"الديمقراطية السلطوية" في تونس.. هل تكفي لفهم تحوّل قيس سعيّد؟ كتاب جديد

يفتح الكتاب باباً مهماً للنقاش حول مستقبل الديمقراطية التمثيلية في تونس. فالتحولات التي تناولها لا ترتبط بموقع رئيس الجمهورية أو بتعديل النصوص الدستورية فحسب، بل تعكس أزمة أعمق مست علاقة المواطنين بالأحزاب، وبالبرلمان، وبفكرة الوساطة السياسية نفسها.
الكتاب : صديقنا قيس سعيد
المؤلف: حاتم النفطي
نشر دار النشر: Riveneuve Éditions
مكان النشر: باريس، فرنسا.
السلسلة: Collection «Pépites».
تاريخ النشر: 26 سبتمبر/أيلول 2024.
عدد الصفحات: 302 صفحة.


أعادت التحولات السياسية التي شهدتها تونس منذ الخامس والعشرين من جويلية/يوليو 2021 فتح النقاش حول طبيعة النظام السياسي وحدود المفاهيم التي تُستخدم في توصيفه. فقد انتقل الجدل من متابعة الوقائع اليومية إلى محاولة بناء إطار تفسيري يستوعب العلاقة بين إعادة تشكيل مؤسسات الدولة، وتحول موازين السلطة، وتراجع دور الوسائط الحزبية، وصعود أشكال جديدة من الشرعية السياسية. وفي هذا السياق برزت مجموعة من المؤلفات التي سعت إلى قراءة التجربة التونسية من زوايا مختلفة، فاعتمد بعضها مفهوم الشعبوية، بينما فضّل بعضها الآخر مقاربة التحول السلطوي أو الديمقراطية غير الليبرالية، في حين اتجهت أعمال أخرى إلى الجمع بين أكثر من مفهوم لتفسير خصوصية الحالة التونسية.

يندرج كتاب "صديقنا قيس سعيد" للكاتب حاتم النفطي ضمن هذا المسار الفكري، إذ يقترح قراءة متكاملة لمسار النظام السياسي التونسي بعد سنة 2021 من خلال مفهوم "الديمقراطية السلطوية" أو "الديمقراطورية".

ويقوم الكتاب على محاولة تفسير العلاقة بين استمرار بعض الآليات الديمقراطية، مثل الانتخابات والمؤسسات الدستورية، وبين تزايد تركّز السلطة التنفيذية وتراجع أدوار الفاعلين السياسيين التقليديين. ومن هذا المنطلق يتحول المفهوم إلى أداة تحليل تسعى إلى تفسير طبيعة النظام السياسي أكثر من كونه وصفاً لمرحلة زمنية بعينها.

وتثير هذه المقاربة مجموعة من الأسئلة التي تتجاوز مضمون الكتاب نفسه. فما حدود مفهوم "الديمقراطية السلطوية" في تفسير التجربة التونسية؟ وما مدى قدرته على استيعاب التعقيدات التي رافقت التحولات السياسية والدستورية خلال السنوات الأخيرة؟ وكيف يتقاطع هذا المفهوم مع الأدبيات المقارنة التي تناولت الشعبوية، والديمقراطية غير الليبرالية، والسلطوية الانتخابية، وأزمات الديمقراطية التمثيلية؟ ثم إلى أي مدى تسمح الوقائع المتراكمة بين سنتي 2021 و2026 بتقييم صلاحية هذا الإطار التفسيري؟

تثير التحولات السياسية التي شهدتها تونس منذ سنة 2021 مسألة اختيار الإطار المفاهيمي القادر على تفسير طبيعة النظام السياسي. ويكتسب هذا الاختيار أهمية خاصة في العلوم السياسية، لأن المفاهيم لا تقتصر على وصف الظواهر، بل تحدد زاوية النظر إليها، وتوجه أسئلة البحث، وترسم حدود المقارنة مع تجارب أخرى.
تنطلق هذه الدراسة من اعتبار الكتاب مدخلاً إلى مناقشة إشكالية أوسع تتعلق بطبيعة النظام السياسي التونسي في مرحلته الراهنة. ولهذا الغرض يجري التعامل مع أطروحة المؤلف بوصفها فرضية تحليلية تخضع للفحص في ضوء الأدبيات المعاصرة في العلوم السياسية، وفي ضوء تطور التجربة التونسية نفسها. ويجمع هذا المسار بين إعادة بناء الحجة التي يقدمها المؤلف، وتحليل بنيتها المفاهيمية، واختبار قدرتها التفسيرية، ثم مقارنتها بمقاربات أخرى تناولت الظواهر السياسية التي تجمع بين آليات الشرعية الانتخابية واتساع مجال السلطة التنفيذية.

