تواصل الولايات المتحدة تحركاتها السياسية
في
ليبيا في إطار
مبادرة جديدة تستهدف إنهاء حالة الانقسام المؤسساتي، وإعادة
إطلاق العملية السياسية وصولًا إلى إجراء انتخابات طال انتظارها، وسط مؤشرات على
انخراط متزايد من مختلف الأطراف الليبية في المسعى الأمريكي. وفي هذا السياق،
استقبل قائد قوات "القيادة العامة" المشير خليفة حفتر، الأربعاء، مستشار
الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، في مدينة بنغازي، حيث بحث
الجانبان تطورات المشهد السياسي وآفاق المبادرة الأمريكية الرامية إلى توحيد
مؤسسات الدولة.
وجاء اللقاء، الذي حضره القائم بالأعمال في
السفارة الأمريكية لدى ليبيا، جيرمي برنت، والوفد المرافق، بعد سلسلة لقاءات
أجراها بولس في مدن ليبية عدة، في إطار جولة تهدف إلى استطلاع مواقف مختلف القوى
السياسية والعسكرية من المبادرة الأمريكية، التي تسعى إلى دفع الأطراف الليبية نحو
صيغة توافقية تهيئ لإجراء الانتخابات وإنهاء المرحلة الانتقالية الممتدة منذ سنوات.
وقال المكتب الإعلامي لـ"القيادة
العامة" إن المباحثات تناولت مستجدات العملية السياسية، في ضوء المبادرة التي
طرحتها واشنطن لتوحيد المؤسسات الليبية، بما يشمل المؤسسات السيادية والعسكرية،
باعتبار ذلك مدخلًا أساسيًا لتجاوز الانقسام السياسي والإداري الذي تشهده البلاد
منذ أكثر من عقد.
وأضاف البيان أن حفتر أشاد بتطور العلاقات
بين ليبيا والولايات المتحدة، مثمنًا ما وصفه بدور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
في تعزيز الشراكة بين البلدين، ومؤكدًا أهمية الجهود الأمريكية الرامية إلى تقريب
وجهات النظر بين الأطراف الليبية، بما يسهم في ترسيخ الاستقرار وتهيئة الظروف
المناسبة لإجراء انتخابات عامة.
كما أعرب قائد "القيادة العامة"
عن دعمه للخطوات التي يقودها مسعد بولس، معتبرًا أن توحيد مؤسسات الدولة يمثل
أولوية لإنهاء حالة الانقسام، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس توافقية، وفق ما
أورده البيان.
من جانبه، أكد بولس، بحسب البيان ذاته، أن
الولايات المتحدة تنظر بإيجابية إلى دعم حفتر للمبادرة الأمريكية، مشددًا على أن
واشنطن تؤيد كل الجهود الرامية إلى توحيد المؤسسات الليبية، مع التأكيد على أن أي
تسوية سياسية يجب أن تكون ذات "ملكية ليبية"، بما يضمن قبولها من مختلف
الأطراف ويعزز فرص نجاحها واستدامتها.
وأشار المسؤول الأمريكي إلى أن المبادرة
تأتي في إطار تنسيق مع شركاء إقليميين ودوليين لدفع الحوار بين الفرقاء الليبيين،
وصولًا إلى بناء مؤسسات موحدة، وتعزيز المسارين السياسي والاقتصادي، بما يحقق
الاستقرار ويحافظ على وحدة البلاد.
ويأتي لقاء بنغازي بعد أقل من ثلاثة أسابيع
على إعلان "القيادة العامة"، في الثامن عشر من حزيران/ يونيو الماضي،
استعدادها للانخراط المباشر في أي مسار تفاوضي يتصل بالمبادرة الأمريكية، مؤكدة
حينها استعدادها للمشاركة في استكمال تفاصيلها والتوصل إلى صيغة نهائية تحقق
"المصلحة العليا للبلاد"، وتمهد لإجراء الانتخابات في أقرب وقت ممكن.
ورأت "القيادة العامة" في بيانها
آنذاك أن المبادرة الأمريكية تختلف عن المبادرات الدولية السابقة، معتبرة أنها
تستند إلى "الواقعية" وإلى فهم أكثر عمقًا لطبيعة
الأزمة الليبية
وتعقيداتها، مشيرة إلى أنها لمست، خلال اتصالاتها مع المسؤولين الأمريكيين، ما
وصفته بـ"نوايا جادة" لدى واشنطن للمساهمة في إنهاء الأزمة المستمرة منذ
سنوات.
