الشعبوية وأزمة الديمقراطية.. كيف أعاد الشعب رسم حدود السلطة؟.. كتاب جديد

تنبع أهمية المشروع من اختياره الجمع بين التحليل النظري والتتبع التاريخي والقراءة التطبيقية.
عنوان الكتاب: كيف تمددت الشعبوية في العالم
الكاتب: بدر السلام الطرابلسي
الناشر: اي كتب ekutub
تاريخ النشر : 2025


ارتبطت التحولات الكبرى في الفكر السياسي الحديث بمحاولات متواصلة لفهم الظواهر التي تعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والتمثيل، وبين النخب والجماهير. وتندرج الشعبوية ضمن أكثر الظواهر التي استقطبت اهتمام الباحثين خلال العقود الأخيرة، بعدما تجاوز حضورها حدود التجارب المحلية لتغدو عنصرًا فاعلًا في رسم المشهد السياسي داخل الديمقراطيات الراسخة والأنظمة الانتقالية على السواء. وقد ترافق هذا الاتساع مع تنوع المقاربات النظرية التي سعت إلى تفسير طبيعتها، فتقاطعت فيها دراسات العلوم السياسية وعلم الاجتماع والتاريخ والفلسفة السياسية وتحليل الخطاب، وتولدت عن ذلك أدبيات واسعة تعكس اختلافًا في فهم مفهوم الشعبوية ووظائفها ومآلاتها.

وفي السياق العربي، اكتسب هذا الحقل المعرفي أهمية إضافية بفعل التحولات التي شهدتها المنطقة منذ مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، حيث أفرزت الأزمات الاقتصادية والسياسية وتراجع الثقة في المؤسسات التقليدية بيئة مواتية لظهور أنماط جديدة من الخطاب السياسي، اتخذت من فكرة "الشعب" مركزًا لإعادة بناء الشرعية، ومن نقد النخب مدخلًا لإعادة تعريف المجال العام. ومن هنا برزت الحاجة إلى دراسات تجمع بين التأصيل النظري والامتداد التاريخي والقراءة التطبيقية، بما يسمح بفهم الشعبوية بوصفها ظاهرة مركبة تتجاوز حدود التصنيفات المبسطة.

يأتي كتاب "كيف تمددت الشعبوية في العالم؟ التاريخ والتجارب والخصائص النظرية (مع تركيز خاص على الحالة التونسية)" لبدر السلام الطرابلسي ضمن هذا الأفق البحثي، حيث ينطلق من محاولة تفسير الامتداد العالمي للشعبوية عبر مسار يجمع بين استحضار جذورها التاريخية، وتتبع تجاربها في سياقات سياسية متعددة، واستقراء بنيتها النظرية، ثم إسقاط هذه العناصر على التجربة التونسية باعتبارها إحدى الحالات التي شهدت صعودًا ملحوظًا للخطاب الشعبوي في ظل التحولات السياسية التي أعقبت الثورة. ويمنح هذا البناء الكتاب طابعًا تركيبيًا يربط بين التاريخ السياسي والتحليل المفاهيمي والقراءة المقارنة.

وتسعى هذه المراجعة إلى مرافقة المشروع الفكري الذي يقترحه المؤلف من خلال إعادة بناء أطروحته المركزية، والكشف عن المنطق الذي تنتظم وفقه أفكاره، ثم مناقشة اختياراته المنهجية والمفاهيمية في ضوء الأدبيات المعاصرة حول الشعبوية. ويتصل بذلك تقييم القيمة المعرفية التي يضيفها الكتاب إلى المكتبة العربية، ورصد موقعه ضمن النقاشات الراهنة التي تتناول تحولات الديمقراطية وأزمات التمثيل وصعود الخطابات الاحتجاجية في المجالين العربي والعالمي. ومن هذا المنطلق، تنظر المراجعة إلى الكتاب باعتباره مساهمة في حقل معرفي متجدد، تتداخل فيه رهانات النظرية السياسية مع أسئلة الواقع، وتتشابك فيه القراءة التاريخية مع استشراف المسارات التي تعيد تشكيل السياسة في القرن الحادي والعشرين.

الأطروحة المركزية للكتاب

يتأسس المشروع الفكري الذي يقترحه بدر السلام الطرابلسي على قراءة الشعبوية باعتبارها إحدى الظواهر السياسية الأكثر تعبيرًا عن التحولات التي عرفها النظام السياسي المعاصر، حيث تتداخل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية مع اختلالات التمثيل السياسي، فتتكون بيئة تنتج أنماطًا جديدة من العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وتعيد تشكيل مفهوم الشرعية وموقع النخب ودور المؤسسات. ومن هذا المنطلق، تتخذ الشعبوية موقعًا يتجاوز حدود الظاهرة الانتخابية أو الخطاب التعبوي، لتصبح مدخلًا لفهم التحولات التي أصابت الديمقراطية الحديثة وموازين القوة داخلها.

ويتحرك الكتاب ضمن رؤية تاريخية تنظر إلى الشعبوية بوصفها مسارًا متجددًا أكثر من كونها حدثًا سياسيًا معزولًا، ولذلك تتوزع مادته بين تتبع التجارب المختلفة، واستحضار البيئات التي ساهمت في إنتاجها، ثم البحث عن القواسم المشتركة التي تمنحها قدرًا من الوحدة المفهومية. ويقود هذا المسار إلى تصور يجعل الامتداد العالمي للشعبوية نتيجة لتراكم أزمات بنيوية مست العلاقة بين المجتمع والدولة، وأعادت صياغة صورة المواطن تجاه النخب السياسية والمؤسسات الوسيطة، بما فتح المجال أمام خطابات تستند إلى تمثيل الإرادة الشعبية بصورة مباشرة، وتستثمر الشعور العام بالاغتراب السياسي وفقدان الثقة.

