عندما تسقط الغطرسة في فخ التاريخ

نجيب العياري
"أظهر صمود الغزاويين أن العمق التاريخي للشعوب قد يكون أقوى من أدوات الحرب الكلاسيكية"- جيتي
"أظهر صمود الغزاويين أن العمق التاريخي للشعوب قد يكون أقوى من أدوات الحرب الكلاسيكية"- جيتي
شارك الخبر
في الحروب، لا يكفي السلاح وحده لصنع النصر، لأن الصراع ليس مجرد مواجهة بين ترسانات، بل هو أيضا امتحان للذاكرة والثقافة والقدرة على الصبر. فالأمم لا تقاتل فقط بما تملك من أدوات، بل بما تختزنه من معنى، وما راكمته عبر التاريخ من خبرة في مقاومة الخطر وتحويل الألم إلى إرادة.

ومن هذا المنظور، يبرز "طوفان الأقصى" كحدث تاريخي يتجاوز بعده العسكري، لأنه كشف الفارق بين شعوب تنظر إلى الحرب كمعركة وجود وهوية وزمن طويل، وبين قوى متغطرسة ما تزال تتوهم أن التفوق الناري وحده كافٍ لكسر الخصم.

هذه الذهنية المتعجرفة تتجسد بوضوح في عقلية "الكاوبوي" الأمريكية المندفعة، وثقتها المفرطة في الحسم المباشر، وإيمانها بأن الضربة الأولى كافية لإخضاع العدو. وقد وجدت هذه الذهنية في الصهيونية حليفا منسجما معها، لأن المشروع الصهيوني نفسه قام على احتقار عميق للشعب الفلسطيني، وعلى وهم أن فائض العنف يمكن أن يمحو التاريخ ويقتلع الإنسان من أرضه وذاكرته. لذلك دخل الكيان حربه على غزة بدعم أمريكي، وهو يظن أن التدمير الشامل والحصار والإبادة ستكسر الإرادة الفلسطينية وتسحقها، لكنه فوجئ بأن غزة لم تكن مجرد أرض تُقصف، بل روحا جماعية وذاكرة مقاومة راسخة. وهكذا تحولت الحرب من محاولة لكسر الفلسطيني إلى لحظة انكشاف أخلاقي وسياسي للصهيونية، وللتواطؤ الأمريكي الذي رافقها وغطّى جرائمها.

هكذا كان الدرس الأول صمود غزة، والدرس الثاني تعرية المشروع الصهيوني المتحالف مع واشنطن، وسقوط صورته الأخلاقية أمام العالم. ولم يبق أثر هذه الحروب محصورا في المنطقة، بل امتد إلى الوعي الغربي نفسه، حيث بدأت تتصدع السردية التي قدمت إسرائيل طويلا بوصفها "واحة الديمقراطية"

لقد أظهر صمود الغزاويين أن العمق التاريخي للشعوب قد يكون أقوى من أدوات الحرب الكلاسيكية، فالفلسطيني في غزة لم يصمد لأنه يمتلك فائض قوة مادية، بل لأنه يتحرك داخل سردية طويلة تجعل البقاء نفسه فعل مقاومة، وتجعل الاحتمال حفاظا على المعنى لا مجرد تحمل للألم.

الحضارات الكبرى لكل واحدة منها طريقتها الخاصة في إدارة الصراع؛ فالصين تمثل نموذج الصبر الاستراتيجي، إذ تنظر إلى الحرب والسياسة بمنطق التراكم وبناء النفوذ على المدى البعيد. والفضاء الفارسي يجسد منطق الشطرنج: امتصاص الضربات، وإدارة الاحتمالات، وتحويل الضغط إلى فرصة. أما روسيا، فقد صاغ تاريخها القاسي عقلا استراتيجيا يفهم الحرب كمعركة استنزاف وبقاء، لا كمجرد استعراض عضلي. وهذه الفوارق تؤكد أن الثقافة العميقة للأمم تحدد طريقة خوضها للصراع بقدر ما تحدده الأسلحة.

ومع اتساع التوتر ليشمل إيران، برز وجه آخر للعمى الاستراتيجي الصهيوني والأمريكي. فبدل أن يؤدي توسيع الجبهات إلى استعادة الردع، كشف حدود القوة العارية، وأظهر أن من يفتح الصراعات من دون فهم لروح خصومه إنما يدفع نفسه نحو الاستنزاف.

وهكذا كان الدرس الأول صمود غزة، والدرس الثاني تعرية المشروع الصهيوني المتحالف مع واشنطن، وسقوط صورته الأخلاقية أمام العالم. ولم يبق أثر هذه الحروب محصورا في المنطقة، بل امتد إلى الوعي الغربي نفسه، حيث بدأت تتصدع السردية التي قدمت إسرائيل طويلا بوصفها "واحة الديمقراطية". ومع هذا التآكل، أخذت تبرز بوادر عالم جديد متعدد الأقطاب، لم يعد الغرب فيه قادرا على احتكار تعريف الشرعية والمعنى والقوة.

وهكذا تؤكد هذه اللحظة التاريخية أن الغطرسة قد تفتح الحرب، لكنها لا تحسم التاريخ، لأن الشعوب ذات العمق الحضاري قد تُجرح، لكنها لا تُختزل، وإذا أخطأ المتغطرس في فهم خصمه، سقط في النهاية في فخ التاريخ.



المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)