من "18 أكتوبر" إلى المستقبل.. الكتلة التاريخية وآفاق المشروع الوطني التونسي

تونس دخلت مرحلة خطيرة من تركيز السلطة وتفكيك المؤسسات المنتخبة وإضعاف القضاء والإعلام والمجتمع المدني، وأن الواجب الوطني يقتضي تشكيل جبهة إنقاذ ديمقراطية واسعة، تتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة.. الأناضول
تونس دخلت مرحلة خطيرة من تركيز السلطة وتفكيك المؤسسات المنتخبة وإضعاف القضاء والإعلام والمجتمع المدني، وأن الواجب الوطني يقتضي تشكيل جبهة إنقاذ ديمقراطية واسعة، تتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة.. الأناضول
شارك الخبر
ليست الأزمات الكبرى التي تعيشها الأمم مجرد تعثرات ظرفية في الاقتصاد أو السياسة، بل هي في جوهرها لحظات اختبار لقدرتها على إعادة إنتاج المعنى الوطني المشترك. وتونس اليوم، وهي تواجه واحدة من أكثر مراحلها تعقيدًا منذ الثورة، تجد نفسها أمام سؤال تاريخي يتجاوز حدود الصراع الحزبي والاصطفاف الإيديولوجي: كيف يمكن إعادة بناء المجال الديمقراطي على أسس جديدة تحفظ الحرية وتحقق العدالة وتمنع عودة الاستبداد؟

لقد أثبتت التجربة التونسية أن الديمقراطية لا تُبنى بالهيمنة ولا بالإقصاء، بل بتشييد فضاء مشترك يلتقي فيه المختلفون حول القيم المؤسسة للدولة الحديثة: الحرية، والمواطنة، والتعددية، وسيادة القانون. ومن هذا المنظور تكتسب تجربة الحزب الديمقراطي التقدمي وحركة 18 أكتوبر للحقوق والحريات قيمة تاريخية تتجاوز سياقها الزمني، لأنها مثّلت محاولة رائدة لتحويل الاختلاف الفكري إلى طاقة وطنية جامعة، ولإقامة عقد ديمقراطي بين تيارات كانت تبدو متناقضة في المرجعيات والرؤى.

إن استحضار هذه التجربة اليوم لا يندرج في إطار الحنين إلى الماضي، بل في إطار البحث عن إمكانات المستقبل. فالتحدي المطروح أمام التونسيين يتمثل في إعادة بناء كتلة ديمقراطية تاريخية قادرة على توحيد القوى الوطنية والاجتماعية حول مشروع جمهوري جديد، يربط بين الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية، ويعيد للثورة معناها بوصفها مشروعًا متواصلًا للتحرر والبناء الديمقراطي.

الأزمة التونسية وسؤال البديل الديمقراطي

تعيش تونس في المرحلة الراهنة على وقع أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة تتجلى في تراجع مؤشرات النمو، وارتفاع نسب البطالة والتضخم، وتآكل القدرة الشرائية للفئات الوسطى والشعبية. وقد أدى هذا الوضع إلى تنامي مشاعر الإحباط وفقدان الثقة في النخب السياسية ومؤسسات الدولة، بما جعل المجال العام مشحونًا بالتوتر والقلق وعدم اليقين>

على المستوى السياسي، تبدو المعارضة مشتتة بين مبادرات متعددة ورؤى متباينة رغم تعدد المبادرات والتنسيقيات، حيث لم تنجح بعد في بناء جبهة موحدة قادرة على تقديم بديل سياسي مقنع. فبدل أن تتحول الاختلافات الفكرية إلى مصدر إثراء ديمقراطي، أصبحت في كثير من الأحيان عامل تنافر وانقسام يضعف قدرتها على مواجهة التحديات المشتركة>

كما أن حالة الهشاشة التي تعيشها المعارضة تتغذى من استمرار النزعات الشخصية والنرجسية السياسية لدى بعض الفاعلين، حيث تطغى رهانات الزعامة والتموقع على مقتضيات العمل الجماعي. وتتحول معارك الأولويات أحيانًا إلى صراعات حول المواقع والأدوار بدل التركيز على إنقاذ المسار الديمقراطي وإعادة بناء الثقة الوطنية.  والثقافة الديمقراطية والمواطنية.

وفي ظل هذه الأجواء، تبرز الحاجة الملحة إلى مراجعات سياسية عميقة تستعيد منطق الحوار والتوافق الذي ميّز محطات تاريخية مهمة في النضال الديمقراطي التونسي. فالتجارب الناجحة لم تُبنَ على إقصاء الخصوم أو شيطنتهم، بل على إدارة الاختلاف وتحويله إلى قوة اقتراح وبناء.

ويستحضر العديد من الفاعلين اليوم تجربة الحزب الديمقراطي التقدمي بوصفها إحدى المدارس السياسية التي آمنت بالحوار الديمقراطي وبإمكانية التلاقي بين التيارات الفكرية المختلفة حول أهداف وطنية مشتركة. فقد ساهم هذا التوجه في كسر الحواجز النفسية والسياسية بين أطراف كانت تبدو متناقضة في المرجعيات والرؤى>

كما تمثل تجربة حركة 18 أكتوبر للحقوق والحريات نموذجًا بارزًا في التاريخ السياسي التونسي المعاصر، حيث نجحت في جمع إسلاميين وقوميين ويساريين وليبراليين حول أرضية ديمقراطية مشتركة تقوم على احترام التعددية والحريات العامة وحقوق الإنسان. وقد أظهرت تلك التجربة أن المشترك الوطني أوسع من الخلافات الإيديولوجية عندما يتعلق الأمر بمواجهة الاستبداد.