وتكتسب هذه الرؤية أهميتها من محاولة الجمع بين التأصيل النظري والامتداد التاريخي والقراءة التطبيقية، وهو اختيار يمنح الكتاب طابعًا تركيبيًا، ويحرره من الاقتصار على دراسة حالة بعينها أو الوقوف عند تجربة وطنية محددة. فالحالة التونسية تندرج ضمن حركة أوسع تشمل تجارب متعددة، ويغدو فهمها مرتبطًا بإدراك السياقات الدولية التي رافقت صعود الشعبوية في أوروبا وأمريكا اللاتينية والولايات المتحدة وغيرها من البيئات السياسية، الأمر الذي يوسع أفق التحليل ويجعل الظاهرة جزءًا من تحولات النظام السياسي العالمي.

وتكشف القراءة المتأنية عن حضور سؤال محوري ينتظم مختلف أجزاء الكتاب، ويتمثل في الكيفية التي تحولت بها الشعبوية من تجارب متفرقة إلى ظاهرة عالمية ذات حضور متزايد. ويقود هذا السؤال إلى شبكة واسعة من الأسئلة الفرعية المتعلقة بطبيعة الأزمات الاقتصادية، وأدوار وسائل الإعلام، وتأثير العولمة، وتراجع الأحزاب التقليدية، وتحول المجال العمومي، وصعود الشخصيات الكاريزمية، وهي عناصر تتفاعل فيما بينها لتكوين الإطار التفسيري الذي يعتمده المؤلف في بناء أطروحته.

وتظهر أهمية هذا البناء في سعيه إلى تجاوز القراءة الأحادية التي تربط الشعبوية بعامل منفرد، إذ تتوزع أسبابها بين مستويات اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية، وتتفاعل هذه المستويات ضمن سياقات تاريخية مختلفة، فتمنح كل تجربة خصوصيتها مع احتفاظها بمجموعة من السمات المشتركة. وبهذا المعنى، يقترب الكتاب من المقاربات التي تتعامل مع الشعبوية بوصفها ظاهرة متعددة الأبعاد، تتطلب تفسيرًا مركبًا يراعي اختلاف البيئات السياسية وتنوع مسارات تطورها.

وتبرز في هذا السياق إحدى السمات اللافتة في الكتاب، والمتمثلة في الحرص على إقامة صلة متواصلة بين التجريد النظري والواقع السياسي، حيث تتحول المفاهيم إلى أدوات لتفسير الأحداث، وتغدو التجارب التاريخية مختبرًا لاختبار الفرضيات. ويمنح هذا التوجه للنص قدرًا من الحيوية الفكرية، ويقربه من الدراسات التي تتعامل مع النظرية السياسية باعتبارها وسيلة لفهم الواقع وتحليل دينامياته، أكثر من كونها بناءً تجريديًا منفصلًا عن الوقائع.

وتقود هذه الأطروحة إلى اعتبار الشعبوية تعبيرًا عن مرحلة تاريخية تشهد إعادة توزيع مصادر الشرعية السياسية، وتبدل العلاقة بين المواطن والمؤسسات، وتحول وسائل الاتصال إلى فضاء جديد لتشكيل الرأي العام، وهي عناصر تجعل من دراسة الشعبوية مدخلًا لدراسة التحولات العميقة التي مست الديمقراطية المعاصرة. ومن هذه الزاوية، ينجح المؤلف في رسم الإطار العام للمشكلة التي يعالجها، ويهيئ القارئ للانتقال إلى مناقشة تفاصيلها النظرية والتاريخية، بما يجعل الكتاب مشروعًا يسعى إلى تفسير ظاهرة عالمية عبر الجمع بين التاريخ والمفهوم والتطبيق.

البناء المنهجي والمفاهيمي للكتاب

يقوم البناء المنهجي للكتاب على مزاوجة ثلاثة مستويات من التحليل؛ مستوى تاريخي يتتبع تشكل الظاهرة في سياقات مختلفة، ومستوى نظري ينشغل بصياغة إطار مفاهيمي قادر على استيعاب تعدد تجليات الشعبوية، ومستوى تطبيقي يجعل من الحالة التونسية مجالًا لاختبار الفرضيات التي ينتهي إليها التحليل. ويمنح هذا التداخل النص حيوية فكرية، حيث تتحرك الفكرة بين التاريخ والمفهوم والواقع السياسي في مسار متصل، فتغدو كل دائرة مفسرة للأخرى، ويصبح الانتقال بينها جزءًا من منطق الكتاب ذاته.

وتكشف هذه البنية عن إدراك لطبيعة الشعبوية بوصفها ظاهرة يصعب احتواؤها داخل تعريف واحد أو تفسير أحادي، وهو ما يفسر انفتاح المؤلف على مدارس متعددة في العلوم السياسية، واستحضاره جملة من التجارب الدولية من أجل بناء صورة أقرب إلى الشمول. ويقود هذا الاختيار إلى التعامل مع الشعبوية باعتبارها ظاهرة تاريخية متحركة، تتبدل صورها بتبدل البيئات الاجتماعية والسياسية، مع احتفاظها بخيط ناظم يتمثل في إعادة رسم العلاقة بين الشعب والسلطة، وبين الإرادة الشعبية والمؤسسات الوسيطة.

ويبدو واضحًا أن المؤلف يفضل المنهج التركيبي، حيث تتقاطع القراءة التاريخية مع التحليل المفاهيمي، ويستعين بالوقائع السياسية لتفسير المفاهيم، ثم يعيد توظيف هذه المفاهيم في قراءة الوقائع اللاحقة. ويمنح هذا الأسلوب الكتاب قدرة على تجاوز الفصل التقليدي بين الجانب النظري والدراسة التطبيقية، ويجعل الحركة بينهما أكثر سلاسة، الأمر الذي يضفي على العمل طابعًا تراكميًا تتكامل فيه عناصر التحليل.

وتبرز في هذا السياق أهمية الاشتغال على المفاهيم، لأن مصطلح الشعبوية ظل من أكثر المفاهيم إثارة للجدل داخل الفكر السياسي المعاصر. وقد انعكس هذا الجدل على الأدبيات الغربية نفسها، حيث تعددت زوايا النظر إلى الظاهرة بين من يركز على الخطاب، ومن يمنح الأولوية للتنظيم السياسي، ومن يربطها بطبيعة القيادة، ومن يفسرها في إطار التحولات البنيوية التي أصابت الديمقراطية الليبرالية. ويحاول الكتاب أن يستوعب هذا التنوع ضمن تصور جامع، يوازن بين اختلاف المقاربات ويبحث عن العناصر المشتركة التي تمنح المفهوم درجة من الاتساق.

