قضايا وآراء

قالها المغولي ويقولها نتنياهو.. والدهشة مستمرة!

هشام الحمامي
"المسألة مسألة وقت، وهو بالضبط يقارب الوقت الذي ذهب فيه المغولي ليحضر سيفا يقطع به رأس المسكين الذي ينتظره"- غزة
"المسألة مسألة وقت، وهو بالضبط يقارب الوقت الذي ذهب فيه المغولي ليحضر سيفا يقطع به رأس المسكين الذي ينتظره"- غزة
روى ابن الأثير (ت: 1233م) في كتابه الشهير "الكامل في التاريخ" ما سمعه مباشرة ممن كُتبت لهم النجاة من هجمات المغول الوحشية على "عالم الإسلام" من سنة 1216م، فيقول: كان المغولي يدخل القرية بمفرده وبها الجمع الكثير من الناس، فيبدأ بقتلهم واحدا تلو الآخر، ولا يتجاسر أحد المسلمين أن يرفع يده نحو الفارس بهجوم أو بدفاع!

وأخذ مغولي رجلا من المسلمين، ولم يكن مع المغولي ما يقتله به، فقال له: ضع رأسك على الأرض ولا تبرح، فوضع رأسه على الأرض، ومضى المغولي فأحضر سيفا ثم قتله!

ويحكي رجل من المسلمين فيقول: كنت أنا ومعي سبعة عشر رجلا في طريق، فجاءنا فارس واحد من المغول، وأمرنا أن يقيد بعضنا بعضا، فشرع أصحابي يفعلون ما أمرهم، فقلت لهم: هذا واحد فلم لا نقتله ونهرب؟ فقالوا: نخاف، فقلت: هذا يريد قتلكم الساعة فنحن نقتله، فلعل الله يخلصنا، فوالله ما جسر أحد أن يفعل ذلك، فأخذت سكينا وقتلته، وهربنا فنجونا.. وأمثال هذا كثير!

المدهش أن كل هذا يجرى في سياق وسباق تاريخي محموم، يعمل فيه الغرب الصهيوني بكل الحيل والضغوطات لنزع "فكرة المقاومة"، وليس فقط لنزع "سلاح المقاومة"

* * *

هذه الأحداث مر عليها أكثر من 800 سنة، وهي تصف فترة عصيبة في تاريخ الإسلام والمسلمين، وبلغ مما أحدثته في نفوس الناس ما رواه لنا هذا المؤرخ الموثوق المعروف، والذي صاحب صلاح الدين رحمه الله (ت: 1193م) في حروبه. وهي بالتأكيد تصيب الإنسان بالدهشة عند قراءتها إلى حد التشكك في حدوثها.. لكن الأجواء العامة المصاحبة لتلك الأحداث في زمنها، تشير إلى أنها أقرب ما تكون إلى الحقيقة.

* * *

وليس أدل على ذلك مما قاله رئيس حكومة الدولة الصهيونية يوم 13 آب/ أغسطس الجاري في لقاء مع قناة "آي 24": "إنني في مهمة تاريخية وروحانية، وأنا مرتبط عاطفيا برؤية إسرائيل الكبرى".. ولم يشعر أحد أن هناك خطرا يقترب منه يوما بعد يوم.

نتنياهو قال ذلك بكل جدية وصرامة في لقاء مع المذيع شارون جاليانو (51 سنة) وهو يمسك بخريطة لـ"إسرائيل الكبرى" تضم أجزاء من الأراضي الفلسطينية المحتلة والأردن ولبنان وسوريا ومصر (من النيل للفرات)/ حيث أكد موافقته "جدا" على هذه الرؤية بشدة، وقال "جدا" مرتين..

اللقاء كله تم ترتيبه قصدا، ليقول فيه نتنياهو هذه الجملة التي كان يتحاشا قولها صراحة، رغم أن أهم وزيرين في حكومته يقولانها، ويطبقانها على الأرض في حدود المتاح تطبيقه حتى الآن (الضفة وغزة)! والبقية (لا قدر الله) تأتي، المسألة مسألة وقت، وهو بالضبط يقارب الوقت الذي ذهب فيه المغولي ليحضر سيفا يقطع به رأس المسكين الذي ينتظره.

* * *

جامعة الدول العربية والعديد من الدول العربية أدانت بــ"أشد العبارات" تصريحات نتنياهو، ووصفتها بأنها تهدد السلام الدولي وتخالف القانون وميثاق الأمم المتحدة..!!

حركة حماس طلبت من الدول العربية اتخاذ موقف واضح من تصريحات نتنياهو، يشمل قطع العلاقات وسحب السفراء ووقف التطبيع، والتوحد خلف خيار مواجهة الاحتلال (المقاومة).

* * *

المدهش أن كل هذا يجرى في سياق وسباق تاريخي محموم، يعمل فيه الغرب الصهيوني بكل الحيل والضغوطات لنزع "فكرة المقاومة"، وليس فقط لنزع "سلاح المقاومة"، حتى يكون الجميع في المنطقة مثل "المسكين" الذي انتظر المغولي ليحضر سيفه.

