كشفت معلومات متداولة عن صدور تعميم داخلي
موجّه إلى قيادات من الصفين الثاني والثالث في جماعة الحوثي، يتضمن إجراءات
احترازية وأمنية مشددة، بينها تشديد تدابير الحماية الشخصية، إلى جانب
توجيهات
بالاحتفاظ بمخزون من المواد الغذائية الجافة يكفي لمدة لا تقل عن ستة أشهر، في
خطوة تعكس، في حال صحتها، حالة من الاستنفار داخل الجماعة، بالتزامن مع تصعيد جديد
في خطابها تجاه السعودية وتهديدات مرتبطة بالملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
ونقل الصحفي
اليمني فارس الحميري، وفق ما
أوردته وسائل إعلام محلية، أن التعميم الداخلي وُجّه إلى قيادات حوثية من الصفين
الثاني والثالث، وأنه تضمن جملة من التعليمات المتعلقة بالأمان الشخصي للقيادات،
فضلاً عن توجيهات بتخزين المواد الغذائية الجافة لفترة طويلة.
ولم تتضح الأسباب المباشرة التي دفعت
الجماعة إلى إصدار هذه التعليمات، كما لم يصدر تأكيد رسمي مستقل بشأن التعميم أو
تفاصيله، غير أن توقيته وما تضمنه من إجراءات تتعلق بحماية القيادات والاستعداد
لتأمين الاحتياجات الأساسية لفترة تصل إلى ستة أشهر، يثير تساؤلات حول طبيعة
المخاطر التي تستعد الجماعة لمواجهتها، خصوصاً في ظل التطورات العسكرية والسياسية
المتسارعة في اليمن والمنطقة.
إجراءات احترازية وسط غموض بشأن دوافعها
وتشير التوجيهات المنسوبة إلى الحوثيين إلى
مستويين من الاستعداد؛ الأول يتعلق بتشديد إجراءات الأمن والحماية الشخصية
للقيادات، والثاني يرتبط بالاستعداد اللوجستي من خلال توفير مخزونات غذائية لفترة
طويلة.
وقد تحمل مثل هذه الإجراءات أكثر من تفسير،
إذ يمكن أن تكون جزءاً من ترتيبات أمنية داخلية اعتيادية في ظل التوتر العسكري، أو
أن تكون مرتبطة بمخاوف من استهداف قيادات الجماعة، أو باحتمال اندلاع مواجهة أوسع
خلال المرحلة المقبلة.
كما أن الدعوة إلى تخزين مواد غذائية تكفي
ستة أشهر قد تعكس استعداداً لاحتمال استمرار اضطرابات أو عمليات عسكرية لفترة
طويلة، أو محاولة لضمان قدرة القيادات والكوادر التابعة للجماعة على مواجهة ظروف
استثنائية قد تعيق حركة الإمدادات.
ومع ذلك، لا تتوافر حتى الآن معلومات مستقلة
تسمح بالجزم بأن هذه الإجراءات مرتبطة تحديداً بتطور عسكري وشيك، كما لا يمكن
تأكيد أن التعميم يعكس قراراً حوثياً بالاستعداد لحرب شاملة، خصوصاً أن الجماعة لم
تعلن رسمياً عن طبيعة المخاطر التي تقف وراء هذه التوجيهات.
تصعيد مع السعودية وتهديدات بشأن باب المندب
ويأتي تداول هذه المعلومات في وقت تشهد فيه
العلاقة بين الحوثيين والسعودية تصعيداً جديداً، مع تصاعد التهديدات المتعلقة
بالملاحة البحرية في البحر الأحمر وباب المندب.
وكان
الحوثيون قد أعلنوا، في سياق التصعيد
الأخير، إجراءات قالوا إنها تستهدف المصالح المرتبطة بالسعودية، ملوحين بمنع أو
استهداف السفن المرتبطة بها، وهو ما أعاد إلى الواجهة المخاوف من انتقال التوتر
إلى واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
ويرتبط باب المندب بأهمية استراتيجية كبيرة،
إذ يصل البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويُعد ممراً رئيسياً لحركة التجارة
العالمية بين آسيا وأوروبا، كما تمر عبر المنطقة حركة واسعة من سفن الطاقة
والبضائع.
ويعني أي تعطيل واسع للملاحة في هذا الممر
إمكانية حدوث تداعيات تتجاوز حدود اليمن والسعودية، لتطال حركة التجارة الدولية
وأسعار الشحن والتأمين، فضلاً عن احتمال اضطرار السفن إلى سلوك طرق بحرية أطول
وأكثر تكلفة.