وتعكس جولة بولس في ليبيا رغبة أمريكية في
التواصل مع مختلف مراكز النفوذ السياسي والعسكري، بعيدًا عن الاصطفافات التقليدية
بين شرق البلاد وغربها. فقد بدأ المسؤول الأمريكي زيارته من مدينة مصراتة، حيث
التقى شخصيات سياسية وأمنية واجتماعية، قبل أن ينتقل إلى طرابلس، ويعقد سلسلة
اجتماعات مع رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة، ووكيل وزارة الدفاع
عبدالسلام الزوبي، ووزير الداخلية عماد الطرابلسي، إضافة إلى رئيس وأعضاء المجلس
الرئاسي، قبل أن يختتم جولته في بنغازي بلقاء حفتر.
وسبق هذه الجولة اجتماعان عقدهما بولس في
العاصمة المالطية فاليتا قبل أيام، أحدهما ضم نائب قائد "القيادة
العامة" الفريق أول ركن صدام حفتر، ووكيل وزارة الدفاع في حكومة الوحدة
الوطنية عبدالسلام الزوبي، بحضور أعضاء اللجنة العسكرية المشتركة "5+5"،
فيما جمع الاجتماع الثاني صدام حفتر، ومستشار الأمن القومي بحكومة الوحدة إبراهيم
الدبيبة، ووزير الدولة للاتصال والشؤون السياسية وليد اللافي، في خطوة عكست محاولة
أمريكية لإيجاد قنوات حوار مباشرة بين ممثلي المؤسسات المتنافسة.
وتأتي هذه التحركات في وقت لا تزال فيه
العملية السياسية الليبية تواجه جمودًا بسبب استمرار الخلافات حول القاعدة
الدستورية المنظمة للانتخابات، وآليات توزيع السلطة، ومستقبل المؤسسات السيادية
والعسكرية، وهو ما أدى إلى تعثر الاستحقاق الانتخابي الذي كان مقررًا نهاية عام
2021، واستمرار الانقسام بين حكومتين وسلطات متنافسة في الشرق والغرب.
وتمثل المبادرة الأمريكية أحدث محاولة دولية
لإعادة تحريك الملف الليبي، بعد تعثر مسارات متعددة رعتها الأمم المتحدة ودول
إقليمية ودولية خلال السنوات الماضية، غير أن نجاحها سيظل مرهونًا بقدرة الأطراف
الليبية على تقديم تنازلات متبادلة، وبمدى توافق القوى الخارجية المؤثرة على دعم
مسار سياسي موحد، بعيدًا عن تضارب المصالح الذي أسهم في إطالة أمد الأزمة.
غير أن المبادرة الأمريكية، رغم ما حظيت به
من ترحيب في أوساط "القيادة العامة" بشرق ليبيا، وما يبدو أنها تلقاه من
انفتاح لدى بعض دوائر القرار في طرابلس، لا تزال تواجه انتقادات وتحفظات من قوى
سياسية ودينية في غرب البلاد، ترى أنها قد تعيد إنتاج الأزمة بدلًا من حلها.
وكان مفتي ليبيا، الشيخ الصادق الغرياني، من
أبرز الرافضين للمبادرة، إذ وصفها في تصريحات سابقة بأنها "مؤامرة
جديدة" تستهدف إعادة تشكيل المشهد الليبي بما يخدم أجندات خارجية، محذرًا من
القبول بأي ترتيبات سياسية لا تنطلق من الإرادة الوطنية الليبية.
كما أبدت شخصيات وقوى سياسية في غرب ليبيا
تشككها في أهداف المبادرة الأمريكية، معتبرة أنها تمنح أولوية لإعادة ترتيب موازين
القوى العسكرية على حساب بناء توافق سياسي شامل. ويرى منتقدوها أن المبادرة قد
تمثل غطاءً سياسيًا لإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية بطريقة تكرس نفوذ عائلة حفتر،
وتمهد لتمكين الفريق أول ركن صدام حفتر من قيادة المؤسسة العسكرية مستقبلًا، بما
ينعكس على موازين السلطة في البلاد ويؤثر في مسار المرحلة الانتقالية.
وفي المقابل، ينفي مؤيدو المبادرة هذه
الاتهامات، ويؤكدون أن واشنطن تسعى إلى بناء توافق بين مختلف الأطراف الليبية، وأن
توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية يمثل شرطًا أساسيًا لإنجاح أي عملية انتخابية
وإنهاء حالة الانقسام التي تعيشها البلاد منذ سنوات، وهو ما يجعل المبادرة محط
اختبار حقيقي لقدرتها على تحقيق توازن بين مقتضيات الاستقرار ومطالب التوافق
السياسي.
اظهار أخبار متعلقة