تواصل إيران الاعتماد على طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ضمن
استراتيجيتها العسكرية في مواجهة
الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، لتصبح هذه
المسيرات ورقة رابحة في النزاع غير المتكافئ. وتبرز أهميتها في قدرتها على تنفيذ
هجمات دقيقة على المنشآت الحيوية لدول الخليج.
ونشرت صحيفة
"
نيويورك تايمز" تقريرا أعده نيكولاس كوليش قال فيه إن المسيرات الإيرانية
رخيصة الكلفة تظل ورقة رابحة بيد إيران في مواجهتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل،
كما أن وقف وصولها ضروري لفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية وتوقف الهجمات ضد دول
الخليج.
وأشار إلى الصور التي
نشرتها القيادة المركزية الأمريكية لتدمير مجمع صناعي لمسيرات شاهد في أصبهان، حيث
تظهر الصورة الأولى بالأبيض والأسود، التي التقطها الأقمار الاصطناعية، مجمع مصانع
بسيط على طريق تصطف على جانبيه الأشجار غرب مدينة أصفهان الإيرانية.
وأضاف الصحيفة أن المصنع،
الذي قالت القيادة المركزية الأمريكية إنه كان يصنع طائرات بدون طيار، وقد دمر بالكامل
تاركا وراءه كومة من الأنقاض وهياكل متفحمة مكان المباني التي كانت قائمة يظهر في الصورة
الثانية.
واردف التقرير أن القيادة
المركزية حرصت على نشر الصور قبل وبعد التفجير الأسبوع الماضي، باعتبارها "ضربة قوية أخرى" لـ"القاعدة الصناعية
الدفاعية الإيرانية" وفي محاولة لطمأنه الحلفاء في الخليج العربي بأن وابل طائرات
"شاهد" الهجومية بدون طيار، التي تستهدف مراكزهم السكانية وبنيتهم التحتية
للطاقة، سيتوقف في نهاية المطاف. وهو وعد قد لا تتمكن الولايات المتحدة من الوفاء به.
وتابع التقرير أن مسيرات
"شاهد" هي أسلحة رخيصة تصنع من قطع غيار متوفرة تجاريا، ويمكن تجميعها في
ورشة أصغر من الموقع القريب من جامعة أصفهان للتكنولوجيا الذي استهدفته الولايات المتحدة.
ونقلت الصحيفة عن
ماكسيميليان بريمر، الباحث غير المقيم في مركز ستيمسون، وهو منظمة تعنى بتحليل الأمن
العالمي، والذي شغل سابقا منصب رئيس قسم البرامج المتقدمة في قيادة النقل الجوي التابعة
لسلاح الجو الأمريكي: "تكمن مشكلة هذه التقنية في أنها أصبحت متاحة للجميع"
وأضاف: "إذا كان من السهل نسبيا ثني الألمنيوم أو طباعته ثلاثي الأبعاد أو حتى
تصنيع محرك دراجة نارية بسيط، فسيصعب تتبع مصدره".
اظهار أخبار متعلقة
أما ياسر أتالان، نائب مدير مختبر المستقبل في مركز الدراسات الاستراتيجية
والدولية، فقد عبر عن الأمر بوضوح أكبر، قائلا: "ستتمكن إيران من إنتاج المزيد
إذا استمرت هذه الحرب".
وأضاف التقرير أن سهولة
الإنتاج وتكلفته النسبية، منحت إيران القدرة على مواصلة القتال وإحداث فوضى عارمة في
المنطقة، حتى في ظل القصف الأمريكي الإسرائيلي المكثف، وتواصل إيران إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة
عبر الخليج، وإن كان ذلك بوتيرة أقل مما كانت عليه في بداية النزاع.
وبحسب التقرير قال
أتالان إن إيران لا تزال قادرة على إطلاق ما بين 70 و90 طائرة مسيرة يوميا، بعد أن
كان العدد يتجاوز 400 طائرة في الأول من آذار/مارس. وتركز إيران في هجماتها بالمسيرات
على دول الخليج، نظرا لقرب المسافة بينها وبين هذه الدول مقارنة بإسرائيل، مما يمنحها
وقتا أقل للرد وإسقاط الطائرات.
وتابع أنه تم اعتراض
العديد منها، حيث أعلنت وزارة الدفاع السعودية السبت أنها أسقطت عشرات الطائرات المسيّرة
خلال الليل، بينما أطلقت صفارات الإنذار تحذيرات من هجوم وشيك آخر في البحرين، وأعلنت
وزارة الدفاع الإماراتية أنها اعترضت ثلاثة صواريخ باليستية وثماني طائرات مسيّرة أخرى
يوم السبت.

كما تمكنت بعض الطائرات
من اختراق الدفاعات، وغالبا ما أسفرت عن نتائج مميتة. فقد قُتل ستة جنود احتياط من
الجيش الأمريكي في غارة جوية إيرانية بطائرة مسيرة على ميناء الشعيبة في الكويت.
وأشار التقرير إلى
أن طائرات شاهد المسيرة تعد أسهل إطلاقا من الصواريخ الباليستية، إذ يمكن نقلها في
صندوق شاحنة كبيرة، ما يتيح لأطقمها التخفي دون رصدها باستخدام غطاء بسيط يلقى على
ظهرها. وطالما بقيت هذه الطائرات في الجو، تتمتع إيران بقدرة أكبر على اختيار سفن الدول
التي يسمح لها بالمرور عبر مضيق هرمز، في حين تسارع الولايات المتحدة بإرسال المزيد
من القوات والمعدات إلى المنطقة في محاولة لإعادة فتح الممر المائي بالكامل.