لقد ساهمت تلك الروح التوافقية في تهيئة المناخ السياسي والثقافي الذي مهد لاحقًا لنجاح الثورة التونسية، إذ وفرت إطارًا للحوار والثقة المتبادلة بين مكونات المعارضة، وساعدت على بناء حد أدنى من الرؤية المشتركة حول مستقبل الدولة والمجتمع.

غير أن مرحلة ما بعد الثورة شهدت عودة التناقضات الاجتماعية والسياسية إلى الواجهة، حيث دخلت مصالح اقتصادية برجوازية طفيلية وريعية وشبكات نفوذ تبعية وإمبريالية متجذرة في صلب الصراع على السلطة. وأدى ذلك إلى إضعاف التوافقات الوطنية وإعادة إنتاج المنظومة القديمة واثارة الاستقطابات التي استنزفت جزءًا مهمًا من الرصيد المعنوي للثورة.

شهد مطلع سنة 2001 انفتاحًا سياسيًا مهمًا داخل صفوف عدد من الإسلاميين الديمقراطيين الذين اختاروا الانخراط في تجربة التجمع الاشتراكي التقدمي بقيادة أحمد نجيب الشابي ومية الجريبي رحمها الله وعصام الشابي، انطلاقًا من قناعة متنامية بأن المعركة الأساسية في تونس لم تعد معركة هوية بقدر ما أصبحت معركة من أجل الحريات العامة والديمقراطية ودولة القانون.
ويرى عدد من الباحثين في الاقتصاد السياسي أن تعثر الانتقال الديمقراطي لم يكن نتيجة أخطاء سياسية فقط، بل ارتبط أيضًا بصعوبات تفكيك منظومات الريع والفساد ومراكز النفوذ الاقتصادي والسياسي الباطرياركي التي استفادت لعقود من غياب الشفافية والمساءلة. وقد جعل ذلك من معركة الإصلاح الديمقراطي مرتبطة أيضًا بإصلاحات اقتصادية واجتماعية عميقة.

ومن هذا المنطلق، تبدو استعادة روح الحوار الوطني التي جسدتها تجربة الحزب الديمقراطي التقدمي وحركة 18 أكتوبر ضرورة تاريخية أكثر من كونها مجرد حنين إلى الماضي. فالتحدي المطروح اليوم يتمثل في بناء كتلة وطنية ديمقراطية جديدة قادرة على تجاوز الانقسامات الثانوية، وتوحيد القوى الإسلامية والوطنية والليبرالية والديمقراطية حول مشروع جامع يستلهم أهداف ثورة الحرية والكرامة، والراية الوطنية لتونس الشهادة الحمراء المرصعة بالنجمة والهلال ويعيد الأمل للمجتمع في إمكانية الخروج من حالة التشتت والإحباط نحو أفق وطني أكثر استقرارًا وعدالة.

جرأة البدايات.. الإسلاميون الديمقراطيون داخل الحزب الديمقراطي التقدمي

شهد مطلع سنة 2001 انفتاحًا سياسيًا مهمًا داخل صفوف عدد من الإسلاميين الديمقراطيين الذين اختاروا الانخراط في تجربة التجمع الاشتراكي التقدمي بقيادة أحمد نجيب الشابي ومية الجريبي  رحمها الله وعصام الشابي، انطلاقًا من قناعة متنامية بأن المعركة الأساسية في تونس لم تعد معركة هوية بقدر ما أصبحت معركة من أجل الحريات العامة والديمقراطية ودولة القانون. وقد ساهم هؤلاء المناضلون في إثراء النقاشات الفكرية والسياسية داخل الحزب، وشاركوا في بلورة رؤية مشتركة تقوم على التعايش بين المرجعيات الفكرية المختلفة ضمن إطار وطني ديمقراطي جامع. نذكر منهم هشام بوعتور ومحمد القوماني وعلي الجوهري وعبد العزيز التميمي والحبيب بوعجيلة ومهدي مبروك والدكتور فتحي التوزري والجيلاني العبدلي ومراد اليعقوبي وجلال بدر..

ومع انعقاد مؤتمر حزيران / يونيو 2001 الذي تحول فيه التجمع الاشتراكي التقدمي إلى الحزب الديمقراطي التقدمي، لعب المناضلون الإسلاميون المنخرطون في الحزب دورًا مهمًا في دعم هذا التحول التنظيمي والسياسي. فقد دافعوا عن توسيع قاعدة الحزب الاجتماعية والسياسية، وعن ترسيخ ثقافة الانفتاح على مختلف التيارات الوطنية، معتبرين أن بناء حزب ديمقراطي حديث يقتضي تجاوز الاصطفافات الإيديولوجية المغلقة لصالح مشروع وطني ديمقراطي جامع قادر على مواجهة الاستبداد السياسي وهيمنة الحزب الواحد.

كما ساهم هؤلاء المناضلون داخل الهياكل المحلية والجهوية والمركزية للحزب في تعزيز الحوار الديمقراطي بين مختلف مكوناته الفكرية. فقد مثل وجودهم تجربة عملية لإدارة الاختلاف داخل مؤسسة سياسية واحدة، حيث جرى الانتقال من منطق الصراع الإيديولوجي إلى منطق التنافس الديمقراطي والتعاون حول القضايا المشتركة. وأسهم ذلك في ترسيخ ثقافة سياسية جديدة قوامها الاعتراف المتبادل والبحث عن أرضيات مشتركة بين الإسلاميين، واليساريين، والديمقراطيين، والليبراليين.