وبناءً على هذا الاختيار المنهجي، تتوزع الدراسة بين عرض الإطار النظري الذي تتحرك داخله أطروحة الكتاب، وتحليل مفاهيمه الأساسية، ثم مناقشة مدى اتساقها مع الحالة التونسية ومع الأدبيات المقارنة، وصولاً إلى تقييم القيمة التفسيرية لمفهوم «الديمقراطية السلطوية» في قراءة التحولات التي عرفتها تونس خلال السنوات الأخيرة.

الإطار النظري.. بين الشعبوية والديمقراطية غير الليبرالية والديمقراطية السلطوية

تثير التحولات السياسية التي شهدتها تونس منذ سنة 2021 مسألة اختيار الإطار المفاهيمي القادر على تفسير طبيعة النظام السياسي. ويكتسب هذا الاختيار أهمية خاصة في العلوم السياسية، لأن المفاهيم لا تقتصر على وصف الظواهر، بل تحدد زاوية النظر إليها، وتوجه أسئلة البحث، وترسم حدود المقارنة مع تجارب أخرى. ومن هذا المنطلق يندرج كتاب حاتم النفطي ضمن اتجاه يسعى إلى تجاوز القراءة الحدثية للأزمة التونسية، عبر الاستناد إلى مفهوم «الديمقراطية السلطوية» باعتباره مدخلاً لفهم العلاقة الجديدة بين السلطة والشرعية والمؤسسات.

شهدت العقود الأخيرة توسعاً في استخدام مفاهيم هجينة لوصف الأنظمة السياسية التي تجمع بين عناصر ديمقراطية وأخرى سلطوية. فقد أظهرت تجارب عديدة أن الانتقال السياسي لا يقود بالضرورة إلى ترسيخ الديمقراطية الليبرالية، كما أن السلطوية لم تعد ترتبط دائماً بإلغاء الانتخابات أو حل المؤسسات التمثيلية. وأصبحت الانتخابات، والأحزاب، والدساتير، والبرلمانات، حاضرة في عدد من الأنظمة التي تميل في الوقت نفسه إلى تركيز السلطة التنفيذية، وإعادة تشكيل قواعد المنافسة السياسية، وإضعاف أدوات الرقابة والتوازن المؤسسي.

وفي هذا السياق برز مفهوم «الديمقراطية غير الليبرالية» لوصف أنظمة تستند إلى شرعية انتخابية مع تراجع الضمانات المرتبطة باستقلال القضاء، وحرية الإعلام، وحماية الحقوق، والفصل بين السلطات. كما ظهر مفهوم «السلطوية الانتخابية» للإشارة إلى أنظمة تعتمد الانتخابات وسيلة لإنتاج الشرعية السياسية في ظل بيئة تنافسية غير متكافئة. وتطورت هذه الأدبيات مع بروز نقاش أوسع حول أزمة الديمقراطية التمثيلية، وتراجع الثقة في الأحزاب، واتساع الفجوة بين المؤسسات المنتخبة والرأي العام.

ويتقاطع هذا المسار مع الأدبيات التي تناولت الشعبوية بوصفها أسلوباً في بناء العلاقة بين القيادة السياسية والجمهور. فالشعبوية تقدم المجتمع من خلال ثنائية «الشعب» و«النخبة»، وتمنح الإرادة الشعبية موقعاً مركزياً في بناء الشرعية السياسية، وهو ما ينعكس في الخطاب السياسي وفي تصور المؤسسات ووظائفها. وتختلف التجارب الشعبوية في نتائجها، إذ تتجه بعض الحالات نحو إعادة تنشيط المشاركة السياسية، بينما تقود حالات أخرى إلى إعادة توزيع السلطة داخل الدولة، وتقليص دور المؤسسات الوسيطة، وتوسيع المجال الذي تتحرك فيه السلطة التنفيذية.