ويفتح هذا التوجه بابًا للتأمل في طبيعة المرجعية النظرية التي تحكم العمل. فالتعدد في المداخل يثري عملية التحليل، ويمنح الباحث مساحة أوسع لفهم الظاهرة، كما يطرح في الوقت نفسه سؤالًا يتعلق بمدى الانسجام الداخلي بين المرجعيات المختلفة، إذ تمتلك كل مدرسة علمية خلفيتها الفلسفية وافتراضاتها المنهجية، وينعكس ذلك على تعريف الشعبوية وتفسير أسباب صعودها وتحديد آثارها السياسية. وتغدو هذه المسألة ذات أهمية خاصة عند الانتقال من عرض الأدبيات إلى بناء تفسير متكامل، حيث تتحدد قوة المشروع الفكري بقدرته على تحقيق الانسجام بين أدواته التحليلية.

ويستند الكتاب كذلك إلى المقارنة بوصفها أداة لفهم التشابه والاختلاف بين التجارب، وهي مقاربة تمنح التحليل بعدًا يتجاوز الخصوصيات الوطنية، وتتيح إدراك العوامل التي تتكرر في سياقات متباعدة جغرافيًا وثقافيًا. وتظهر قيمة هذا الاختيار في ربط التجربة التونسية بمسارات عرفتها دول أخرى، الأمر الذي يحررها من القراءة المحلية الضيقة، ويضعها داخل إطار عالمي يتسم بتشابه الأزمات واختلاف المخرجات السياسية.

يحتل مفهوم الشعب مكانة محورية في البناء النظري الذي يناقشه الكتاب، إذ يشكل الشعب في الخطاب الشعبوي كيانًا سياسيًا يحمل دلالة أخلاقية قبل أن يكون توصيفًا اجتماعيًا. إنه يمثل الجماعة التي تُقدم باعتبارها صاحبة الإرادة الأصيلة، والقوة التي تستحق استعادة موقعها داخل النظام السياسي.
ومن زاوية منهجية، يحافظ الكتاب على خيط ناظم يتمثل في البحث عن العلاقات بين الظواهر أكثر من الاكتفاء بوصفها، فتغدو الأزمة الاقتصادية متصلة بأزمة التمثيل، وترتبط أزمة الأحزاب بتحولات المجال الإعلامي، وتتفاعل التحولات الثقافية مع أنماط القيادة السياسية، لتنتج في مجموعها بيئة تسمح بصعود الشعبوية. ويمنح هذا الترابط الكتاب قدرًا من التماسك، ويجعل تفسير الظاهرة قائمًا على شبكة من الأسباب المتفاعلة، وهو ما ينسجم مع طبيعة الظواهر السياسية المعقدة.

ويفضي هذا البناء المنهجي إلى تقديم الشعبوية باعتبارها مفتاحًا لقراءة مرحلة تاريخية كاملة، تتشابك فيها التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية مع إعادة تشكيل المجال السياسي. ومن هنا تتجاوز قيمة الكتاب حدود دراسة مفهوم بعينه، لتلامس سؤالًا أوسع يتعلق بمستقبل الديمقراطية، وبالكيفية التي تعيد بها المجتمعات إنتاج شرعيتها السياسية في ظل التحولات العالمية المتسارعة، وهو سؤال يمنح العمل بعدًا فكريًا يتجاوز الإطار الوصفي إلى أفق التأمل في مسارات السياسة المعاصرة.

الشعبوية.. مفهوم وبناء سياسي

يقترب كتاب بدر السلام الطرابلسي من مفهوم الشعبوية باعتباره بناءً سياسيًا مركبًا يتشكل عند نقطة التقاء مجموعة من التحولات التي تصيب المجتمع والدولة معًا. فالشعبوية في هذا التصور تظهر داخل لحظات تاريخية تتعرض فيها العلاقة بين المواطنين والمؤسسات إلى إعادة تشكيل، فتبرز الحاجة إلى خطاب جديد يعيد تعريف الفاعلين السياسيين، ويمنح مفهوم الشعب موقعًا مركزيًا في إنتاج الشرعية. ومن هنا تتخذ الشعبوية مكانة تتجاوز كونها مجرد أسلوب انتخابي أو تقنية تواصل سياسي، لتصبح طريقة في فهم المجال العام وإعادة تنظيم العلاقة بين المجتمع والسلطة.

ويحتل مفهوم الشعب مكانة محورية في البناء النظري الذي يناقشه الكتاب، إذ يشكل الشعب في الخطاب الشعبوي كيانًا سياسيًا يحمل دلالة أخلاقية قبل أن يكون توصيفًا اجتماعيًا. إنه يمثل الجماعة التي تُقدم باعتبارها صاحبة الإرادة الأصيلة، والقوة التي تستحق استعادة موقعها داخل النظام السياسي. وتنبني هذه الصورة على إحساس بوجود مسافة بين المجتمع ومراكز القرار، وهي مسافة تمنح الخطاب الشعبوي القدرة على تقديم نفسه بوصفه مشروعًا لإعادة الاعتبار لصوت الأغلبية.

وفي مقابل هذا التصور للشعب، يبرز مفهوم النخبة باعتباره عنصرًا أساسيًا في المعادلة الشعبوية. فالنخبة تظهر في الخطاب الشعبوي باعتبارها الطرف الذي فقد الصلة بالمجتمع، وتحولت من قوة تمثيلية إلى فئة منفصلة عن القاعدة الاجتماعية. ويكشف هذا التقابل بين الشعب والنخبة عن البنية الثنائية التي يقوم عليها الخطاب الشعبوي، حيث يعاد ترتيب المجال السياسي وفق ثنائية أخلاقية تمنح الشرعية لطرف وتسحبها من طرف آخر.

