تعهد رئيس الوزراء
البريطاني الجديد آندي
بيرنهام، بتبني نهج أكثر اعتدالا في التعامل مع القضية
الفلسطينية خلال قيادته حكومة المملكة المتحدة، معتذرا عن الموقف السابق لحزب
العمال من الحرب على
غزة الذي تبناه سلفه كير ستارمر في بداية العدوان على القطاع.
واعترف بيرنهام في مقابلة
سابقة مع صحيفة "الغارديان" بأن الحزب لم يُحسن التصرف، مؤكدا أنه سيزيد
الضغوط على الحكومة الإسرائيلية، بما في ذلك فرض عقوبات إضافية على أفراد وكيانات
إسرائيلية، إلى جانب دراسة حظر تجارة السلع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية غير
القانونية.
ولفتت الصحيفة إلى أن تصريحات
بيرنهام التي جاءت قبيل تسلمه مهام منصب رئيس وزراء
بريطانيا، تهدف إلى محاولة
معالجة حالة الاستياء لدى شريحة من الناخبين التقدميين داخل
حزب العمال، الذين
غادر كثير منهم الحزب بسبب موقفه من الحرب على غزة.
وأمام التغيير المحتمل في
سياسة بيرنهام تجاه غزة، تستعرض "
عربي21" أبرز مواقف حزب العمال البريطاني
تجاه حرب الإبادة في غزة والقضية الفلسطينية، والتي انتقلت من الدعم الشديد
لسياسات الدفاع عن النفس إلى اتخاذ خطوات عملية وأكثر نقدا للحكومة الإسرائيلية.
بداية حرب الإبادة عام 2023
تبنى حزب
العمال البريطاني دعما غير مشروط للاحتلال الإسرائيلي تحت عنوان "الحق في
الدفاع عن النفس"، أيدت قيادة الحزب بلا حدود ولا ضوابط الهجوم الإسرائيلي
الواسع على قطاع غزة وتدميره، ورفض سلفه كير ستارمر وصف ما يجري في غزة بأنه حرب
إبادة.
وأثار زعيم الحزب آنذاك كير
ستارمر جدلا واسعا في مقابلة شهيرة حينما ألمح إلى حق إسرائيل في قطع الماء
والكهرباء عن غزة، قبل أن يوضح موقفه لاحقا بأنه لم يقصد الحرمان الإنساني وتأيي
استهداف المدنيين.
تمسك حزب العمال في البداية
بدعم "هدن إنسانية مؤقتة" ورفض الدعوة لوقف إطلاق نار فوري في غزة، ما
تسبب في استقالات داخل حكومة الظل وغضب واضطراب في قواعد الحزب الشعبية.
التحول والانقسامات
الداخلية
بداية عام 2024 شكلت نقطة
تحول في موقف حزب العمال البريطاني، وبات يطالب بوقف إطلاق نار إنساني مستدام، تحت
ضغوط شعبية ونيابة وسياسية متزايدة، ومن ثم عدّل الحزب موقف ودعا رسميا إلى وقف
إطلاق نار إنساني فوري ومستدام، إلى جانب ضرورة إدخال المساعدات إلى غزة دون
عوائق.
اظهار أخبار متعلقة
رغم تحقيق حزب العمال فوزا
ساحقا في الانتخابات التشريعية عام 2024، إلا أن قضية غزة أثرت على خسارة الحزب
مقاعد تاريخية لصالح مرشحين مستقلين داعمين لفلسطين، إلى جانب التراجع اللافت في
نسب تصويت الجالية المسلمة واليسار البريطاني بسبب موقف الحزب الأولي من غزة.
بعد تشكيل حكومة العمال
بقيادة ستارمر في تموز/ يوليو 2024، اتخذت الحكومة عدة قرارات ملموسة مثّلت تراجعا
عن سياسات حكومة المحافظين السابقة، ومن بينها:
⬛ استئناف تمويل الأونروا: ألغت الحكومة الجديدة تعليق التمويل عن وكالة غوث
وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) الذي فرضته الحكومة السابقة.