وفي المجال الوطني الأوسع، كان للإسلاميين المنخرطين في الحزب الديمقراطي التقدمي دور في تشجيع الحوار بين الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية والحقوقية. فقد شاركوا في العديد من المبادرات واللقاءات التي سعت إلى بناء الثقة بين مكونات المعارضة الديمقراطية، وإلى تجاوز إرث الاستقطاب الذي غذته السلطة لسنوات طويلة. وقد ساعد هذا الجهد على تهيئة المناخ السياسي الذي سيؤدي لاحقًا إلى تأسيس هيئات العمل المشترك وإلى بروز تجربة حركة 18 أكتوبر للحقوق والحريات باعتبارها إطارًا تاريخيًا للتوافق الوطني الديمقراطي.

وقد تجلت أهمية مساهمة هؤلاء المناضلين في كونها أسهمت في ترسيخ مفهوم وحدة الممارسة السياسية رغم اختلاف المرجعيات الفكرية. فقد دافعوا عن فكرة أن الديمقراطية ليست مجرد آلية انتخابية، بل هي ثقافة حوار وشراكة وطنية وتوافق حول المبادئ الأساسية للدولة المدنية وحقوق الإنسان. ومن هذا المنطلق شكلت تجربتهم داخل الحزب الديمقراطي التقدمي إحدى المحطات التي ساعدت على بناء جسور التواصل بين الإسلاميين وبقية مكونات الحركة الديمقراطية التونسية، ومهدت لظهور أشكال جديدة من العمل السياسي المشترك في مواجهة الاستبداد ومن أجل الانتقال الديمقراطي.

الحزب الديمقراطي التقدمي.. من الصراع الإيديولوجي إلى التعاقد الديمقراطي

تشكّل الحزب الديمقراطي التقدمي في تونس بوصفه امتدادًا وتحولًا نوعيًا لـ "التجمع الاشتراكي التقدمي" سليل حركة افاق والعامل التونسي. وتاسيس الاشتراكي التقدمي سنة 1983 بقيادة شخصيات يسارية وقومية وديمقراطية، كان أبرزها أحمد نجيب الشابي. وعصام الشابي ومية الجريبي رحمها الله ومنجي اللوز رحمه الله ورشيد خشانة وبلقاسم حسن وعبد اللطيف الهرماسي ومولدي الفاهم وقد جاء هذا التحول في سياق مراجعات فكرية عميقة عاشتها النخب اليسارية العربية بعد أزمة المشروع القومي والاشتراكي وتراجع جاذبية النماذج الشمولية. لذلك سعى الحزب منذ بداياته إلى بناء يسار ديمقراطي جديد يتجاوز الثنائية التقليدية بين الدولة السلطوية والمعارضة الأيديولوجية المغلقة.

كان التجمع الاشتراكي التقدمي في بدايته متأثرًا باليسار الديمقراطي الأوروبي وببعض أطروحات الاشتراكية الديمقراطية، لكنه في الوقت نفسه حاول التكيف مع الواقع التونسي الرازح تحت الهيمنة الشمولية للدولة الوطنية الحديثة. ومن هنا جاءت فكرة الانتقال من خطاب ثوري راديكالي إلى خطاب إصلاحي ديمقراطي يركز على الحريات العامة والتعددية السياسية والديمقراطية وحقوق الإنسان، باعتبارها المدخل الأساسي لأي تحول اجتماعي لاحق.

مع نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، أدرك الحزب الديمقراطي التقدمي أن النظام السياسي في تونس يعيد إنتاج السلطوية عبر التحكم في المجال العمومي وإقصاء كل القوى المستقلة، سواء كانت ماركسية نقابية أو إسلامية. لذلك تطورت فلسفته السياسية نحو اعتبار الديمقراطية "أرضية مشتركة" تتقدم على الصراعات الإيديولوجية. وهذه النقلة الفكرية كانت أساسية في فتح الباب أمام إمكان التحالف مع الإسلاميين، خاصة مع حركة النهضة.

لم يكن التقارب بين الحزب الديمقراطي التقدمي والإسلاميين قائمًا على تطابق فكري أو عقائدي، بل على رؤية استراتيجية تعتبر أن الاستبداد هو الخطر الأكبر على المجتمع والدولة. فالحزب رأى أن إقصاء الإسلاميين بالقوة سيؤدي إلى تكريس الحكم الأمني وإضعاف الحياة السياسية، بينما يتيح دمجهم ضمن اللعبة الديمقراطية إمكانية تحويلهم إلى فاعل سياسي مدني يخضع لقواعد التنافس السلمي.

فقد تبنى الحزب الديمقراطي التقدمي فلسفة سياسية تقوم على «التعاقد الديمقراطي» بين مختلف التيارات الفكرية، بما فيها الإسلاميون، واليساريون، والقوميون، والليبراليون. وقد اعتبر أن بناء الديمقراطية في تونس يحتاج إلى جبهة واسعة تتجاوز الانقسامات الثقافية والهوياتية. ولهذا دافع الحزب عن حرية الإسلاميين في النشاط السياسي رغم تعرضه هو نفسه لضغوط السلطة وتشويه الإعلام الرسمي.

لم يكن التقارب بين الحزب الديمقراطي التقدمي والإسلاميين قائمًا على تطابق فكري أو عقائدي، بل على رؤية استراتيجية تعتبر أن الاستبداد هو الخطر الأكبر على المجتمع والدولة. فالحزب رأى أن إقصاء الإسلاميين بالقوة سيؤدي إلى تكريس الحكم الأمني وإضعاف الحياة السياسية، بينما يتيح دمجهم ضمن اللعبة الديمقراطية إمكانية تحويلهم إلى فاعل سياسي مدني يخضع لقواعد التنافس السلمي.
من الناحية العملية، اعتمد الحزب استراتيجية تقوم على النضال الحقوقي والإعلامي والتحالفات المدنية أكثر من اعتماده على التعبئة الجماهيرية الكلاسيكية. فقد انخرط في الدفاع عن المعتقلين السياسيين من مختلف الاتجاهات، وشارك في المبادرات الوطنية المطالبة بالحريات واستقلال القضاء وحرية الصحافة. وقد أدى هذا المسار إلى خلق مساحات تواصل وثقة تدريجية بين جزء من اليسار الديمقراطي والإسلاميين.