غير أن أهمية معالجة الكتاب تكمن في محاولة تجاوز اختزال الشعبوية في هذا التقابل الثنائي، عبر ربطه بشروط تاريخية واجتماعية أوسع. فصعود الشعبوية يرتبط بتحولات عميقة مست بنية الأحزاب السياسية، وتراجع أدوار الوسائط التقليدية، وتغير طبيعة التواصل السياسي بفعل الثورة الرقمية، إضافة إلى الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي أنتجت شعورًا متزايدًا بالمسافة بين المواطن والمؤسسات. وفي هذا السياق، تصبح الشعبوية تعبيرًا عن أزمة في أنماط التمثيل أكثر من كونها مجرد ظاهرة مرتبطة بشخصية زعيم أو خطاب انتخابي.

ويمنح الكتاب أهمية خاصة لمسألة القيادة السياسية، باعتبارها أحد العناصر التي تفسر قدرة الخطاب الشعبوي على الانتشار. فالزعيم الشعبوي يقدم نفسه باعتباره حاملًا مباشرًا لإرادة الشعب، ويتجاوز في خطابه البنى الوسيطة التي حكمت العمل السياسي التقليدي. وتمنح هذه العلاقة المباشرة بين القائد والجمهور الخطاب الشعبوي قوة تعبوية   كبيرة، لكنها تطرح في الوقت ذاته أسئلة عميقة حول مستقبل المؤسسات وحدود العلاقة بين الإرادة الشعبية والقواعد الديمقراطية.

وفي قراءته للانتشار العالمي للشعبوية، يعامل الكتاب الظاهرة باعتبارها قابلة للتكيف مع بيئات سياسية مختلفة. فالشعبوية الأوروبية تتشكل داخل سياقات تختلف عن الشعبوية في أمريكا اللاتينية، كما أن التجربة العربية تمتلك شروطها الخاصة المرتبطة بتاريخ الدولة والمجتمع وطبيعة الانتقال السياسي. ومع ذلك، تجمع هذه التجارب عناصر مشتركة تتمثل في أزمة الثقة، والبحث عن بدائل للتمثيل التقليدي، وصعود خطابات تقدم نفسها بوصفها صوتًا مباشرًا للمجتمع.

وتأتي الحالة التونسية داخل هذا الإطار باعتبارها تجربة تحمل خصوصية تاريخية وسياسية، إذ ارتبط صعود الخطاب الشعبوي فيها بسياق انتقالي اتسم بتراجع الثقة في المؤسسات المنتخبة، وتصاعد الانتظارات الاجتماعية، وتزايد الإحساس بأن المسار السياسي لم يحقق التحولات التي انتظرها جزء واسع من المجتمع. ويجعل هذا السياق من تونس مجالًا خصبًا لدراسة العلاقة بين الشعبوية وأزمات الديمقراطية الناشئة، وبين الخطاب الذي يعد بإعادة السلطة إلى الشعب والواقع المؤسسي الذي يحتضن هذا الخطاب.

ومن خلال هذا البناء، يقدم الكتاب الشعبوية باعتبارها ظاهرة تتغذى من التوتر القائم بين الوعد الديمقراطي وتجربة المواطنين اليومية. فهي تتحرك داخل المسافة بين المثال السياسي والممارسة الواقعية، وبين الحاجة إلى المشاركة والرغبة في تجاوز النخب والمؤسسات. وتكمن أهمية هذا الطرح في أنه يضع الشعبوية ضمن سياق التحولات الكبرى التي تعيشها المجتمعات المعاصرة، حيث يعاد تعريف معنى التمثيل السياسي وحدود العلاقة بين الحاكم والمحكوم.

الشعبوية بين قوة التفسير وحدود المقاربة

تكمن إحدى نقاط القوة الأساسية في كتاب بدر السلام الطرابلسي في اختياره التعامل مع الشعبوية باعتبارها ظاهرة متعددة المستويات، تتقاطع فيها التحولات السياسية مع البنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. فهذا الاختيار يفتح المجال أمام قراءة أكثر اتساعًا من المقاربات التي تحصر الشعبوية في بعدها الخطابي أو في حضور الزعيم الكاريزمي، ويمنح الظاهرة عمقًا تاريخيًا يجعلها مرتبطة بتحولات طويلة المدى أصابت أنماط التمثيل السياسي وعلاقة المواطن بالمؤسسات.

ويبرز في هذا السياق الجهد الذي بذله المؤلف في تتبع الامتداد العالمي للشعبوية، إذ يمنح القارئ صورة عن تنوع البيئات التي احتضنت هذه الظاهرة، ويكشف عن قدرتها على التكيف مع سياقات مختلفة. فالشعبوية تتخذ أشكالًا متعددة بحسب طبيعة المجتمع والدولة والمرحلة التاريخية، الأمر الذي يجعل البحث عنها داخل نموذج واحد مغلق مسارًا محدود القدرة على تفسير ثرائها وتعقيدها. ومن هنا تأتي قيمة المقاربة المقارنة التي اعتمدها الكتاب، لأنها تربط بين التجارب المختلفة وتبحث عن العناصر المشتركة التي تفسر حضور الظاهرة وانتشارها.

تكمن إحدى نقاط القوة الأساسية في كتاب بدر السلام الطرابلسي في اختياره التعامل مع الشعبوية باعتبارها ظاهرة متعددة المستويات، تتقاطع فيها التحولات السياسية مع البنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
غير أن اتساع المجال الذي يتحرك فيه الكتاب يفتح في الوقت نفسه مجموعة من الأسئلة المنهجية المتعلقة بحدود المفهوم. فالشعبوية من أكثر المفاهيم التي عرفت تعددًا في الاستخدامات، حتى أصبحت أحيانًا مظلة تجمع تجارب سياسية متباينة. ولذلك تبرز الحاجة المستمرة إلى ضبط الحدود الفاصلة بين الشعبوية وبين ظواهر أخرى مثل الزعامة الشخصية، والقومية السياسية، والاحتجاج الاجتماعي، والنزعات السلطوية. وتزداد أهمية هذا الضبط كلما اتسعت دائرة الأمثلة التاريخية والجغرافية، لأن المقارنة بين حالات مختلفة تحتاج إلى معيار مفاهيمي واضح يسمح بتمييز المشترك عن الخاص.