وتزداد حساسية التطورات الحالية في ضوء
التهديدات الحوثية بإغلاق باب المندب أو فرض ما تصفه الجماعة بحصار بحري على
السعودية، وهو ما قد يفتح الباب أمام مواجهة جديدة حول أمن الملاحة، خصوصاً إذا
تحولت التهديدات من التصريحات السياسية والعسكرية إلى إجراءات ميدانية تستهدف
السفن.
في المقابل، ترفض السعودية الاتهامات
الحوثية المتعلقة بفرض حصار على اليمن، بينما تراقب الأطراف الدولية والإقليمية عن
كثب أي تطورات يمكن أن تؤثر في حركة الملاحة عبر البحر الأحمر.
من التهديدات إلى احتمال توسيع نطاق
المواجهة
ويثير التصعيد الأخير تساؤلات بشأن مدى
استعداد الحوثيين لتحمل تبعات نقل المواجهة إلى المجال البحري، خصوصاً أن استهداف
الملاحة أو محاولة إغلاق باب المندب قد يؤدي إلى ردود عسكرية قوية من أطراف
إقليمية ودولية معنية بحرية الملاحة.
وتملك الجماعة سجلاً طويلاً من الهجمات
والتهديدات التي استهدفت الملاحة في البحر الأحمر خلال السنوات الماضية، ما أدى في
مراحل سابقة إلى اضطرابات واسعة في حركة السفن التجارية، ودفع شركات شحن دولية إلى
تغيير مساراتها والابتعاد عن المنطقة.
وفي حال اتساع نطاق التصعيد مجدداً، فإن ذلك
قد يعيد البحر الأحمر إلى دائرة التوتر الدولي، في وقت تتداخل فيه الأزمة اليمنية
مع صراعات إقليمية متعددة، الأمر الذي يجعل أي مواجهة جديدة قابلة للتأثير في
حسابات القوى الإقليمية والدولية.
ومن هنا، فإن الحديث عن استعدادات أمنية
ولوجستية داخل صفوف الحوثيين يكتسب أهمية أكبر، وإن كان من الصعب تحديد ما إذا كان
ذلك يمثل استعداداً فعلياً لمواجهة عسكرية واسعة، أم مجرد إجراءات وقائية في ظل
ارتفاع مستوى التوتر.
مخاوف من استهداف القيادات
ويحمل التركيز على الأمان الشخصي للقيادات
دلالة خاصة، في ظل اعتماد الحوثيين على هيكل قيادي هرمي شديد الحساسية، وتعرض
قيادات الجماعة خلال السنوات الماضية لعمليات استهداف ومحاولات اغتيال وغارات جوية.
وتدفع مثل هذه الظروف الجماعات المسلحة عادة
إلى تشديد إجراءات الحماية، وتغيير أنماط الحركة، وتقليل الظهور العلني لبعض
المسؤولين، فضلاً عن اتخاذ تدابير احترازية لحماية الصفوف القيادية الوسطى التي
يمكن أن تشكل أهدافاً محتملة في أي تصعيد عسكري.
وإذا صحت المعلومات المتداولة بشأن توجيه
قيادات الصفين الثاني والثالث إلى اتخاذ إجراءات أمنية إضافية، فقد يعكس ذلك مخاوف
من استهداف أوسع لبنية الجماعة القيادية، وليس فقط للقيادات العليا.
غير أن غياب تفاصيل إضافية حول طبيعة هذه
التدابير يجعل من الصعب معرفة ما إذا كانت الجماعة تتعامل مع تهديد محدد ومعلومات
استخباراتية بعينها، أم أنها تتخذ إجراءات عامة تحسباً لأي تطورات محتملة.
لماذا ستة أشهر من المواد الغذائية؟
أما التوجيه بتخزين مواد غذائية جافة تكفي
ستة أشهر، فيبدو أكثر ارتباطاً بالاستعداد لسيناريو طويل الأمد، سواء كان عسكرياً
أو اقتصادياً أو لوجستياً.
ويُنظر إلى التخزين الغذائي في مناطق النزاع
باعتباره إجراءً احترازياً يمكن أن يهدف إلى مواجهة احتمال انقطاع طرق الإمداد أو
صعوبة الحركة أو فرض قيود على النقل، خصوصاً في حال تعرض مناطق سيطرة الجماعة
لضربات أو حصار أو اضطرابات واسعة.
لكن هذا التوجيه قد يحمل أيضاً بعداً
تنظيمياً داخلياً، إذ يمكن أن يكون جزءاً من
سياسة أوسع لتعزيز المخزون
الاستراتيجي لدى الجماعة، في ظل اعتماد مناطق واسعة من اليمن على شبكات إمداد
معرضة للتأثر بأي تصعيد.