لعبت شخصيات مثل مية الجريبي دورًا محوريًا في ترسيخ هذا التوجه داخل الحزب الديمقراطي التقدمي. فقد مثلت الجريبي نموذجًا للمعارضة المدنية الديمقراطية التي حاولت بناء لغة سياسية جديدة لا تقوم على الإقصاء المتبادل، بل على الدفاع عن قيم المواطنة والتداول السلمي على السلطة. كما ساهم حضورها الحقوقي والنقابي في تعزيز صورة الحزب كقوة ديمقراطية جامعة. في المقابل، أثار هذا التوجه انتقادات واسعة داخل بعض الأوساط اليسارية والعلمانية التي رأت أن التقارب مع الإسلاميين يمثل تنازلًا عن المشروع الحداثي. غير أن الحزب الديمقراطي التقدمي اعتبر أن الديمقراطية الحقيقية لا تُبنى عبر الإقصاء، وأن الحداثة لا يمكن فرضها بالقمع الأمني أو عبر التحالف مع السلطة ضد الخصوم الأيديولوجيين. وهكذا حاول الحزب التمييز بين الصراع الديمقراطي الفكري المشروع وبين الحق السياسي في الوجود والمشاركة.

وساهمت تجربة الحزب الديمقراطي التقدمي في بلورة ما يمكن تسميته "الكتلة الديمقراطية التونسية" وما يمكن اعتباره كتلة تاريخية بالمفهوم الغرامشي ظهرت بشكل أوضح خلال سنوات ما قبل الثورة، وخاصة عبر هيئات مثل حركة «18 أكتوبر للحقوق والحريات» التي جمعت إسلاميين ويساريين وقوميين وليبراليين حول مطالب مشتركة. وقد شكل هذا المسار أحد أهم التراكمات السياسية التي مهدت للثورة وقادتها حتى سنة 2011.

في المحصلة، فإن تجربة الحزب الديمقراطي التقدمي كشفت عن تحول عميق في الفكر السياسي التونسي، حيث انتقل جزء من اليسار من منطق الصراع الهوياتي مع الإسلاميين إلى منطق بناء المجال الديمقراطي المشترك. وقد مثل هذا التحول محاولة لصياغة فلسفة سياسية تونسية جديدة ترى أن حماية الحرية والتعددية والدولة المدنية لا تتحقق عبر الاستئصال، بل عبر إدارة الاختلاف داخل إطار ديمقراطي جامع.

حركة 18 أكتوبر.. تأسيس المشترك الوطني الديمقراطي

شكّلت حركة 18 أكتوبر 2005 إحدى أهم المحطات المفصلية في التاريخ السياسي التونسي المعاصر، إذ مثّلت لحظة نادرة التقت فيها تيارات فكرية وسياسية متناقضة ـ إسلامية ويسارية وقومية وليبرالية ـ‘ حول حدّ أدنى ديمقراطي جامع في مواجهة الاستبداد النوفمبري. وقد جاءت الحركة في سياق احتقان سياسي واجتماعي عميق، تزامن مع انعقاد القمة العالمية لمجتمع المعلومات في تونس، حيث سعت السلطة إلى تلميع صورتها دوليًا رغم تفاقم القمع الداخلي وانتهاكات حقوق الإنسان.

انبثقت الحركة أساسًا من إضراب جوع تاريخي أعلنه في 18 أكتوبر 2005 عدد من رموز المعارضة والمجتمع المدني، من بينهم شخصيات إسلامية وقومية ويسارية وليبرالية مستقلة. وقد كان ذلك الإضراب أكثر من مجرد احتجاج حقوقي؛ لقد كان إعلانًا عن ولادة وعي سياسي جديد يقوم على فكرة التوافق الوطني ضد الاستبداد، بدل الصراع الإيديولوجي التقليدي الذي مزّق المعارضة لعقود.

ضمّت الحركة مكوّنات متعددة أبرزها حركة النهضة، والحزب الديمقراطي التقدمي، وحزب العمال الشيوعي، وحركة الديمقراطيين الاشتراكيين، إضافة إلى شخصيات قومية ومستقلة ونقابيين ومدافعين عن حقوق الإنسان. وقد منحها هذا التنوع شرعية وطنية واسعة، لأنها كسرت لأول مرة جدار العداء التاريخي بين الإسلاميين واليسار التونسي، وفتحت أفقًا جديدًا للحوار السياسي. وشارك كل على العريض ونورالدين البحيري وسمير ديلو وزياد الدولاتلي في فعاليات ونقاشات حركة 18 أكتوبر.

وتمثلت الأهداف الأساسية للحركة في المطالبة بحرية التعبير والتنظيم، وإطلاق سراح المساجين السياسيين، وضمان استقلال القضاء، ورفع القيود عن الإعلام والمجتمع المدني، وإنهاء حكم الحزب الواحد. لكنها في العمق كانت تسعى إلى إعادة تأسيس المجال السياسي التونسي على قاعدة التعددية والتعايش الديمقراطي.

