وضعت
إيران حزمة شروط لإنهاء الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي٬ ضدها منذ 28 شباط/ فبراير الماضي، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول ما إذا كانت طهران ستربط أي اتفاق محتمل بوقف العدوان على قطاع
غزة، ضمن ما يُعرف بمفهوم “
وحدة الساحات”.
وكشفت صحيفة “كيهان” المقربة من النظام الإيراني عن قائمة من تسعة شروط اعتبرتها تمثل متطلبات “الجمهورية الإسلامية” لإنهاء الحرب، تضمنت انسحابا كاملا للقوات الأمريكية من المنطقة وتفكيك قواعدها، ووقف الهجمات ضد إيران ولبنان وقوى “محور المقاومة”، إلى جانب رفع العقوبات الدولية والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة.
كما شملت الشروط فرض نظام اقتصادي لمرور السفن عبر مضيق هرمز تحت السيادة الإيرانية، وإعلان الولايات المتحدة ودولة الاحتلال “معتديتين”، ودفع تعويضات، فضلا عن مطالبة الإمارات بوقف مطالبها بشأن الجزر الثلاث، وصولا إلى طرح خيار انسحاب إيران من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، مع إبقاء باب العودة مفتوحاً وفقاً لمصالحها.
كما أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن بلاده ترفض الاكتفاء بوقف إطلاق النار، وتسعى إلى إنهاء شامل للحرب في المنطقة بأكملها، وليس داخل إيران فقط، في ظل التصعيد العسكري المتواصل منذ أسابيع.
وقال عراقجي، في تصريحات لقناة الجزيرة مساء الثلاثاء، إن "إيران لن تقبل بوقف إطلاق النار"، مضيفًا: "نسعى إلى وقف كامل للحرب، ليس في إيران وحدها بل في المنطقة كلها".
وأوضح وزير الخارجية الإيراني أن أي اتفاق محتمل يجب أن يتضمن ضمانات واضحة بعدم تكرار الاعتداءات، إلى جانب تقديم تعويضات عن الخسائر التي تكبدتها بلاده جراء الهجمات.
غزة ومعادلة “وحدة الساحات”
في ضوء هذه الشروط، يبرز سؤال محوري حول ما إذا كانت طهران ستشترط وقف الحرب على غزة كجزء من أي تسوية، وهو ما يرتبط بمفهوم “وحدة الساحات”، الذي برز في خطاب “محور المقاومة” خلال السنوات الأخيرة، ويقوم على اعتبار ساحات المواجهة في المنطقة – من فلسطين إلى لبنان والعراق واليمن – مترابطة في صراع واحد.
اظهار أخبار متعلقة
وفي هذا السياق، قال الدكتور حكم أمهز، المتخصص في الشأن الإيراني والعلاقات الدولية، في تصريح لـ
”عربي21″، إن “أي اتفاق محتمل يجب أن ينطلق من وقف إطلاق نار شامل وكامل، لا جزئي ولا انتقائي”، مشدداً على أن إيران تنظر إلى “جبهة المقاومة” كوحدة مترابطة.
وأضاف أن “أي تهدئة لا تشمل جميع أطراف هذه الجبهة قد تُعد غير كافية لتحقيق الاستقرار الحقيقي”، موضحاً أن وقف إطلاق النار – وفق هذا التصور – ينبغي أن يشمل كل الساحات، بما في ذلك غزة، باعتبارها جزءاً أساسياً من المشهد.
وأشار أمهز إلى أن استثناء أي ساحة من الاتفاق “قد يُبقي أسباب التصعيد قائمة، ويُهدد بانهيار أي تفاهم في وقت لاحق”، لافتاً إلى أن الهدف من أي اتفاق لا يجب أن يقتصر على وقف العمليات العسكرية مؤقتاً، بل يتجاوز ذلك نحو تحقيق أمن واستقرار مستدامين.
وأكد أن طهران تشدد على ضرورة رفع التهديدات بشكل كامل وتوفير ضمانات حقيقية لعدم تكرارها، معتبراً أن هذا العامل “جوهري” في تقييم جدوى أي اتفاق.
رؤية إقليمية شاملة
وأوضح أمهز أن إيران تنظر إلى أمن المنطقة باعتباره جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي، وبالتالي فإن أي اتفاق لا يراعي البعد الإقليمي الشامل، ويقتصر على معالجة جزئية، “قد لا يحقق نتائج طويلة الأمد”.