وتتصل هذه المسألة بطبيعة العلاقة بين الشعبوية والديمقراطية، وهي من أكثر القضايا حضورًا في النقاش النظري المعاصر. فالخطاب الشعبوي يستمد جزءًا من قوته من مفردات الديمقراطية نفسها؛ فهو يستند إلى فكرة السيادة الشعبية ويجعل من إرادة المواطنين مصدرًا للشرعية. وفي الوقت ذاته، تكشف التجارب التاريخية عن توترات تنشأ عندما تتحول فكرة الإرادة الشعبية إلى تصور أحادي يحتكر الحديث باسم المجتمع. ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين الشعبوية بوصفها تعبيرًا عن أزمة في التمثيل السياسي، وبين آثارها المحتملة على المؤسسات والقواعد التي تنظم الحياة الديمقراطية.

ويثير التركيز على الأزمات التي تنتج الشعبوية سؤالًا آخر يتعلق بمدى كفاية تفسير الظاهرة من خلال شروطها الاجتماعية والسياسية. فالأزمات الاقتصادية وتراجع الثقة في الأحزاب والمؤسسات تمثل عوامل مهمة في فهم صعود الشعبوية، لكنها تتفاعل مع عناصر رمزية وثقافية تتصل بالهوية والذاكرة الجماعية وصورة الدولة والمجتمع. وتحتاج هذه الأبعاد إلى حضور أكبر كلما تعلق الأمر بمجتمعات تختلف في تاريخها السياسي والثقافي، لأن الأسباب التي تمنح الخطاب الشعبوي قدرة على الانتشار في سياق معين قد تأخذ دلالات مختلفة في سياق آخر.

وفي معالجة الحالة التونسية، يكتسب الكتاب أهمية خاصة باعتباره يضع التجربة المحلية ضمن إطار عالمي، فيحررها من القراءة المنعزلة ويجعلها جزءًا من موجة أوسع. غير أن خصوصية الحالة التونسية تطرح بدورها الحاجة إلى تعميق البحث في تاريخ الدولة والمجتمع، وفي طبيعة العلاقة بين الدولة الحديثة والمواطن، وفي التحولات التي عرفها المجال السياسي بعد الثورة. فالشعبوية التونسية تحمل عناصر مشتركة مع تجارب أخرى، كما تحمل في الوقت نفسه آثار مسار تاريخي خاص، وهو ما يجعل فهمها مرتبطًا بقراءة دقيقة للتفاعل بين العام والخاص.

ومن الجوانب المهمة في الكتاب أيضًا أنه يثير سؤال العلاقة بين الخطاب الشعبوي والواقع الاجتماعي الذي ينتجه. فالخطاب لا يعمل داخل فراغ، وإنما يستمد قوته من قدرته على ترجمة مشاعر جماعية مرتبطة بالتهميش أو فقدان الثقة أو البحث عن بدائل سياسية. ولذلك فإن دراسة الشعبوية تحتاج إلى الجمع بين تحليل اللغة السياسية وتحليل الشروط التي تجعل هذه اللغة مؤثرة وقابلة للانتشار.

وعلى هذا الأساس، يمكن النظر إلى كتاب بدر السلام الطرابلسي باعتباره مساهمة تسعى إلى بناء جسر بين النقاش النظري العالمي والواقع العربي، مع تركيز خاص على التجربة التونسية. وتظهر قيمة هذا المشروع في اختياره مقاربة ظاهرة معقدة من خلال مستويات متعددة، بينما تتمثل رهاناته النقدية في الحاجة الدائمة إلى مزيد من التدقيق المفاهيمي والتعمق في الخصوصيات التاريخية لكل تجربة. فالشعبوية، بحكم طبيعتها المتحركة، تحتاج إلى قراءات تواكب تحولاتها المستمرة، وتوازن بين البحث عن العناصر المشتركة واحترام اختلاف السياقات.

الحالة التونسية.. من أزمة التمثيل إلى صعود الخطاب الشعبوي

تحتل التجربة التونسية موقعًا خاصًا داخل كتاب بدر السلام الطرابلسي، لأنها تمثل المجال الذي تنتقل فيه الأسئلة النظرية حول الشعبوية إلى مستوى الممارسة السياسية المباشرة. فبعد التحولات التي عرفتها البلاد منذ سنة 2011، أصبحت تونس فضاءً تتقاطع فيه رهانات الانتقال الديمقراطي مع صعوبات الواقع الاجتماعي والاقتصادي، وهو ما أنتج حالة من التوتر بين الطموحات التي حملتها المرحلة الانتقالية وبين التجربة اليومية للمواطنين. وفي هذه المسافة بين الوعد السياسي والواقع المعيش، تشكلت الظروف التي سمحت بصعود خطاب يرفع شعار إعادة الاعتبار للإرادة الشعبية ويقدم نفسه باعتباره استجابة لأزمة التمثيل.

ينطلق تحليل الحالة التونسية من فكرة مركزية مفادها أن الشعبوية تجد فرصتها الكبرى داخل لحظات التحول، حين تفقد المؤسسات التقليدية قدرتها على إنتاج الثقة السياسية. فقد شهدت تونس خلال السنوات التي أعقبت الثورة توسعًا في المجال السياسي، وتعددًا في الفاعلين والأحزاب، وانفتاحًا غير مسبوق في التعبير العمومي، غير أن هذا المسار رافقته صعوبات متعلقة بالأداء الاقتصادي، وبطء الإصلاحات، وتصاعد الإحساس لدى قطاعات واسعة بأن التحول السياسي لم ينعكس بصورة مباشرة على حياتها اليومية. ومن هنا برز خطاب سياسي جديد يعيد تفسير الأزمة باعتبارها أزمة نخبة ونظام تمثيل قبل أن تكون أزمة سياسات عامة فقط.