⬛ إسقاط اعتراض بريطانيا
أمام الجنائية الدولية: سحبت حكومة العمال الاعتراض القانوني الذي قدمته حكومة المحافظين ضد مذكرة
الاعتقال التي طلبها المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بشأن مسؤولين
إسرائيليين.
⬛ تعليق جزئي لرخص صادرات
السلاح: أعلنت الحكومة
تعليق نحو 30 ترخيصا لصادرات الأسلحة الموجهة إلى إسرائيل (المرتبطة بالعمليات
العسكرية في غزة) بسبب مخاوف جدية من انتهاك القانون الدولي الإنساني.
⬛ عقوبات على المستوطنين
وإدانة خطط التهجير: فرضت الحكومة عقوبات على حركة المستوطنين المتطرفين وقياداتهم في الضفة
الغربية، ووجهت انتقادات شديدة وهجومية لسياسات التوسع الاستيطاني وعرقلة
المساعدات.
⬛ الاعتراف بالدولة الفلسطينية دون خطوات لاحقة: اعترفت حكومة العمال في أيلول/ سبتمبر عام 2025 بدولة
فلسطين رسميا وتحولت بعثة منظمة التحرير في المملكة المتحدة لسفارة مكتملة الأركان
وقالت وزير خارجية بريطانيا في حينها ايفيت كوبر في بيان: إن القرار التاريخي
اليوم، الذي اتخذناه إلى جانب بعض من أقرب حلفائنا، للاعتراف بدولة فلسطين يعكس
التزامنا الراسخ بحل الدولتين، ويؤكد الحق الراسخ للشعب الفلسطيني لتقرير مصيره.
ما حدود التغيير ؟
يُعوّل على الحكومة الجديدة
برئاسة بيرنهام اتخاذ المزيد من التحول الإجرائي الملموس، كون القرارات السابقة من
حكومة العمال، جاءت في إطار ثلاثة محددات، وهي:
⬛ تأخر الاستجابة: جاءت التحركات البريطانية متأخرة دوما ، وعلى سبيل المثال
تم الاعتراف بالدولة متأخرا وبعد معطيات ميدانية وإنسانية كارثية في غزة، ما جعلها
تبدو لكثيرين كـ "استجابة للضغط الشعبي" وليست استراتيجية مبدئية منذ
البداية، كما لم يتبعها خطوات عملية.
اظهار أخبار متعلقة
⬛ استمرار العلاقات
التجارية والدفاعية الأساسية: لم تقطع الحكومة البريطانية علاقاتها الدفاعية والتجارية الجوهرية مع الاحتلال
الإسرائيلي، واقتصر تعليق السلاح على جزئيات معينة دون فرض حظر كامل للشراكات
الأمنية والاستخباراتية.
⬛ التوازن الدبلوماسي: تحرص المملكة المتحدة دائما على ربط أي خطوة لصالح
الفلسطينيين بمطالب موازية حول أمن إسرائيل، والتزامات السلطة الفلسطينية وإبعاد
حركة حماس كليا عن المشهد السياسي.
⬛ مسألة
الاعتراف: حدث الاعتراف لكن متأخرا ودون خطوات ملموسة، وأكدت حكومة العمال أن الاعتراف بدولة فلسطين هو "حق
مشروع للشعب الفلسطيني"، لكنها شددت في ذلك الوقت على أن ذلك يجب أن يتم في
"الوقت والمناخ السياسي المناسبين" لدفع عملية السلام، متجنبةً خطوات
الاعتراف الأحادي الفوري دون تنسيق أو سياق سياسي محدد.
⬛ الاقتصار على الضغط
اللفظي: دأبت الحكومة
البريطانية على ممارسة سياسة الضغط الناعم دون التلويح باتخاذ إجراءات عملية، ما
جعل دولة الاحتلال تستمر في حربها وانتهاكها للقانون الدولي.
ورحب أنصار فلسطين والمجلس
الإسلامي البريطاني وعدد من النواب التقدميين في حزب العمال باعتذار رئيس الوزراء
الجديد، إلا أنهم شددوا على أن تلك الخطوة لا يمكن أن تكون ذات قيمة دون ترجمتها لإجراءات
عملية ملموسة.