وقالت الصحيفة إن السؤال
الذي يجب على مخططي الحرب في واشنطن وإسرائيل مواجهته هو عن عدد الطائرات المسيرة التي
لا يزال الإيرانيون يخفونها أو يمكنهم تصنيعها، وما إذا كان لديهم ما يكفي من الطائرات
الاعتراضية لإسقاطها قبل أن تلحق هذه الأسلحة مزيدا من الضرر بحلفائهم الإقليميين وأسواق
الطاقة العالمية. وتتفاوت التقديرات بشأن عدد طائرات شاهد التي كانت لدى إيران في بداية
الحرب تفاوتا كبيرا، من آلاف إلى عشرات الآلاف.
وتابع التقرير أنه
توجد نماذج عديدة من طائرة "شاهد" المسيرة، لكن أكثرها شيوعا هو "شاهد-136"
ذو الجناح المثلثي، والذي يعد في نواحٍ كثيرة صاروخ كروز بطيئا وبدائيا، يبلغ عرضه
ما يزيد قليلا عن 2.4 مترا وطوله حوالي 3.7 مترا. وتبلغ سرعته القصوى 185 كيلومترا
في الساعة، ويطلق من منصة إطلاق مثبتة على سكة حديدية في مؤخرة شاحنة عسكرية أو تجارية.
ويصل مدى "شاهد" في الجو إلى 2,400 كيلومترا، ويستخدم نظام تحديد المواقع
العالمي (جي بي أس) لتحديد الهدف لرأسه الحربي الذي يزن 41 كيلوغراما. كل ذلك بتكلفة
تقدر بـ 35,000 دولارا أمريكيا للطائرة الواحدة.
وقال كاتب التقرير
إنه لمواجهة خطر "شاهد"، تطلق دول الخليج صواريخ اعتراضية تكلف ملايين الدولارات
للصاروخ الواحد، وترسل طائرات مقاتلة تضطر إلى خفض سرعتها إلى ما يقارب سرعة التوقف
التام لمواجهة هذه الطائرات البطيئة والبدائية، كما تمتلك مروحيات أباتشي الهجومية
التي تسقطها بالرشاشات.
وعلقت الصحيفة أنه
حتى لو تراجعت قدرة إيران على تصنيع الطائرات المسيّرة بشكل كبير، فقد تتمكن من الاعتماد
على مساعدة روسيا.
وقال غوردون ب. ديفيس،
الباحث البارز في مركز تحليل السياسات الأوروبية، والذي شغل منصب نائب مساعد الأمين
العام لشعبة استثمارات الدفاع في حلف الناتو بعد تقاعده من الجيش الأمريكي، في إحاطة
صحافية يوم الخميس، أن روسيا تعمل على إنتاج ما يصل إلى 1,000 مسيرة يوميا.
وأوضح ديفيس أن إيران
لا تسعى لهزيمة الولايات المتحدة بالمعنى التقليدي، مضيفا: "لقد تكيفت إيران بسرعة،
مستهدفة الدفاعات الجوية والرادارات ومراكز القيادة والسيطرة بدلا من مجرد محاولة التنافس
بشكل متكافئ".
ولدى روسيا، التي يعتمد
اقتصادها وآلتها الحربية على عائدات النفط والغاز، كل الحوافز لمساعدة إيران في إبقاء
مضيق هرمز مغلقا. وكل صاروخ اعتراضي باهظ الثمن يطلق على طائرة مسيرة إيرانية يعني
صاروخا آخر لا يمكن شحنه إلى خصوم روسيا في أوكرانيا.
وكان الرئيس الأوكراني
فولوديمير زيلينسكي، قد قال إن بلاده استجابت لمطالب 11 طلبت مساعدة في مكافحة المسيرات
الإيرانية وأنه أرسل 200 خبيرا إلى الشرق الأوسط لهذا الغرض.
وبدأت إيران بتصنيع
وتطوير الطائرات المسيرة الإيرانية قبل أربعة عقود، وفي المراحل الأولى، بدأت إيران باستخدام
طائرات بدون طيار، لا تختلف كثيرا عن طائرات الهواة التي يتم التحكم فيها عن بعد والمزودة
بكاميرات، خلال الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينيات القرن الماضي. وواصلت تطوير
نماذج أحدث وأفضل، أحيانا باستخدام قطع غيار مستوردة، ولكن غالبا بإنتاج محلي بسبب
العقوبات الاقتصادية.
وفي تقرير عن القدرات
العسكرية الإيرانية، ذكرت وكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية أن طهران استخدمت الطائرات
المسيرة لأول مرة في "عمليات ضربات بعيدة المدى عبر الحدود" عام 2018، في
هجوم على تنظيم الدولة الإسلامية في شرق سوريا. واستخدمت هذه الطائرات لاحقا في هجوم
على منشآت نفطية سعودية عام 2019، تبناه الحوثيون في اليمن. وذكر مسؤولون في المخابرات
الأوكرانية أن إيران قدمت طائرات مسيرة للكرملين لأول مرة عام 2022، حيث نقلتها عبر
بحر قزوين على متن سفن بعد تعطيل أو إزالة أجهزة التتبع البحرية الخاصة بها.