ولا تكمن أهمية حركة 18 أكتوبر فقط في مطالبها، بل في منهجها أيضًا. فقد أدركت مكوناتها أن مواجهة نظام زين العابدين بن علي لا يمكن أن تتم عبر الاصطفافات الإيديولوجية الضيقة، بل عبر بناء جبهة وطنية ديمقراطية واسعة. لذلك تحوّل “الاختلاف” من عامل تفجير إلى عنصر إثراء داخل الحركة، وهو ما مثّل قفزة نوعية في الثقافة السياسية التونسية.

كما مثّلت الحركة مراجعة فكرية عميقة لدى مختلف الأطراف. فاليسار التونسي بدأ يتخلّى تدريجيًا عن قراءته الاختزالية للإسلاميين باعتبارهم “قوة رجعية”، بينما شرع الإسلاميون في تطوير خطاب أكثر انفتاحًا على الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة والدولة المدنية. وهكذا ساهمت الحركة في إنتاج أرضية فكرية مشتركة مهّدت لاحقًا لمسار التوافق الوطني.

ومن أهم إنجازات حركة 18 أكتوبر صياغة وثائق سياسية مشتركة حول قضايا جوهرية مثل حرية الضمير، والمساواة، والدولة المدنية، والتداول السلمي على السلطة. وكانت تلك الوثائق بمثابة "عقد سياسي جديد" بين القوى المعارضة، وأحد أهم التراكمات الفكرية التي سبقت الثورة التونسية.

لقد أعادت الحركة الاعتبار لفكرة "المعارضة الوطنية" بعد سنوات طويلة من التفكيك الأمني والاختراق والتشويه الإعلامي. فقد نجحت في خلق ديناميكية سياسية ونفسية جديدة داخل المجتمع التونسي، وأثبتت أن النظام ليس قدَرًا أبديًا، وأن الوحدة الديمقراطية ممكنة رغم التناقضات.

كما ساهمت حركة 18 أكتوبر في كسر العزلة الدولية عن المعارضة التونسية، إذ حظيت بتعاطف واسع من المنظمات الحقوقية والإعلام الدولي خلال القمة العالمية لمجتمع المعلومات. وقد كشف ذلك التناقض الصارخ بين الخطاب الحداثي للنظام وممارساته القمعية الفعلية.

ومع مرور السنوات، تحوّلت الحركة إلى مدرسة سياسية حقيقية خرّجت قيادات وشخصيات لعبت أدوارًا مركزية خلال ثورة 2011 وما بعدها. فقد كانت النواة التي تعلّم داخلها الإسلاميون واليساريون والليبراليون فنّ التفاوض وإدارة الاختلاف وبناء التوافقات.

وعندما اندلعت الثورة التونسية في 14 جانفي /يناير 2011، كانت الأرضية السياسية والمعنوية التي أسستها حركة 18 أكتوبر حاضرة بقوة. فالتحالفات التي ظهرت خلال الثورة لم تولد من فراغ، بل كانت امتدادًا لذلك المخاض الوحدوي الطويل الذي بدأ منذ 2005.

لهذا يمكن القول إن حركة 18 أكتوبر شكّلت القيادة السياسية والمعنوية الحقيقية للثورة التونسية، حتى وإن لم تكن قيادة تنظيمية مباشرة للاحتجاجات الشعبية. فقد وفّرت الإطار الفكري والسياسي الذي منح الثورة أفقها الديمقراطي الوطني، وربط بين المطالب الاجتماعية والحرية السياسية.

لقد أدركت الحركة مبكرًا أن المعركة ضد الاستبداد ليست معركة فصيل واحد، بل معركة مجتمع بأكمله. ولذلك تجاوزت منطق “الطليعة الإيديولوجية” نحو منطق “الكتلة التاريخية” القادرة على تجميع قوى متباينة حول مشروع وطني ديمقراطي.

غير أنّ هذا الائتلاف التاريخي بدأ يتفكك تدريجيًا بعد سقوط بن علي سنة 2011. فقد عادت التناقضات الإيديولوجية القديمة إلى الواجهة، وتصاعدت حالة الاستقطاب الحاد بين الإسلاميين وخصومهم، خاصة بعد انتخابات المجلس التأسيسي وصعود حركة النهضة إلى السلطة.

كما ساهمت التدخلات الإقليمية والاستقطابات الإعلامية في ضرب روح 18 أكتوبر. فقد دخلت تونس في مناخ "الشيطنة المتبادلة"، وعادت لغة التخوين والإقصاء التي كانت الحركة قد نجحت مؤقتًا في تجاوزها.

وتحوّل جزء من القوى التي شاركت في 18 أكتوبر من منطق "التوافق الديمقراطي" إلى منطق "الصراع الوجودي"، وهو ما أضعف الجبهة الوطنية التي حمت الثورة في بداياتها. وبذلك فقدت الثورة تدريجيًا مركزها السياسي الجامع.

شكّلت حركة 18 أكتوبر 2005 إحدى أهم المحطات المفصلية في التاريخ السياسي التونسي المعاصر، إذ مثّلت لحظة نادرة التقت فيها تيارات فكرية وسياسية متناقضة ـ إسلامية ويسارية وقومية وليبرالية ـ‘ حول حدّ أدنى ديمقراطي جامع في مواجهة الاستبداد النوفمبري. وقد جاءت الحركة في سياق احتقان سياسي واجتماعي عميق، تزامن مع انعقاد القمة العالمية لمجتمع المعلومات في تونس، حيث سعت السلطة إلى تلميع صورتها دوليًا رغم تفاقم القمع الداخلي وانتهاكات حقوق الإنسان.
وكان انفراط عقد حركة 18 أكتوبر بمثابة بداية انفراط العقد الرمزي للثورة نفسها. فعندما انهارت الثقة بين مكونات المعسكر الديمقراطي، أصبحت الثورة مكشوفة أمام شبكات الثورة المضادة، وأمام قوى الريعية والبرجوازية الطفيلية والإعلام بيروقراطية المنظومة النوفمبرية والبورقيبية.

