تتواصل الجهود الدبلوماسية لإحياء مسار التهدئة بين
باكستان وأفغانستان، في ظل رعاية صينية متصاعدة، وسط مؤشرات متباينة بين تفاؤل حذر بشأن
المفاوضات وتصعيد ميداني يعكس عمق الخلافات بين الجانبين.
وقالت وزارة الخارجية
الصينية، الجمعة، إن المفاوضات بين كابول وإسلام آباد “تتقدم بخطى ثابتة”، في أعقاب تقارير عن استضافة بكين جولة محادثات جديدة بين البلدين في مدينة أورومتشي شمال غربي الصين، في محاولة لإنهاء أسوأ توتر بينهما منذ عودة حركة طالبان إلى الحكم في أفغانستان عام 2021.
وأوضحت المتحدثة باسم الخارجية الصينية، ماو نينغ، خلال مؤتمر صحفي يومي، أن “كلا من باكستان وأفغانستان توليان أهمية لوساطة الصين وترحبان بها، وتبديان استعدادا للجلوس مجددا إلى طاولة المحادثات، وهو تطور إيجابي”.
مؤكدة أن بكين “تضطلع بدور الوسيط وتشجع الحوار بالتنسيق الوثيق مع الجانبين، لتهيئة الظروف المناسبة وتوفير منصة للحوار”، على أن يتم الكشف عن مزيد من التفاصيل في الوقت المناسب.
وكانت الصين قد كثفت تحركاتها الدبلوماسية خلال الأسابيع الماضية، حيث أجرت اتصالات هاتفية مع وزيري خارجية البلدين، وأرسلت مبعوثا خاصا في زيارات ميدانية خلال آذار/مارس الماضي٬ في محاولة لاحتواء التصعيد بين الجارتين.
اظهار أخبار متعلقة
وفي السياق ذاته، أعلنت باكستان وأفغانستان، الخميس، انطلاق محادثات رسمية بينهما في الصين، حيث قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية، طاهر أندرابي، إن “كبار المسؤولين من البلدين يجتمعون في مدينة أورومتشي ويحاولون إيجاد سبل لإنهاء الهجمات عبر الحدود”، مشددا على ضرورة أن تظهر كابول “إجراءات واضحة وقابلة للتحقق ضد الجماعات الإرهابية التي تستخدم الأراضي الأفغانية ضد باكستان”.
في المقابل، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الأفغانية، عبد القهار بلخي، أن المحادثات جاءت “بناء على طلب الصين”، موضحا أن هدفها يتمثل في “تعزيز علاقات حسن الجوار، وتطوير الروابط التجارية، والإدارة الفعالة للقضايا الأمنية”.
ورغم هذه التحركات الدبلوماسية، لا تزال الاشتباكات الميدانية تلقي بظلالها على المشهد، إذ اندلعت مواجهات عنيفة على طول ولايتي بكتيا وخوست جنوب أفغانستان، مع تبادل الاتهامات بين الطرفين بشأن المسؤولية عن التصعيد.
وأفادت السلطات المحلية في ولاية بكتيا، في بيان، بأن القوات الباكستانية “قامت بأعمال استفزازية واستهدفت مناطق سكنية بأسلحة مختلفة”، ما دفع القوات الأفغانية إلى “شن هجوم معاكس وعبور الحدود واستهداف مواقع القوات الباكستانية”، مؤكدة سيطرتها على عدد من المواقع العسكرية ومصادرة أسلحة، إضافة إلى “تفجير ستة مراكز عسكرية باكستانية”، مع بقاء قواتها داخل الأراضي الباكستانية.
من جانبه، قال نائب المتحدث باسم حكومة طالبان، حمد الله فطرت، مساء الخميس، إن القصف الباكستاني طال ولايات كنر وبكتيا وخوست، وأسفر عن مقتل مدنيين اثنين وإصابة 25 آخرين، مؤكدا أن كابول “لن تترك هذه الممارسات دون رد”.
وفي الداخل الباكستاني، تواصلت أعمال العنف، حيث أعلنت الشرطة مقتل ثمانية أشخاص، بينهم عناصر أمن، في هجوم انتحاري استهدف مركزا أمنيا في منطقة بنو شمال غربي البلاد.
وتتهم إسلام آباد حركة طالبان الأفغانية بإيواء مسلحين يشنون هجمات داخل أراضيها، بينما تنفي كابول هذه الاتهامات، معتبرة أن “التمرد المسلح شأن داخلي باكستاني”.
اظهار أخبار متعلقة
وفي قراءة للمشهد المتعثر في ظل وجود مفاوضات مع عدم توقف الاشتباكات، قال الكاتب والمحلل السياسي الباكستاني أحمد القريشي، في حديث خاص لـ“
عربي21”، إن “فرص التوصل إلى تفاهمات بين باكستان وأفغانستان بقيادة طالبان تبدو ضئيلة”، مشيرا إلى أن أي تقدم “مرهون بمدى استعداد إسلام آباد للاعتراف بطالبان كشريك قادر على ضبط الجماعات المسلحة، وعلى رأسها طالبان باكستان”.
وأضاف القريشي أن “الثقة مفقودة لدى الجانب الباكستاني تجاه مصداقية الطرف الأفغاني”، لكنه لفت إلى أن الحرب الجارية في إيران “قد تدفع الطرفين إلى محاولة التهدئة وعدم فتح جبهة جديدة”، موضحا أن ذلك “لا يعني حلا للأزمة، بل ربما يؤدي فقط إلى تأجيلها”.
وتأتي هذه الجولة من المحادثات بعد سلسلة جولات سابقة عقدت في قطر وتركيا، انتهت جميعها دون تحقيق اختراق حقيقي، رغم التوصل في بعض الأحيان إلى اتفاقات هدنة مؤقتة.
كان اخرها في 8 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، عندما أعلنت أفغانستان وباكستان فشل جولة مفاوضات في تركيا، حيث قال المتحدث باسم حكومة طالبان، ذبيح الله مجاهد، إن “الجانب الباكستاني حاول إلقاء مسؤولية أمنه بالكامل على الحكومة الأفغانية دون إبداء أي استعداد لتحمل مسؤولياته”، واصفا الموقف الباكستاني بأنه “غير مسؤول وغير متعاون”.
في المقابل، صرح وزير الدفاع الباكستاني، خواجة محمد آصف، آنذاك، بأن وفد بلاده “عاد خالي اليدين لأن وفد طالبان لم يكن مستعدا لإبداء أي مرونة”، مشككا في جدوى استمرار المفاوضات.
ويعود التوتر بين البلدين إلى جذور تاريخية، أبرزها الخلاف حول خط ديوراند الحدودي منذ عام 1947، إلا أن التصعيد الأخير تفاقم منذ تشرين الأول/أكتوبر 2025، مع تبادل الضربات الجوية والهجمات الحدودية، وصولا إلى قصف باكستان العاصمة كابول في شباط/فبراير 2026، ما أدى إلى اندلاع موجة جديدة من الاشتباكات.