وأضاف أن نجاح أي تسوية مرهون بمدى شموليتها وقدرتها على معالجة جذور التوتر في المنطقة، وليس فقط مظاهره، مشيراً إلى أن إدراج غزة في أي اتفاق “ليس تفصيلاً ثانوياً، بل اختباراً حقيقياً لجدية الاتفاق”.
كما أكد رئيس تحرير صحيفة "الوفاق" الإيرانية، مختار حداد، أن وقف العدوان الإسرائيلي على كل من فلسطين ولبنان يُعد شرطًا أساسيًا ضمن الرؤية الإيرانية لأي اتفاق محتمل لوقف الحرب، مشددًا على أن طهران لا تفصل بين ساحات المواجهة في المنطقة.
وقال حداد، في تصريح خاص لـ"
عربي21"، إن "ضمن شروط إيران وقف الحرب والعدوان على الشعب اللبناني وعلى لبنان وعلى فلسطين، وهذا أمر مؤكد"، مضيفًا أن "العدو الصهيوني يجب أن يوقف كل الهجمات على الشعوب التي تتعرض لعدوانه".
وأوضح أن هذا الموقف ينبع من رؤية تعتبر أن ما يجري في المنطقة مترابط، قائلاً: "لا يوجد فصل بين الجبهات في هذه الشروط، بل إن ذلك يُعد من الشروط الأساسية لإيران"، مشيرًا إلى أن طهران ترى في هذا التوجه "واجبًا عليها" في ظل استمرار الهجمات الإسرائيلية على لبنان وفلسطين خلال السنوات الماضية، لا سيما في السنوات الثلاث الأخيرة.
ضمانات بعدم تكرار الهجمات
وأشار حداد إلى أن من بين الشروط الجوهرية أيضًا، ضرورة تقديم ضمانات بعدم تكرار الاعتداءات، خاصة من جانب الولايات المتحدة، مؤكدًا أن طهران تعتبر هذا البند أساسيًا في أي تفاهم محتمل.
وأضاف أن إيران "مستمرة في سياسة ردع العدو، سواء الأمريكي أو الصهيوني"، لافتًا إلى أن "عملية الردع هي العامل الأهم في منع تكرار مثل هذه السلوكيات"، وفق تعبيره.
وفي سياق متصل، أظهرت دراسة للكاتب والباحث ورئيس تحرير صحيفة “السبيل” الأردنية عاطف الجولاني، صادرة عن “مركز الزيتونة للدراسات”، أن إيران اعتمدت خلال المرحلة الماضية على حلفائها في دعم غزة ميدانيا، فيما ركّزت هي على الإسناد السياسي والإعلامي والدبلوماسي.
اظهار أخبار متعلقة
وبحسب الدراسة، انتقلت المواجهة بين إيران والاحتلال إلى مستوى الاشتباك المباشر بعد استهداف مجمع السفارة الإيرانية في دمشق في 1 نيسان/ أبريل 2024، حيث ردت طهران بهجوم عسكري في 14 نيسان/ أبريل، أعقبه رد إسرائيلي محدود في 19 من الشهر ذاته.
كما تصاعدت وتيرة المواجهة عقب اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية في طهران في 13 تموز/ يوليو 2024، وهو ما دفع إيران لتنفيذ هجوم صاروخي واسع على أهداف إسرائيلية في 1 تشرين الأول/ أكتوبر، قبل أن ترد تل أبيب في 26 من الشهر نفسه. وفق ما ذكر الباحث.
في ضوء هذا التصعيد المتسارع، تبدو آفاق التهدئة مرهونة بقدرة الأطراف على الانتقال من منطق المواجهة المفتوحة إلى تسوية شاملة تعالج جذور الصراع لا مظاهره فقط. فاستمرار الضربات المتبادلة، واتساع رقعة الاستهداف لتشمل دولاً ومصالح إقليمية، يعمّق من تعقيد المشهد ويزيد كلفة أي تأخير في الحل السياسي.
وعليه، فإن أي اتفاق لوقف الحرب لن يكون قابلا للحياة ما لم ينجح في احتواء تداخل الساحات، وفرض تهدئة متوازنة تشمل مختلف الجبهات، وفي مقدمتها غزة، بما يحدّ من احتمالات الانفجار مجددا.
وفي ظل تمسك إيران برؤية إقليمية مترابطة، يقف المسار السياسي أمام اختبار صعب: إما تسوية شاملة تفرض الاستقرار، أو استمرار حرب مفتوحة مرشحة لمزيد من التصعيد.