من السيد السيستاني حائلا دون الولاية الثالثة لنوري
المالكي، واضطرت إيران للقبول بالأمر، وأجبرت المالكي على عدم الاعتراض، بعد أن هدد برفض ذلك!
في 2018، كان المشهد مختلفا قليلا، فقد كانت ثمة مواجهة صريحة بين إيران والولايات المتحدة على من يكون له الكلمة العليا في موضوع رئيس مجلس الوزراء، وكان تحالف الفتح يريد ترشيح السيد هادي العامري لمنصب رئيس مجلس الوزراء، لكن الفيتو الأمريكي كان صريحا ومنعهم من ذلك! لينتهي الأمر باتفاق سياسي أدارته إيران بين تحالف الفتح والتيار الصدري، توصلوا من خلاله إلى مرشح تسوية هو السيد عادل عبد المهدي الذي حظي بقبول السيد السيستاني لكنه لم يحظ بقبول أمريكي، وظلت الولايات المتحدة ترفض التعاطي معه، بل رفضت استقباله رسميا، لتأتي احتجاجات تشرين ويضطر الرجل إلى الاستقالة بعد عام واحد فقط!
يومها أيقنت إيران، وأيقن الفاعلون السياسيون الشيعة، أنهم لا يمكنهم تمرير أي رئيس لمجلس الوزراء لا يحظى بقبول أمريكي، حتى وإن لم يكن هناك فيتو صريح عليه. وأن الولايات المتحدة الأمريكية قادرة على استخدام أوراق الضغط المالية والاقتصادية والسياسية لإجبارهم على الأخذ برأيها! لهذا حرص الجميع على ترشيح شخصية لديها علاقات جيّدة مع الأمريكيين عام 2020 وكان الإجماع على ترشيح السيد مصطفى الكاظمي. كما حرصوا عام 2022 على أن يأتوا بالسيد محمد شياع السوداني بوصفه مرشحا لا وجود لفيتو أمريكي عليه!
بعد الانتخابات المبكرة التي جرت عام 2021، شكل الفائزون الثلاثة (التيار الصدري الشيعي وتحالف السيادة السني والحزب الديمقراطي الكردي الثلاثي) تحالف «إنقاذ الدولة»، وكان هذا التحالف يحظى بالأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس النواب، وهو ما يعني أنه كان بإمكانهم تمرير انتخاب الرئاسات الثلاث، لكن إيران منعت ذلك واستطاعت من خلال رجلها بالعراق السيد فائق زيدان، أن تستصدر قرارا من المحكمة الاتحادية التي تخضع للأخير، يقضي بأن الجلسة الأولى المتعلقة بانتخاب رئيس الجمهورية، وهي الخطوة الضرورية لتكليف المرشح لرئاسة مجلس الوزراء بعدها، يجب أن تكون بالثلثين وليس بالأغلبية المطلقة، وكان هذا القرار بمثابة فيتو إيراني صريح على مرشح تحالف إنقاذ الدولة لرئاسة مجلس الوزراء السيد جعفر محمد الصدر، وبالفعل نجحت في تمرير هذا القرار، وكانت نتيجته استقالة أعضاء التيار الصدري من مجلس النواب، وانتهاء مشروع التحالف الثلاثي قبل أن يبدأ!
اليوم يواجه العراق المأزق نفسه، فبعد أن نجت إيران ووكلاؤها وحلفاؤها في ترشيح السيد نوري المالكي لمنصب رئيس مجلس الوزراء، رغم الخلافات الكثيرة حول هذا الترشيح داخل الإطار التنسيقي نفسه، ورغم تحفظ الفاعل الأقوى نفسه السيد فائق زيدان على هذا الترشيح بسبب أن وصول المالكي إلى هذا الموقع يمكن أن يقوض «جمهوريته» التي بناها في السنوات الأخيرة، ورغم فيتو السيد علي السيستاني نفسه (حاول المالكي تقويض نفوذ السيد السيستاني عبر دعم مرجعية محمود هاشمي شاهرودي في العام 2011 لكن المحاولة لم تنجح وهو أحد أسباب رفض السيد السيستاني للولاية الثالثة للمالكي عام 2014).
اليوم يأتي الفيتو الأمريكي الصريح على لسان الرئيس ترامب ليضع الجميع أمام تحد غير مسبوق
واليوم يأتي الفيتو الأمريكي الصريح على لسان الرئيس
ترامب ليضع الجميع أمام تحد غير مسبوق! وهو فيتو جدلي بسبب حقيقة أن الفيتوهات السابقة كانت تأتي في غرف مغلقة، أو يتم «إخراجها» بطريقة غير محرجة، وبالتالي كان يمكن حينها التغطية عليها بشكل أو بآخر، أما فيتو ترامب الذي جاء عبر منصة تروث سوشيال، وكان مصاغا بطريقة ترامبية لا علاقة لها بالسياسة، فقد جعل إيران وإطارها التنسيقي أمام خيارين أحلاهما مر، إما رفض موقف الأمريكي، وهو ما سيدخل العراق في مواجهة مفتوحة مع ترامب الذي يملك أوراق ضغط مالية واقتصادية يمكنها أن تحوّل الأزمة المالية الحالية في العراق، إلى كارثة حقيقية! أو قبوله وهو ما يعني الإطاحة بسطوة إيران التي بنتها في العراق على مدى سنوات، وبصورة وكلائها وحلفائها في العراق، وبسيادة الدولة العراقية!
إنّ إدارة الدول تتطلب قراءة عقلانية للمتغيرات الجيوسياسية، ولا تخضع مطلقا للتجريب واللعب على الحبال، خاصة في منطقتنا التي تمر بمخاض حقيقي، وبالتالي منع تحول الدولة إلى ميدان للصراع، سواء أكان صراعا حقيقيا أم صراعا بالوكالة، فهذا يقتضي رجال دولة حقيقيين قادرين على التعامل مع كل تلك المتغيّرات، وبالتأكيد لا يقتضي شخصيات موتورة وانتهازية وزعماء ميليشيات!
القدس العربي