ورغم نجاح "الحوار الوطني" لاحقًا في تجنيب تونس الانفجار، فإن الروح الأصلية لحركة 18 أكتوبر لم تستعد قوتها السابقة. فقد أصبح التوافق تكتيكًا ظرفيًا أكثر منه مشروعًا تاريخيًا لبناء ديمقراطية تشاركية مستدامة.

لقد كشفت التجربة التونسية أن الثورات لا تسقط فقط بسبب قوة الثورة المضادة، بل أيضًا بسبب تفكك التحالفات الوطنية التي تصنعها وتحميها. وفشلها في احكام يد الثورة على مفاصل القوة وراس المال الاقتصادي الوطني والسيادة الوطنية. فشلت أيضا في تحقيق الهيمنة الثقافية لقيم واخلاق الثورة. فالثورة ليست مجرد لحظة انتفاض، بل هي أيضًا قدرة مستمرة على إدارة الاختلاف داخل المشروع الوطني.

ومع ذلك، تبقى حركة 18 أكتوبر واحدة من أنضج التجارب السياسية العربية في بناء التوافق الديمقراطي بين الإسلاميين، واليسار، والقوميين، والليبراليين. وهي تجربة تؤكد أن الديمقراطية في المجتمعات العربية لا يمكن أن تُبنى عبر الإقصاء، بل عبر الاعتراف المتبادل والشراكة الوطنية.

وفي المحصلة، فإن حركة 18 أكتوبر لم تكن مجرد محطة احتجاجية عابرة، بل كانت مشروعًا وطنيًا استراتيجيًا لإعادة تأسيس السياسة في تونس على قاعدة الحرية والتعددية. وإذا كانت الثورة قد تعثرت لاحقًا، فإن أحد أهم أسباب ذلك كان انهيار ذلك التحالف التاريخي الذي أدرك ذات يوم أن إنقاذ الوطن يقتضي أن يجلس المختلفون إلى طاولة واحدة، لا أن يتحاربوا فوق أنقاض الدولة والثورة معًا.

عصام الشابي هل هي إرهاصات حركة أكتوبر مجددا؟

كان عصام الشابي من أبرز الوجوه التي دفعت نحو إعادة بناء المشروع الجمهوري الديمقراطي بعد الثورة، انطلاقًا من قناعة بأن تونس تحتاج إلى قوة سياسية وسطية تؤمن بالديمقراطية والدولة المدنية والعدالة الاجتماعية، وتستطيع تجاوز الاستقطاب الحاد بين الإسلاميين والمنظومة القديمة. وقد سعى الحزب الجمهوري إلى تقديم نفسه باعتباره وريثًا لتقاليد الحركة الوطنية الديمقراطية، ومنفتحًا في الوقت ذاته على الأجيال الجديدة.

تأسس الحزب الجمهوري في سياق اتسم بتشظي القوى الحداثية والديمقراطية بعد سقوط نظام زين العابدين بن علي، حيث أدرك مؤسسوه أن التشتت الحزبي سيؤدي إلى إضعاف المسار الديمقراطي وإفساح المجال لعودة الاستبداد بأشكال جديدة. لذلك كان الهدف المركزي من المبادرة هو توحيد التيارات الجمهورية والوسطية والتقدمية ضمن مشروع سياسي قادر على المنافسة وعلى حماية الانتقال الديمقراطي. بعيدا عن نزاعات /ثورة اشتراكية في نظام رأسمالي أو ثورة وطنية ديمقراطية في نظام ما قبل رأسمالي. والدغمائيات المتجمدة على هدف وحيد واوحد هو تخوين الإسلاميين ورميهم في البحر بناء على تعاليم وتمائم "الدين أفيون الشعوب الكلاسيكية البالية" التي تجاوزها الزمن بعد ان بين الواقع والتاريخ الأدوار التقدمية للتمثلات الإسلامية الثورية وفي حركات التحرير الوطني.

وقد حمل الحزب الجمهوري منذ تأسيسه برنامجًا يقوم على جملة من المبادئ الأساسية، أبرزها الدفاع عن دولة القانون والمؤسسات، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، وضمان الحريات العامة والفردية، وترسيخ التداول السلمي على السلطة. كما دعا إلى بناء اقتصاد وطني يوازن بين الحرية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، ويرفض في الوقت نفسه الفساد والاحتكار والزبونية.

ومن جهة أخرى، سعى الحزب الجمهوري إلى تكريس ثقافة الحوار والتوافق الوطني، انطلاقًا من قناعة عميقة بأن تونس لا يمكن أن تُحكم بمنطق الإقصاء. ولهذا حافظت قياداته على جسور التواصل مع مختلف القوى السياسية، بما في ذلك حركة النهضة، رغم الخلافات الفكرية والسياسية العميقة معها.

نجيب الشابي زعيما لجبهة الخلاص الوطني والحركة الديمقراطية

لقد كان اللقاء التاريخي المتجدد بين الشيخ راشد الغنوشي رئيس البرلمان الديمقراطي ونجيب الشابي الزعيم اليساري الديمقراطي والسيد عزالدين الحزقي أحد اهم زعماء حركة افاق perspective   اليسارية منعرجا مهما ولحظة فارقة في إعادة تشكيل الكتلة التاريخية في المشهد السياسي التونسي وكان جيب الشابي من أوائل الشخصيات التي أدركت أن الانتقال الديمقراطي التونسي يحتاج إلى عقد تاريخي جديد بين الإسلاميين والديمقراطيين والعلمانيين، شبيه بما تحقق خلال تجربة حركة 18 أكتوبر سنة 2005. فقد آمن بأن الديمقراطية لا تُبنى بالغلبة، بل بالشراكة الوطنية الواسعة. والتاسيس الجديد للحركة الديمقراطية الجامعة.