والأكثر دهشة حقيقة، هو التزامن العجيب في طرح كل هذا، وعلى العلن، وبكل ما يملكه المتبجح من بجاحة والصفيق من صفاقة، وإصرار غير مفهوم على فتح الملفات كلها في وقت واحد، في حالة من الثقة تشبه حالة المغولي في تأكده من أن "المسكين" فعلا سينتظره.

* * *

في لبنان يريدون محو أبهى صفحات تاريخه الحديث، وبشهادة الجميع؛ "المقاومة".. من اليوم الأول للغزو سنة 1982م وحتى إعلان الاحتلال الصهيوني عام 2000م خروجه أو فراره..

هذا غدر صريح..! وإذا كانت هناك أخطاء في مدارات السياسة والمواقف الحزبية والطائفية، فهذا ليس جديدا على لبنان، واعتاد الناس فيه على "العيش المشترك" في البيت الذي "نتخاصم فيه ونصطلح"، أما أن يأتي أسوأ الناس ليقفوا بكل هذه الغطرسة يهددون وينذرون بالخطط ألف وباء، فهذا ليس سلاما إقليميا للمنطقة، كما أنه ليس ترتيبا سياسيا للبلد الذي عانى من التمزق والاحتراب ما لا يُنسى.. هذا تهديد سافر بوقاحة سافرة.

* * *

ستزول الدهشة قليلا حين نعرف أن القصة كلها تبدأ بـ"أمن" الدولة الصهيونية وتنتهي بـ"سيطرة" الدولة الصهيونية.

هذا ما صرح به توم باراك (78 سنة) نصا، حيث قال: "بعد 7 أكتوبر، في نظر إسرائيل، هذه الخطوط والحدود التي رسمتها اتفاقية سايكس بيكو لا معنى لها، سيذهبون حيثما يشاؤون، وقتما يشاؤون، ويفعلون ما يشاؤون لحماية الإسرائيليين".

السيناتور ليندسي جراهام (70 سنة) جاء ليقول من قلب بيروت: حان الوقت لرحيل حزب الله! دون أي مواربة في القول!

وزير الدفاع الإسرائيلي قال صراحة إن دولته لن تنسحب من التلال الخمس في لبنان، وأنهم سيبقون فيما سماه المناطق الأمنية في غزة وسوريا ولبنان.

* * *

لم تخرج الدولة الصهيونية من لبنان (2000م) إلا بضغط المقاومة.. ولم تخرج الدولة الصهيونية من غزة (2005م) إلا بضغط المقاومة.. في الأولى مكثت 18 سنة، وفى الثانية مكثت 38 سنة (من 5 حزيران/ يونيو 1967).

ما جعل الأمر لديهم الآن بهذه الهسترة والشراسة الصريحة، حدثان بالغا الأهمية، وسيترتب على صمودهما ونجاحهما، مستقبل الشرق الأوسط بأكمله:

الحدث الأول: "طوفان الأقصى"، بكل ما مثله من قوة وصمود وصبر وقدرة.. ولا زال. والغرب الصهيوني ينظر لذاك الحدث نظرة تاريخية واسعة، تملؤه قلقا، فأنت أمام "متلازمة" لطالما عملوا على منع أي ظرف يسمح بتمكينها على الأرض: "الإيمان الإسلامي" و"الإعداد المتقن".

الفشل الغربي الصهيوني في تحقيق أي هدف يريدونه في غزة هو فشل استراتيجي بامتياز للمشروع الصهيوني/الغربي في الشرق بأكمله.. رغم كل الجراح والآلام من القتل بالتجويع والحصار، إلى القتل بالهدم والنار

هذا ما قاله نصا اللواء (احتياط) جيرشون هكوهين، الرجل العتيق في الحرب والسياسة والثقافة، والباحث في مركز بيجين/السادات للسلام.. قال في جريدة "إسرائيل اليوم" في 25 تموز/ يوليو الماضي: حماس بقوة مقاومتها تطرح على دولة إسرائيل تهديدا، لا ينبع من حسابات قوتها العسكرية أمام الجيش الإسرائيلي، بل من "الرمز" الذي تمثله للعالم الإسلامي، بإيمانها وقوة صمودها..

* * *

الحدث الثاني: "التحالف السوري التركي"، وهذا هو امتحان الغرب الصهيوني الأصعب على الإطلاق، لأن مجالات الحركة والمناورة حوله ومعه تضيق يوما بعد يوم.. والزمن ومنطق التاريخ فيه، يسير لصالح الدولة الجديدة في سوريا بلا أدنى شك، وهذه ما يعيه الطرفان، ويفسر لنا "الهدوء الاستراتيجي" الذي تتحرك به سوريا وتركيا من جانب، والهوس والعربدة من الجانب الآخر.

* * *

الفشل الغربي/ الصهيوني في تحقيق أي هدف يريدونه في غزة هو فشل استراتيجي بامتياز للمشروع الصهيوني/الغربي في الشرق بأكمله.. رغم كل الجراح والآلام من القتل بالتجويع والحصار، إلى القتل بالهدم والنار.

وعلينا أن نعلم جميعا، أن الصمود الأسطوري في غزة هو "الحصن الحصين" من العربدة الصهيونية في المنطقة كلها، وهو تمزيق علني وعملي لخريطة الأوهام التي خرج بها نتنياهو.

x.com/helhamamy
التعليقات (0)

خبر عاجل