وتكمن أهمية قراءة المؤلف للتجربة التونسية في وضعها ضمن الإطار الأوسع الذي حكم صعود الشعبوية عالميًا. فالأزمة التونسية تتقاطع مع أزمات عرفتها مجتمعات أخرى، مثل تراجع الثقة في الأحزاب التقليدية، والشعور بالمسافة بين المواطن ومراكز القرار، والبحث عن أشكال أكثر مباشرة للتعبير عن الإرادة الشعبية. وفي هذا السياق، يصبح الخطاب الشعبوي قادرًا على جذب قطاعات اجتماعية مختلفة لأنه يقدم تفسيرًا بسيطًا لمشكلات معقدة، ويمنح الجمهور إحساسًا بوجود طرف سياسي قادر على استعادة التوازن بين المجتمع والسلطة.

غير أن خصوصية التجربة التونسية تكمن في الخلفية التاريخية التي تحكم علاقة المجتمع بالدولة. فالدولة التونسية الحديثة نشأت ضمن مسار طويل من بناء المؤسسات المركزية، كما أن المجتمع عرف تجربة سياسية مختلفة عن عدد من السياقات العربية الأخرى. ولذلك فإن الشعبوية التونسية لا تُقرأ فقط من خلال لحظة الصعود السياسي، وإنما من خلال تاريخ طويل من العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين المركز والأطراف، وبين النخب السياسية والانتظارات الاجتماعية المتراكمة.

ويفتح هذا الجانب المجال أمام مناقشة مفهوم "الشعب" داخل الخطاب الشعبوي التونسي. فالشعب هنا لا يظهر باعتباره مجرد مجموع المواطنين، وإنما يتحول إلى رمز سياسي يحمل دلالات مرتبطة بالعدالة والكرامة واستعادة الصوت المغيب. وهذه الرمزية تمنح الخطاب الشعبوي قوة وجدانية كبيرة، لأنها ترتبط بتجارب اجتماعية حقيقية وبمشاعر متراكمة حول التفاوت والتهميش. وفي الوقت ذاته، تثير هذه الصياغة أسئلة حول كيفية تحويل الإرادة الشعبية من مفهوم رمزي إلى ممارسة مؤسساتية قادرة على إنتاج سياسات عمومية مستدامة.

الدولة التونسية الحديثة نشأت ضمن مسار طويل من بناء المؤسسات المركزية، كما أن المجتمع عرف تجربة سياسية مختلفة عن عدد من السياقات العربية الأخرى. ولذلك فإن الشعبوية التونسية لا تُقرأ فقط من خلال لحظة الصعود السياسي، وإنما من خلال تاريخ طويل من العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين المركز والأطراف، وبين النخب السياسية والانتظارات الاجتماعية المتراكمة.
ويشير تحليل الحالة التونسية إلى أن صعود الشعبوية لم يكن مرتبطًا بعامل واحد، وإنما جاء نتيجة تفاعل مجموعة من العناصر: أزمة الثقة السياسية، التحولات الاجتماعية، ضعف الوسائط الحزبية، تغير أنماط التواصل السياسي، وتراجع قدرة الخطابات التقليدية على تقديم إجابات مقنعة عن الأسئلة المطروحة. ويمنح هذا التفسير المركب للتجربة بعدها الحقيقي، لأنه يربط الظاهرة بسياق إنتاجها بدل الاكتفاء بدراسة نتائجها السياسية.

ومع ذلك، فإن خصوصية الحالة التونسية تفرض قدرًا من الحذر عند مقارنتها بالنماذج العالمية الأخرى. فكل تجربة شعبوية تحمل في داخلها أثر البيئة التي نشأت فيها، وتتشكل وفق تاريخ الدولة وطبيعة المجتمع وبنية النظام السياسي. ولذلك فإن القيمة التحليلية للمقارنة تكمن في الكشف عن العناصر المشتركة، مع الحفاظ على خصوصية كل مسار تاريخي.

ومن هذه الزاوية، تمثل معالجة بدر السلام الطرابلسي للحالة التونسية محاولة لقراءة ظاهرة سياسية ما زالت في طور التشكل، وربطها بسياق عالمي أوسع. وتبرز أهمية هذا الاختيار في أنه يضع التجربة التونسية داخل خريطة التحولات السياسية المعاصرة، ويجعل من الشعبوية مدخلًا لفهم أزمة التمثيل والبحث عن أشكال جديدة للشرعية. كما يفتح الباب أمام أسئلة أعمق حول مستقبل الديمقراطية، وحدود العلاقة بين الإرادة الشعبية والمؤسسات، وقدرة الأنظمة السياسية على استعادة الثقة داخل المجتمعات المتحولة.

موقع الكتاب في الأدبيات العربية حول الشعبوية

دخل مفهوم الشعبوية إلى المجال البحثي العربي ضمن موجة أوسع من الاهتمام العالمي بالتحولات التي أصابت النظم السياسية المعاصرة، غير أن حضوره في الكتابات العربية ارتبط في البداية بقراءة ظواهر سياسية محددة أكثر من ارتباطه بمحاولة بناء نظرية عربية متكاملة حول الشعبوية. فقد انشغلت دراسات عديدة بتحليل الخطابات السياسية والحركات الاحتجاجية وصعود الزعامات الجديدة، بينما ظل السؤال المفاهيمي حول طبيعة الشعبوية وحدودها النظرية ومسارات تطورها مجالًا مفتوحًا للنقاش.

ضمن هذا السياق، يأتي كتاب بدر السلام الطرابلسي ليشارك في نقل النقاش من مستوى متابعة الظواهر الجزئية إلى مستوى محاولة بناء إطار تفسيري أكثر شمولًا. فهو يتعامل مع الشعبوية باعتبارها ظاهرة لها تاريخ ومسارات متعددة، ويربط بين التجارب العالمية والسياقات العربية، الأمر الذي يمنحه موقعًا يتجاوز الدراسة المحلية نحو محاولة فهم موقع المنطقة العربية داخل التحولات السياسية الكبرى التي يشهدها العالم.

وتتمثل إحدى الإضافات المهمة في الكتاب في الجمع بين المستويين النظري والتطبيقي. فكثير من الكتابات العربية حول الشعبوية انطلقت من حالات سياسية بعينها، سواء في المشرق العربي أو المغرب العربي، وركزت على تحليل خطاب سياسي أو تجربة حكم محددة. أما المقاربة التي يقدمها الكتاب فتسعى إلى وضع هذه الحالات داخل إطار مقارن، بحيث تصبح التجربة العربية جزءًا من نقاش عالمي حول أزمة الديمقراطية، وتحولات التمثيل، وتغير علاقة المواطن بالمؤسسات.

