حضور أمريكي لافت في ليبيا.. ما تأثيراته على الدور الروسي؟

"عربي21" التقت ساسة وخبراء من ليبيا وروسيا للوقوف على مستقبل ومصير الدور الروسي- الأناضول
"عربي21" التقت ساسة وخبراء من ليبيا وروسيا للوقوف على مستقبل ومصير الدور الروسي- الأناضول
شارك الخبر
تتصدر المبادرة الأمريكية التي يسوق لها ويطرحها مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس، المشهد السياسي الليبي وتحمل عدة تساؤلات وتكهنات، ومن أبرز التساؤلات تأثير هذه الخطوة على الوجود الروسي في ليبيا.

والمتابع للشأن الليبي يجد أن واشنطن هي التي تمسك بزمام المشهد في ليبيا سياسيا وعسكريا منذ أكثر من عام، وأن حضورها لافت جدا وتجاوز كل الفاعليين الإقليميين وحتى دور البعثة الأممية.

وجاءت مبادرة بولس لتؤكد الحضور الأميركي اللافت في ليبيا، والذي إحدى أهدافه كبح جماح موسكو ومنعها من اتخاذ ليبيا كنقطة انطلاق استراتيجية نحو القارة الإفريقية، أو التواجد بالقرب من سواحل أوروبا.

"تكييف وحماية مصالح"


وتسعى واشنطن لتثبيت أقدامها في المشهد الليبي عبر عدة مسارات منها الاقتصادي والسياسي والعسكري، فاقتصاديا أسهمت بقوة في توحيد المصرف المركزي والدفع نحو تبني ميزانية موحدة لليبيا، وعسكريا نجحت في الجمع بين قوات الشرق والغرب في مناورات وتدريبات واحدة، وسياسيا طرحت خطة لتوحيد المؤسسات لكن دون محاور واضحة أو مدد زمنية أو حديث عن الانتخابات.

وبخصوص روسيا، فإن واشنطن تكثف من حضورها في ليبيا بهدف كبح النفوذ الروسي المتنامي في شمال أفريقيا والبحر المتوسط، ومنع موسكو من استخدام ورقة النفط والغاز للضغط على الغرب، خاصة في ظل الحاجة الأميركية لتأمين إمدادات الطاقة، وتعتمد واشنطن على الضغط الدبلوماسي، والتواصل المباشر مع الأطراف الليبية، والانخراط الأمني المباشر عبر قوات "أفريكوم" للسيطرة على مفاصل الأزمة الليبية وحلها.

ورغم ذلك لا تزال روسيا تحتفظ بشبكة علاقات وقواعد عسكرية في الشرق والجنوب لضمان بقائها كلاعب رئيسي في أي تسوية مقبلة، وكذلك تحافظ على علاقات استراتيجية متماسكة مع قوات القيادة العامة برئاسة المشير خليفة حفتر، مع علاقة تقليدية مع حكومة الوحدة الليبية برئاسة عبدالحميد الدبيبة.

اظهار أخبار متعلقة



لكن روسيا انتقلت من مرحلة النفوذ والحضور اللافت إلى مرحلة التكييف وحماية المصالح لضمان عدم إقصائها تماما من الملف الليبي، خاصة مع انشغالها بالحرب مع أوكرانيا ومواجهة الأخيرة أيضا لمصالح موسكو في ليبيا وآخرها استهداف سفينة روسية داخل المياه الليبية الإقليمية.

"خطة بولس وغياب روسي"


ومع تصدر الخطة الأمريكية "الغير متضحة المحاور والملامح" المشهد في ليبيا إلا أن هناك غياب روسي تام عن التعاطي مع هذه المبادرة سلبا أو إيجابا، لكن هذا لم يمنع بعض المناوشات من قبل موسكو داخل مجلس الأمن الدولي والتلميح عن الاستفراد الأميركي بحل الأزمة الليبية على حساب قوى إقليمية ودولية.

مراقبون للمشهد أكدوا لـ"عربي21" أن هناك تراجع واضح للدور الروسي في ليبيا بعد ظهور خطة بولس وتصدرها للمناقشات والتأويلات، مشيرين إلى أن هذا لا ينفي وجود دور لموسكو في الحل الليبي لكنه دور ضعيف بالقياس بالدور الأمريكي اللافت.

ومع تصاعد المطالبة بضرورة إخراج المرتزقة والأجانب من ليبيا قبل أي عملية سياسية فإن مرتزقة فاغنر الروس يأتون في مقدمة هذه المطالبة، وتسعى واشنطن بقوة لإخراج هؤلاء وترحيلهم إلى روسيا لكنها تجد صعوبة في ذلك كون هذا الأمر ربما يُخل بحالة التوازن الإقليمي التي يفعلونها مع القوات التركية في غرب ليبيا، لكن رغم ذلك تصر واشنطن على حل هؤلاء المرتزقة وإبعادهم عن ليبيا.