ومع ذلك، فإن تحديد مدة ستة أشهر يظل
لافتاً، لأنه يوحي، إذا صحت المعلومة، بأن الجماعة تستعد لاحتمال استمرار ظرف
استثنائي لفترة طويلة نسبياً.
التوقيت يثير تساؤلات
ويأتي هذا كله في وقت تشهد فيه المنطقة حالة
من التوتر المتزايد، مع بروز البحر الأحمر وباب المندب مجدداً كأحد محاور الصراع
الإقليمي.
ويضع ذلك التعميم المزعوم في سياق أوسع من
الاستعدادات التي قد تكون الجماعة بصدد تنفيذها، سواء تحسباً لضربات محتملة أو
لمرحلة جديدة من المواجهة مع السعودية أو الأطراف الأخرى المنخرطة في الملف اليمني.
لكن من المهم التمييز بين التزامن الزمني
والعلاقة السببية؛ فحتى الآن لا توجد معلومات موثوقة تثبت أن التوجيهات الخاصة
بحماية القيادات وتخزين الغذاء صدرت بسبب التهديدات المتعلقة بالسعودية أو باب
المندب، كما لا يوجد ما يؤكد أن الجماعة تستعد بالفعل لعمل عسكري محدد.
ومن الممكن، في المقابل، أن تكون هذه
الإجراءات جزءاً من ترتيبات أوسع تتعلق بتقدير الحوثيين للمشهد الإقليمي برمته،
وما يفرضه من احتمالات للتصعيد.
باب المندب في قلب الحسابات
ويظل باب المندب العنصر الأكثر حساسية في
التصعيد الحالي، نظراً إلى أن أي محاولة لإغلاقه أو تعطيل حركة الملاحة فيه يمكن
أن تحول الأزمة اليمنية من نزاع إقليمي محدود إلى أزمة ذات تداعيات دولية مباشرة.
فالمضيق لا يمثل أهمية لليمن والسعودية فقط،
بل يرتبط بشبكة التجارة العالمية، وبحركة السفن بين المحيط الهندي والبحر المتوسط
عبر قناة السويس.
ولهذا فإن أي تهديد بإغلاقه قد يستدعي
تحركاً دولياً واسعاً لحماية الملاحة، وقد يدفع إلى تصعيد عسكري أكبر، وهو سيناريو
قد تكون له انعكاسات مباشرة على الوضع الإنساني والاقتصادي في اليمن.
كما أن أي مواجهة بحرية جديدة قد تضع
الحوثيين أمام ضغوط إضافية، في ظل احتمالية استهداف مواقع عسكرية وبنى تحتية
مرتبطة بقدرات الجماعة الصاروخية والطائرات المسيّرة.
بين الاستعداد للحرب ورسائل الردع
وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن قراءة التعميم
المتداول ضمن احتمالين رئيسيين:
الأول ـ أن الجماعة تستعد فعلياً لمرحلة من
التصعيد قد تطول، ولذلك تعمل على حماية كوادرها القيادية وتأمين احتياجاتها
الأساسية.
أما الاحتمال الثاني ـ فهو أن تكون
الإجراءات جزءاً من سياسة ردع ورسائل داخلية تهدف إلى رفع مستوى الجاهزية دون أن
يعني ذلك بالضرورة وجود قرار بالحرب أو مواجهة وشيكة.
وفي كلتا الحالتين، فإن توقيت هذه التوجيهات
يلفت الانتباه، خصوصاً مع تصاعد الخطاب الحوثي تجاه السعودية وعودة التهديدات
المتعلقة بالملاحة في البحر الأحمر إلى الواجهة.
وبينما يبقى من المبكر الجزم بأن الجماعة
تستعد لمعركة واسعة، فإن الجمع بين تشديد حماية القيادات، وتخزين المواد الغذائية،
وتصعيد التهديدات البحرية يشير إلى أن الحوثيين يتعاملون مع المرحلة الحالية
باعتبارها شديدة الحساسية، وأنهم يضعون في حساباتهم احتمال استمرار التوتر لفترة
طويلة.
وفي انتظار مزيد من المعلومات حول حقيقة
التعميم ودوافعه، يبقى السؤال الأهم متعلقاً بما إذا كان التصعيد الحالي سيظل في
حدود التهديدات والرسائل السياسية والعسكرية، أم سيتحول إلى مواجهة فعلية في البحر
الأحمر وباب المندب، بما قد يفتح فصلاً جديداً من الصراع اليمني ويعيد المنطقة إلى
دائرة اضطراب أوسع.
اظهار أخبار متعلقة