ويكشف هذا التوجه عن وعي بالإشكاليات التي تحيط بالمفهوم نفسه داخل الحقل العربي. فالشعبوية كثيرًا ما استُخدمت في الخطاب السياسي العربي كمصطلح وصفي يحمل دلالات مختلفة، فتارة ترتبط بالخطاب الجماهيري، وتارة بالحكم القائم على استثمار المشاعر العامة، وتارة بالنزعات الاحتجاجية ضد النخب. ومن هنا تأتي أهمية العودة إلى البناء النظري للمفهوم، لأن الاستخدام السياسي الواسع للمصطلح يحتاج إلى ضبط علمي يميز بين الظاهرة كما تظهر في الخطاب العام وبين الظاهرة كما تُدرس داخل العلوم الاجتماعية.

ويتحرك الكتاب في مساحة تتقاطع فيها أعمال الباحثين العرب مع الأدبيات العالمية، وهو تقاطع يطرح سؤالًا جوهريًا حول إمكانية إنتاج قراءة عربية للشعبوية تنطلق من خصوصيات المنطقة دون أن تنغلق داخلها. فالتجارب العربية تحمل عناصر تاريخية وسياسية خاصة، مثل طبيعة الدولة الوطنية، وضعف المؤسسات الوسيطة في بعض السياقات، وإشكالية العلاقة بين الدولة والمجتمع، وهي عناصر تمنح الظاهرة أبعادًا تختلف عن تجارب أخرى في العالم.

ومن هذه الزاوية، يساهم الكتاب في توسيع النقاش العربي حول الشعبوية عبر ربطها بأسئلة أعمق تتعلق بأزمة الشرعية السياسية، وتحول أنماط القيادة، وتراجع الأطر التقليدية للوساطة. فالشعبوية تظهر هنا باعتبارها مؤشرًا على تحولات بنيوية داخل المجال السياسي، وليست مجرد حالة عابرة مرتبطة بصعود فاعل سياسي معين أو بمرحلة انتخابية محددة.

ومع ذلك، فإن انخراط الكتاب في نقاش واسع يمتد بين التجارب العالمية والعربية يجعل مهمته النظرية أكثر تعقيدًا، إذ يحتاج الباحث في هذا المجال إلى تحقيق توازن دائم بين الاستفادة من المفاهيم التي طورتها الأدبيات الدولية وبين إعادة صياغتها بما يتلاءم مع خصوصيات المجتمعات العربية. وهذه المسألة تمثل أحد أهم الرهانات التي تواجه الدراسات العربية المعاصرة في العلوم السياسية، حيث تتطلب بناء مفاهيم قادرة على الحوار مع المعرفة العالمية مع الاحتفاظ بقدرتها على تفسير الواقع المحلي.

وبذلك يحتل كتاب بدر السلام الطرابلسي موقعًا مهمًا ضمن المحاولات العربية الرامية إلى دراسة الشعبوية بوصفها ظاهرة سياسية مركبة. وتأتي أهميته من جمعه بين الرغبة في التأصيل النظري والاهتمام بالتجارب الواقعية، ومن محاولته فتح نقاش يتجاوز حدود الوصف نحو فهم الشروط التي تجعل الشعبوية ممكنة، والوظائف التي تؤديها داخل المجتمعات التي تعرف أزمات في التمثيل والثقة والشرعية.

القيمة العلمية للكتاب وحدود المشروع

تتحدد القيمة العلمية لكتاب بدر السلام الطرابلسي في قدرته على معالجة الشعبوية ضمن أفق يتجاوز اللحظة السياسية العابرة، ووضعها داخل سياق تاريخي وفكري أوسع. فالكتاب ينظر إلى الشعبوية باعتبارها إحدى العلامات الدالة على التحولات التي أصابت المجال السياسي المعاصر، حيث أعادت الأزمات المتراكمة تشكيل العلاقة بين المجتمع والدولة، وأثرت في طبيعة التمثيل السياسي، ودفعت نحو ظهور أنماط جديدة من الخطاب والممارسة.

وتنبع أهمية المشروع من اختياره الجمع بين التحليل النظري والتتبع التاريخي والقراءة التطبيقية. فهذا الجمع يمنح الكتاب قدرة على الانتقال بين مستويات مختلفة من البحث، فيستحضر النقاشات الكبرى حول مفهوم الشعبوية، ثم يربطها بالتجارب السياسية التي جسدت هذا المفهوم في الواقع. ومن خلال هذا المسار، يقدم المؤلف محاولة لإقامة حوار بين الفكر السياسي العالمي والأسئلة التي يطرحها الواقع العربي، خاصة في ظل التحولات التي عرفتها المنطقة خلال العقد الأخير.

ومن الجوانب التي تمنح الكتاب قيمة إضافية اهتمامه بالحالة التونسية، إذ يمثل هذا الاختيار إضافة مهمة إلى الأدبيات العربية التي تناولت الشعبوية. فالتجربة التونسية تقدم مادة غنية لدراسة العلاقة بين التحول الديمقراطي وأزمات الثقة وصعود الخطابات التي تعيد تعريف معنى الشعب والسلطة والشرعية. ويكمن الإسهام هنا في إدراج الحالة التونسية ضمن مسار مقارن، يسمح بفهم خصوصيتها ضمن ظاهرة عالمية، بدل قراءتها باعتبارها حالة منفصلة عن التحولات الدولية.

كما يساهم الكتاب في إعادة الاعتبار إلى السؤال المفاهيمي داخل الدراسات العربية، حيث ما زال مفهوم الشعبوية يحتاج إلى مزيد من التدقيق والتأصيل. فانتشار استخدام المصطلح في الخطاب السياسي والإعلامي يجعل العودة إلى أسسه النظرية ضرورة معرفية، حتى يصبح أداة للتحليل والفهم بدل أن يتحول إلى مجرد وصف يحمل دلالات متباينة. ومن هذه الزاوية، يمثل الكتاب محاولة لترسيخ التعامل مع الشعبوية باعتبارها مفهومًا يحتاج إلى دراسة تاريخية ومنهجية.