وعندما دخلت تونس مرحلة الارتباك بعد الثورة، وتفاقمت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، واشتد الاستقطاب السياسي، طرح نجيب الشابي فكرة تأسيس حزب ديمقراطي واسع قادر على جمع القوى الوطنية المؤمنة بالحريات والدولة المدنية، بدل بقائها مشتتة في أحزاب صغيرة متصارعة على الهوامش.

لكن تعثر التجربة الديمقراطية، وصعود النزعات الشعبوية والاستئصالية، ثم الإجراءات الاستثنائية التي قادها قيس سعيّد، دفعت نجيب الشابي إلى إعادة إحياء فكرة الجبهة الوطنية الديمقراطية. وهكذا ظهرت "جبهة الخلاص الوطني" باعتبارها محاولة جديدة لتوحيد القوى الرافضة للحكم الفردي.

وقد قامت جبهة الخلاص على فكرة مركزية مفادها أن الدفاع عن الديمقراطية يسبق الخلافات الأيديولوجية. لذلك ضمت شخصيات قومية ويسارية وليبرالية وإسلامية، في استعادة واضحة لروح حركة 18 أكتوبر التي جمعت في السابق إسلاميين ويساريين وقوميين حول مطالب الحرية والدستور وحقوق الإنسان.

لقد رأت هذه القوى أن تونس دخلت مرحلة خطيرة من تركيز السلطة وتفكيك المؤسسات المنتخبة وإضعاف القضاء والإعلام والمجتمع المدني، وأن الواجب الوطني يقتضي تشكيل جبهة إنقاذ ديمقراطية واسعة، تتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة.

ومع اقتراب بعض القوى الديمقراطية من الاتفاق على صيغة جديدة لوحدة الحركة الديمقراطية، بدأت السلطة في التضييق على رموز المعارضة، وتم اعتقال عدد من القيادات السياسية والحقوقية والإعلامية. وقد اعتبر كثيرون أن الزج برموز المعارضة في السجون لم يكن مجرد إجراء قضائي، بل رسالة سياسية تهدف إلى منع تشكل بديل ديمقراطي موحد.
لقد أعادت هذه الاعتقالات إلى الذاكرة التونسية مشاهد القمع التي عرفتها البلاد خلال عقود الاستبداد السابقة، حين كان أي تقارب بين القوى الديمقراطية يُنظر إليه باعتباره تهديدًا مباشرًا للنظام القائم. وهكذا بدا وكأن التاريخ يعيد نفسه بصورة مختلفة.

وفي هذا السياق، رأى العديد من المثقفين والسياسيين أن جبهة الخلاص ليست إلا الوجه الآخر لحركة 18 أكتوبر، ولكن في ظروف أكثر تعقيدًا. فكما نجحت حركة 18 أكتوبر في كسر الحواجز النفسية والأيديولوجية بين الإسلاميين والديمقراطيين، حاولت جبهة الخلاص إعادة بناء هذا الجسر في مواجهة الخطر المشترك على الحريات.

غير أن التجربة الجديدة حملت معها أيضًا وعيًا نقديًا بأخطاء الماضي، خاصة ما يتعلق بغياب المشروع الاقتصادي والاجتماعي الواضح، وضعف البنية التنظيمية المشتركة، والاعتماد المفرط على التوافقات الظرفية دون بناء ثقافة سياسية ديمقراطية عميقة داخل الأحزاب نفسها.

كما أدركت القوى الديمقراطية أن وحدة المعارضة لا يمكن أن تقوم فقط على رفض السلطة، بل يجب أن تؤسس لرؤية وطنية شاملة حول الدولة والاقتصاد والهوية والحريات والعلاقات الخارجية. فالديمقراطية ليست مجرد تحالف انتخابي، بل مشروع حضاري طويل النفس.

ومن الدروس التي استخلصتها هذه التجارب أيضًا أن الصراع الحقيقي في تونس لم يكن يومًا بين الإسلاميين والعلمانيين، بل بين من يؤمن بالدولة الديمقراطية ومن يميل إلى الحكم الفردي، مهما كانت شعاراته الأيديولوجية. لذلك أصبح الدفاع عن الدستور والمؤسسات والحريات هو القاسم المشترك الجديد بين كثير من القوى السياسية.

وقد كشفت تجربة جبهة الخلاص أن الحركة الديمقراطية التونسية ما تزال تملك قدرة على إعادة التشكل رغم الضربات والانقسامات. فكلما اشتد التضييق، عادت فكرة الوحدة الوطنية الديمقراطية إلى الواجهة باعتبارها ضرورة تاريخية وليست مجرد خيار تكتيكي.

كما أن تجربة التحالف بين الديمقراطيين وحركة النهضة، رغم ما أثارته من جدل، أثبتت أن المجال السياسي التونسي لا يمكن أن يستقر عبر الإقصاء أو الاستئصال، بل عبر الاعتراف المتبادل والشراكة واحترام نتائج الصندوق والقانون.

وفي المحصلة، يمكن القول إن مسار الحزب الجمهوري، ومبادرات نجيب الشابي، وتجربة جبهة الخلاص، كلها تعبر عن محاولة تاريخية متواصلة لبناء كتلة ديمقراطية وطنية في تونس، تمتد جذورها من حركة 18 أكتوبر إلى اليوم. إنها محاولة لم تنتهِ بعد، رغم السجون والانقسامات والإحباطات.

