مقالات مختارة

العراق: لا قضاء حقيقيا في دولة فاسدة!

يحيى الكبيسي
جيتي
جيتي
شارك الخبر
بعيد انتخابات مجلس النواب العراقي عام 2018، تواطأت الكتلتان الشيعيتان الأكبر، «ائتلاف الفتح» و»تحالف سائرون نحو الإصلاح»، على ترشيح رئيس مجلس وزراء دون إعلان «الكتلة النيابية الأكثر عددا»، كما تشترط ذلك المادة 76 من الدستور، ولم يشر كتاب التكليف الذي وقعه رئيس الجمهورية برهم صالح إلى اسم الكتلة الأكثر عددا المفترضة. ثم توطأ الجميع مع هذا الانتهاك الصريح للدستور، لأنهم كانوا يدركون أن الصراع لم يكن صراعا سياسيا، بل صراعا أكثر تعقيدا بين قوى سياسية تمتلك ميليشيات مسلحة!

حينها زار رئيس المحكمة الاتحادية الأسبق مدحت المحمود مجلس النواب، وسوقت بعد هذه الزيارة، فكرة أنه بارك ما جرى، وبالتالي لا وجود لمشكلة دستورية أو قانونية في هذا الترشيح. لكن من سوق هذا الخبر لم ينتبه إلى حقيقة أن رئيس المحكمة الاتحادية لا يملك أي سلطة أو صلاحية تتيح له ذلك؛ فالمحكمة الاتحادية لا تنعقد إلا باجتماع أعضائها التسعة، ولا تتخذ قراراتها إلا بالأغلبية!

وفي العام 2021 كان ثمة صراع آخر على ترشيح رئيس الجمهورية بين الحزبين الكرديين؛ الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، وقد تدخلت المحكمة الاتحادية في هذا الصراع من خلال إبعاد مرشح الحزب الديمقراطي هوشيار زيباري بقرار واضح التسييس (كان القرار عقوبة قررتها إيران ووكلاؤها وحلفاؤها في العراق على ذهاب الديمقراطي الكردستاني مع التحالف الثلاثي حينها) مفاده أن الرجل قد خضع لاستجواب في مجلس النواب عندما كان وزيرا للمالية، وقد صوت المجلس على أن أجوبته لم تكن مقنعة، مما استوجب إقالته. وقد رأت المحكمة أن مجرد الاستجواب والإقالة يخل بشرط أن يكون المرشح «ذا سمعة حسنة وخبرة سياسية ومشهودا له بالنزاهة والاستقامة».

وهذا انتهاك آخر من جملة الانتهاكات الكثيرة للدستور العراقي الذي قرر أن «المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية عادلة»، ولا يمكن لعاقل أن يعد القرارات الصادرة عن مجلس النواب «محاكمة قانونية عادلة»!

في يوم 29 كانون الأول/ديسمبر 2025 عقد مجلس النواب العراقي اجتماعه الأول، والذي يفترض فيه أن يتم انتخاب رئيس مجلس النواب ونائبيه وفقا للنص الدستوري. وبالفعل نجحت الصفقة التي حكمت انتخاب رئيس مجلس النواب، بعد اضطرار المنافس الأقوى للانسحاب نتيجة ضغوطات صريحة مورست عليه من رئيس مجلس القضاء الأعلى، ما كان بإمكانه مواجهتها، لأسباب تتعلق بملفاته القضائية «المجمدة» والمتعلقة بالفساد! ومر انتخاب النائب الأول لرئيس المجلس بالسلاسة نفسها، لكن انتخاب النائب الثاني واجه معضلة حقيقية.

فمنذ أول انتخابات للسلطة التشريعية جرت في كانون الثاني/ يناير 2005، كان هناك اتفاق على يكون منصب النائب الثاني من حصة الحزب الديمقراطي الكردستاني، وقد استمر هذا الاتفاق على مدى 6 مجالس نواب متتالية.