ولم تعد روسيا تراهن حاليا على مرتزقة فاغنر بعدما نجحت خلال السنوات الماضية في ترسيخ نفوذها عبر "الفيلق الأفريقي" وشبكة واسعة من العلاقات السياسية والعسكرية، خاصة في شرق البلاد وجنوبها، لذا من الصعب أن تضحي بكل هذه النجاحات بسهولة لكنها تسعى لحالة من التكيف لحماية مصالحها وبقائها ولو مرحليا، لذا لا تتعاون في ملف إخراج مرتزقة فاغنر ناهيك عن الاعتراف بتبعيتهم لها من الأساس.

فهل تحاصر مبادرة بولس، حال تطبيقها، مصالح روسيا في ليبيا ونفوذها الذي بنته منذ سنوات؟

"عربي21" التقت ساسة وخبراء من ليبيا وروسيا للوقوف على مستقبل ومصير الدور الروسي في ليبيا في ظل مبادرة مستشار ترامب الأخيرة.

"تواجد اقتصادي وخروج عسكري"


المحلل السياسي الليبي المقيم في أميركا، محمد بويصير قال من جانبه إن "هناك انحصار واضح فى الدور الروسي في ليبيا فعلا، خاصة أن حليفها، خليفة حفتر مهتم جدا بالمسار الأميركي الذى يقرّبه خطوة نحو حكم البلاد، بينما الدور الروسي لا يملك ذلك".

وأشار في تصريحه لـ"عربي21" إلى أن "روسيا حاليا من الصعب أن تنافس أميركا في أي مناطق تدخل بؤرة الاهتمام الأميركي، وهذا حدث فى ليبيا، أما بخصوص مستقبل روسيا في ليبيا فأعتقد سيكون حضور اقتصادي وليس أكثر، ربما امتياز نفطي أو إثنين، لكن سيتبع ذلك خروج عسكري للتواجد الروسي"، وفق تقديره.

اظهار أخبار متعلقة



الباحث الروسي والخبير في الشأن الروسي والشرق أوسطي، ديميتري بريجع قال لـ"عربي21": "الحراك الأميركي والدولي الحالي لإعادة توحيد المؤسسات الليبية والسلطة التنفيذية يعكس إدراك واشنطن بأن استمرار الانقسام يمنح القوى المنافسة، وفي مقدمتها روسيا، مساحة واسعة لترسيخ نفوذها، لذلك فإن الهدف الأميركي يسعى إلى تقليص هامش الحركة الروسية ويعيد إدماج البلاد ضمن المنظومة الغربية".

واستدرك قائلا: "لكن نجاح هذا المسار ليس مضمونا، فروسيا بنت خلال السنوات الماضية شبكة معقدة من العلاقات السياسية والعسكرية والاقتصادية مع أطراف ليبية متعددة، كما عززت حضورها في العمق الإفريقي، وهو ما يمنحها قدرة على الحفاظ على نفوذها حتى في حال تغير شكل السلطة التنفيذية في طرابلس. وبالتالي فإن تغيير الحكومة أو توحيد المؤسسات لا يعني تلقائياً إنهاء المصالح الروسية، كما توقع.

وأضاف: "موسكو تدرك أن المنافسة لم تعد تقتصر على ليبيا وحدها، بل أصبحت جزءاً من صراع أوسع على النفوذ في البحر المتوسط وإفريقيا. ولهذا من المرجح أن تعتمد روسيا على أدوات أكثر مرونة، تشمل الشراكات الاقتصادية، والتعاون الأمني، والاستثمارات في قطاعات الطاقة والبنية التحتية، بدلاً من الاعتماد الحصري على الحضور العسكري، والأدق هو القول إن ليبيا تدخل مرحلة إعادة توزيع لموازين النفوذ، حيث تسعى واشنطن إلى استعادة زمام المبادرة، بينما تعمل موسكو على تثبيت مكاسبها والتكيف مع بيئة سياسية وأمنية جديدة".

كما تحدثت "عربي21" إلى أحد المسؤولين في ليبيا وهو عضو المجلس الأعلى للدولة، أحمد همومة الذي أكد أن "الدور الروسي في العالم موجود وبقوة بغض النظر عن طبيعة هذا التواجد سلبي أو إيجابي في ليبيا أو غيرها من البلدان، وحتى الآن لاتوجد مبادرة حقيقية يمكن أن تنظر لها موسكو على أنها مفتاح لحل الأزمة في ليبيا وإلا لكان لروسيا دوراً محورياً في إنتاج الحل لأن مصالحها ستكون مرتبطة بالحكومة القادمة مثلها مثل بقية الدول الإقليمية والدول الأخرى مثل أمريكا وفرنسا وبريطانيا".

وتابع: "كما أن أمريكا لها مصالح في ليبيا ويهمها من سيكون في الحكومة القادمة إلا أنها لا تستطيع أن تؤثر في المشهد القادم وغض طرف الليبيين عن روسيا ودورها. كل الدول المتدخلة في الشأن الليبي لها مصالح والسياسيين الليبيين يعوا ذلك وإذا كانت تهمهم مصلحة بلدهم عليهم أن يعوا حجم هذه الدول وتأثيرها في المشهد السياسي ومحاولة إحداث توازن يخدم مصالح ليبيا أولاً ثم الجميع"، وفق رأيه وقراءته للدور الروسي.
التعليقات (0)