ومع هذه القيمة العلمية، يظل مشروع دراسة الشعبوية مفتوحًا على عدد من الرهانات البحثية التي تتطلب مزيدًا من التعمق. فطبيعة الظاهرة المتحولة تجعل كل مقاربة بحاجة إلى مواصلة اختبار أدواتها أمام تجارب جديدة ومسارات سياسية متغيرة. كما أن تعدد السياقات التي تظهر فيها الشعبوية يفرض استمرار البحث في العلاقة بين العناصر المشتركة والخصوصيات المحلية، وبين البنية العامة للظاهرة والتجليات التي تأخذها داخل كل مجتمع.

وتظهر إحدى القضايا التي تستحق مزيدًا من التطوير في الحاجة إلى تعميق الجانب المتعلق بالبنية الاجتماعية والثقافية التي تمنح الخطاب الشعبوي قدرته على الانتشار. فالأزمات الاقتصادية والسياسية تمثل جزءًا أساسيًا من تفسير الظاهرة، غير أن تأثيرها يرتبط كذلك بالصور الرمزية التي يحملها المجتمع عن الدولة والنخبة والعدالة والانتماء. وهذه الأبعاد تمنح دراسة الشعبوية بعدًا ثقافيًا وحضاريًا يوسع مجال البحث خارج حدود التحليل السياسي المباشر.

كما يفتح الكتاب مجالًا للتساؤل حول مستقبل الشعبوية نفسها: هل تمثل مرحلة احتجاجية مرتبطة بأزمات محددة، أم أنها تعبير عن تحول طويل المدى في طبيعة السياسة الحديثة؟ وهو سؤال يتجاوز الكتاب في حد ذاته، لكنه يرتبط بالإشكاليات التي يثيرها، لأن فهم الشعبوية يعني في جوهره محاولة فهم التحولات التي تعيشها الديمقراطيات المعاصرة وأشكال الشرعية التي تبحث عنها المجتمعات في زمن تتغير فيه الوسائط والهويات وأنماط المشاركة السياسية.

لقد سعى الكتاب إلى بناء قراءة تتجاوز التفسير الجزئي للشعبوية، عبر ربطها بجملة من التحولات المتداخلة التي تشمل أزمة التمثيل، وتراجع الثقة في النخب، وتحول المجال العمومي، وصعود أنماط جديدة من التواصل السياسي. ومن خلال هذا المنظور، تصبح الشعبوية مدخلًا لفهم مرحلة كاملة من التحولات التي يعيشها العالم المعاصر، لا مجرد ظاهرة مرتبطة بتجربة سياسية محددة.
وبذلك تتجلى قيمة الكتاب في كونه يساهم في بناء حقل بحثي عربي أكثر انتظامًا حول الشعبوية، من خلال تقديم مادة تجمع بين التأصيل النظري والقراءة التاريخية والاهتمام بالسياق المحلي. وتبقى أهميته الأساسية في أنه يفتح باب النقاش حول ظاهرة سياسية أصبحت جزءًا من المشهد العالمي، ويحفز على مواصلة البحث في جذورها وآثارها وتحولاتها.

يمثل كتاب "كيف تمددت الشعبوية في العالم؟ التاريخ والتجارب والخصائص النظرية" لبدر السلام الطرابلسي محاولة فكرية لفهم واحدة من أكثر الظواهر السياسية حضورًا في زمننا الراهن. وتأتي أهمية هذا العمل من اختياره النظر إلى الشعبوية باعتبارها مرآة للتحولات العميقة التي مست العلاقة بين المجتمع والسياسة، وبين المواطن والمؤسسات، وبين فكرة السيادة الشعبية وأشكال ممارستها داخل الأنظمة السياسية المختلفة.

لقد سعى الكتاب إلى بناء قراءة تتجاوز التفسير الجزئي للشعبوية، عبر ربطها بجملة من التحولات المتداخلة التي تشمل أزمة التمثيل، وتراجع الثقة في النخب، وتحول المجال العمومي، وصعود أنماط جديدة من التواصل السياسي. ومن خلال هذا المنظور، تصبح الشعبوية مدخلًا لفهم مرحلة كاملة من التحولات التي يعيشها العالم المعاصر، لا مجرد ظاهرة مرتبطة بتجربة سياسية محددة.

وتكتسب معالجة المؤلف للحالة التونسية أهمية خاصة لأنها تضع التجربة المحلية داخل أفق عالمي، وتكشف عن التفاعل بين العوامل الداخلية والمسارات الدولية. فالشعبوية التونسية تحمل آثار السياق الخاص الذي نشأت فيه، كما تعكس في الوقت ذاته أسئلة مشتركة مع تجارب أخرى حول معنى الديمقراطية، وحدود التمثيل، وموقع المواطن في صناعة القرار السياسي.

وتكمن الإضافة الأساسية للكتاب في أنه يساهم في إثراء النقاش العربي حول الشعبوية، من خلال تقديم مقاربة تجمع بين المفهوم والتاريخ والتطبيق. فهو يطرح أسئلة تتجاوز الظاهرة نفسها نحو قضايا أوسع تتعلق بمستقبل السياسة الحديثة، وبالطرق التي تعيد بها المجتمعات بناء علاقتها بالسلطة والشرعية والانتماء.

وفي النهاية، يمكن النظر إلى الكتاب باعتباره مساهمة في مشروع معرفي ما زال في طور التبلور داخل الفكر السياسي العربي. فالشعبوية، بما تحمله من تعقيد وتنوع، ستظل موضوعًا مفتوحًا أمام الباحثين، لأنها ترتبط بتحولات مستمرة في المجتمع والدولة والديمقراطية. ومن هنا تأتي قيمة هذا العمل: في كونه يضيف لبنة إلى هذا النقاش، ويدعو إلى قراءة التحولات السياسية المعاصرة من خلال فهم أعمق للأزمات التي تنتجها، والآمال التي ترافقها، والأسئلة التي تتركها مفتوحة أمام المستقبل.