لكن في هذه المرة كانت هناك مفاجأة قد أعدت، فقد دعم فاعلون سياسيون شيعة، وعلى رأسهم أبو آلاء الولائي (زعيم ميليشيا كتائب سيد الشهداء، والموضوع على قائمة عقوبات وزراة الخزانة الأمريكية) مرشح حزب كرد جديد تشكل بدعم من الفاعلين السياسيين الشيعة أنفسهم باسم «الموقف الوطني»، وتمكن بفضل هذا الدعم من الحصول على 5 مقاعد في الانتخابات الأخيرة، وكانت نتيجة جولة الانتخابات الأولى حصول هذا مرشحهم على 153 صوتا، متقدما بـ 34 صوتا على مرشح الديمقراطي، وحصل في الجولة الثانية على 157 صوتا، وكان على بعد 9 أصوات فقط من الحصول على المنصب. ولو أن الانقلاب هذا نجح، لكان ذلك خطوة أولى باتجاه إخصاء رمزي للحزب الديمقراطي الكردستاني، كما حصل مع الفاعلين السياسيين السنة.

لكن تهديدا صريحا من الحزب الديمقراطي الكردستاني بالانسحاب من العملية السياسية إن تم تمرير هذا الانقلاب، أجبر الجميع على التراجع، لنواجه هذه المرة بتدخل صريح من رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان في معالجة هذا الأمر، وكالعادة دون أن تكون له أي صلاحية أو اختصاص في ذلك؛ فقانون مجلس القضاء الأعلى يقرر أن رئيس مجلس القضاء الأعلى لا يمتلك أي سلطة أو اختصاص خارج نطاق كونه رئيسا لمحكمة التمييز الاتحادية، أي خارج حدود القضاء والمحاكم، ولا يمكن تفسير هذا التدخل إلا بأنه تدخل القضاء في الشأن السياسي، مما يقوض مبدأ استقلال القضاء، ويستوجب المساءلة!

صحيح أنه قد نجح في ايقاف هذا الانقلاب، وحفظا لماء وجه الفاعلين السياسيين الشيعة الذين دبروا هذا الانقلاب، سُحب مرشح الحزب الديمقراطي الأول، ورشح مرشح جديد، لكن هذا جرى في مخالفة أخرى لقرار سابق للمحكمة الاتحادية العليا ينص على أنه لا يجوز فتح الترشيح إلا مرة واحدة (322/ اتحادية/ 2023)، وإن كان هذا القرار يتعلق بانتخاب رئيس مجلس النواب، لكن بالعودة إلى الدستور وقانون مجلس النواب والنظام الداخلي لمجلس النواب، فإن ما يسري على انتخاب رئيس مجلس النواب، يسري على انتخاب نائبيه أيضا!

اللافت في كل هذا العبث، أن لا أحد في العراق يعترض، أو حتى يعلق على تدخل رئيس مجلس القضاء الأعلى في الصراعات السياسية، وتحوله هو نفسه إلى فاعل سياسي، وآخرها من خلال حضوره إلى مجلس النواب، ولا أحد يعلق على دوره في المخالفات التي جرت وتجري، بل بالعكس الجميع يستخدم تدخله لشرعنة ما يحدث من انتهاكات. والفضيحة هنا مركبة؛ فرئيس السن لمجلس النواب العراقي قد «مدح» هذا التدخل الذي ينتهك مبدأ الفصل بين السلطات المنصوص عليه في الدستور العراقي، وينتهك أحكام قانون مجلس القضاء الأعلى أيضا!

وفي معرض تسويغ الدكتور فؤاد معصوم لواقعة عدم الالتزام بالمدة الدستورية لانتخاب رئيس للجمهورية عام 2010، قال إنها ليست بأول قارورة كسرت في الإسلام. وهذه الكناية تستخدم لتوصيف الانتهاكات الصريحة أو الضمنية، لبعض أحكام الإسلام، لكن القارورة التي تكسر كل يوم تتعلق هذه المرة بالقضاء نفسه، وشرعنة تسييسه. ثم تكريس هذا التسييس الذي حكم القضاء العراقي على مدى عمر الدولة العراقية. والأمر يتعلق أيضا باختصاصات رئيس مجلس القضاء الأعلى وصلاحياته التي تجاوزت حدودها ليتحول الرجل إلى «عراب» حقيقي لكل آفات النظام السياسي الفاسد، ولعلَّ انتشار صوره على واجهة المؤسسات الرسمية والأماكن العامة في العراق، في ظاهرة غير مسبوقة، يفسر كل ذلك!

القدس العربي
التعليقات (0)