إذا كانت الأجيال السابقة قد فتحت أبواب الحوار بين الإسلاميين والديمقراطيين واليساريين والقوميين والليبراليين، فإن مسؤولية الجيل الجديد اليوم هي الارتقاء بهذا الإرث إلى مستوى تاريخي جديد يؤسس لكتلة وطنية ديمقراطية جامعة، قادرة على توحيد طاقات المجتمع حول مشروع نهضوي متجدد.
لكن الدرس الأعمق الذي تفرضه هذه التجارب هو أن إنقاذ الديمقراطية التونسية يتطلب تجاوز أخطاء الماضي: الابتعاد عن الشخصنة، وتغليب المؤسسات على الزعامات، وربط الحرية بالعدالة الاجتماعية، وبناء ثقافة وطنية ديمقراطية قادرة على الصمود أمام الاستبداد مهما تغيرت وجوهه.

الحركة الشبابية

وصمود الكتلة التاريخية للحركة الديمقراطية هو من صمود الحركة الشبابية بما تستلهمه من خبرات السابقين وما تمتلكه من القوة الاجتماعية الأكثر قدرة على استعادة روح الثورة وتجديد معانيها في الواقع السياسي والاجتماعي، وما يتوفر لديها من طاقة على المبادرة والإبداع والتشبيك والتعامل مع الخوارزميات والذكاء الاصطناعي والقدرة على تجاوز الاصطفافات التقليدية. فالحركة الشبابية قادرة على إعادة الاعتبار لقيم الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية التي شكّلت جوهر المطالب الثورية، من خلال الانخراط في العمل المدني والسياسي والنقابي والثقافي، وتطوير أشكال جديدة من المشاركة الديمقراطية تعتمد الحوار والتشبيك والعمل الجماعي. كما يساهم الشباب في تجديد النخب السياسية وإدخال قضايا المستقبل، مثل التحول الرقمي والبيئة والحوكمة الرشيدة، إلى صلب النقاش العمومي، بما يوسع فضاء الممارسة الديمقراطية ويمنح حيوية متجددة لجبهة الخلاص والحركة الديمقراطية.

الحركة النسوية

ولا شك أن الحركة النسوية، قد لعبت ولا تزال تلعب دوراً محورياً في الدفاع عن الحقوق والحريات وتكريس قيم المواطنة والمساواة، بما يجعلها أحد أهم روافع تعميق المسار الديمقراطي. فمشاركة النساء في الأحزاب والمنظمات الوطنية والجمعيات ومبادرات الحوار المجتمعي أسهمت في توسيع دائرة الفاعلين في الشأن العام وتعزيز ثقافة التعددية واحترام الاختلاف. ومن خلال نضالها من أجل المساواة في الفرص والتمثيل العادل ومناهضة كل أشكال التمييز والإقصاء، تساهم الحركة النسوية في بناء فضاء سياسي أكثر انفتاحاً وشمولاً، وتساعد على استعادة الزخم الديمقراطي للثورة عبر ربط الحرية السياسية بالعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية لجميع المواطنين والمواطنات في افق الكتلة التاريخية والحركة الديمقراطية الجامعة.

إن تونس التي أنجبت حركة الإصلاح الوطني، واحتضنت نضالات الحركة النقابية والحقوقية، وأطلقت شرارة أول ثورة ديمقراطية في العالم العربي، لا يمكن أن تبقى أسيرة الإحباط أو رهينة الانقسامات العابرة. فالتاريخ يعلمنا أن الشعوب الحية قد تتعثر لكنها لا تستسلم، وأن الثورات قد تتراجع لكنها لا تموت ما دامت قيم الحرية والكرامة والعدالة متجذرة في الوعي الجمعي. ومن هذا المنطلق، فإن استعادة روح الحزب الديمقراطي التقدمي وروح حركة 18 أكتوبر لا تعني العودة إلى الماضي بقدر ما تعني استلهام أفضل ما فيه لبناء أفق جديد تتجدد فيه معاني الشراكة الوطنية والديمقراطية التشاركية. إن تونس الجديدة التي يحلم بها أبناؤها هي تونس تتسع لجميع أبنائها وبناتها، دولة قانون ومؤسسات، تحترم التعددية، وتصون الحريات، وتربط الديمقراطية السياسية بالتنمية العادلة والسيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية.

وإذا كانت الأجيال السابقة قد فتحت أبواب الحوار بين الإسلاميين والديمقراطيين واليساريين والقوميين والليبراليين، فإن مسؤولية الجيل الجديد اليوم هي الارتقاء بهذا الإرث إلى مستوى تاريخي جديد يؤسس لكتلة وطنية ديمقراطية جامعة، قادرة على توحيد طاقات المجتمع حول مشروع نهضوي متجدد. فالشباب والنساء والمثقفون والنقابيون ورواد الاقتصاد والمعرفة مدعوون إلى صناعة موجة جديدة من الأمل الوطني، تتجاوز منطق الاستقطاب والثأر السياسي نحو منطق البناء المشترك. وعندئذ فقط يمكن أن تستعيد تونس موقعها بوصفها مختبرًا للديمقراطية العربية ومنارة للحرية في الفضاء المتوسطي والإفريقي، وأن تتحول راية الحرية والكرامة التي رفعتها الثورة إلى مشروع تاريخي مستدام يفتح الطريق أمام جمهورية ديمقراطية متجددة، قوية بمواطنيها، عادلة بمؤسساتها، ومتصالحة مع مستقبلها.

*إعلامي وباحث في العلوم السياسية
التعليقات (0)