ضمن هذا الإطار يختار حاتم النفطي مفهوم «الديمقراطية السلطوية» بوصفه المفتاح التفسيري للحالة التونسية. ويقوم هذا الاختيار على فكرة أن التجربة التونسية تجمع بين استمرار بعض مظاهر الشرعية الديمقراطية، وبين تحولات مست جوانب أساسية من التوازن المؤسسي وآليات المنافسة السياسية. ويمثل هذا المفهوم المحور الذي تنتظم حوله قراءة المؤلف لمسار النظام السياسي بعد سنة 2021، كما يشكل الأساس الذي تبنى عليه معظم استنتاجاته المتعلقة بطبيعة السلطة، ووظيفة الانتخابات، ومكانة الأحزاب، ودور المؤسسات الدستورية.

وتتجه هذه الدراسة إلى التعامل مع هذا المفهوم بوصفه فرضية قابلة للاختبار. فالتحليل ينصرف إلى قياس مدى اتساقه مع الوقائع، ومقارنته بالمفاهيم المجاورة في الأدبيات المعاصرة، والنظر في قدرته على تفسير مختلف أبعاد الحالة التونسية، مع مراعاة خصوصية السياق الوطني وتطوره خلال الفترة الممتدة بين سنتي 2021 و2026. ومن هذا المنظور يغدو السؤال الرئيس للدراسة متعلقاً بمدى كفاية مفهوم «الديمقراطية السلطوية» في تفسير التجربة التونسية، أو الحاجة إلى إطار مفاهيمي أكثر تركيباً يستوعب تعدد العوامل السياسية والدستورية والاجتماعية التي أسهمت في تشكيل هذه المرحلة.

أطروحة الكتاب وبنيتها التفسيرية

يقترح حاتم النفطي قراءة للتجربة التونسية بعد الخامس والعشرين من تموز / يوليو 2021 تنطلق من اعتبارها مرحلة أعادت صياغة العلاقة بين الشرعية السياسية وممارسة السلطة. ويرى أن التحولات التي عرفتها مؤسسات الدولة لم تقتصر على تعديل التوازنات الدستورية، بل شملت طبيعة النظام السياسي نفسه، وهو ما يدفعه إلى توظيف مفهوم "الديمقراطية السلطوية" باعتباره الإطار الأكثر ملاءمة لتفسير هذا المسار.

وتقوم هذه الأطروحة على فكرة محورية مفادها أن النظام السياسي التونسي حافظ على عدد من الأدوات التي ترتبط تقليدياً بالديمقراطية، مثل الانتخابات، والاستفتاء، والمؤسسات الدستورية، في الوقت الذي شهد فيه تركيزاً متزايداً للسلطة التنفيذية، وتحولاً في وظائف المؤسسات الوسيطة، وإعادة تعريف لمجال التنافس السياسي. ومن هذا المنطلق يصبح النقاش متجهاً نحو طبيعة استخدام هذه المؤسسات، أكثر من انشغاله بوجودها في حد ذاته.

يقترح حاتم النفطي قراءة للتجربة التونسية بعد الخامس والعشرين من تموز / يوليو 2021 تنطلق من اعتبارها مرحلة أعادت صياغة العلاقة بين الشرعية السياسية وممارسة السلطة. ويرى أن التحولات التي عرفتها مؤسسات الدولة لم تقتصر على تعديل التوازنات الدستورية، بل شملت طبيعة النظام السياسي نفسه، وهو ما يدفعه إلى توظيف مفهوم "الديمقراطية السلطوية" باعتباره الإطار الأكثر ملاءمة لتفسير هذا المسار.
ويمنح المؤلف مكانة مركزية لشخصية رئيس الجمهورية وخطابه السياسي، باعتبارهما العنصر الأكثر حضوراً في تفسير التحولات التي عرفتها المرحلة. فالخطاب الرئاسي، وفق القراءة التي يقدمها، يعيد بناء المجال السياسي من خلال ثنائية تجمع بين «الشعب» بوصفه مصدر الشرعية، و«المنظومة» بوصفها سبب الأزمة. وتتحول هذه الثنائية إلى إطار يفسر إعادة ترتيب المؤسسات، وإعادة توزيع السلطة داخل الدولة، وإعادة تعريف دور الأحزاب والمنظمات والهيئات الدستورية.

وفي هذا السياق يربط الكتاب بين أزمة الديمقراطية التمثيلية التي عرفتها تونس خلال السنوات السابقة لسنة 2021 وبين التحولات اللاحقة. فالتراجع المستمر في الثقة بالأحزاب، وتنامي السخط تجاه البرلمان، واتساع الشعور بعدم فاعلية المؤسسات المنتخبة، شكلت البيئة السياسية التي سمحت بظهور مشروع يقوم على إعادة بناء الشرعية السياسية خارج الوسائط الحزبية التقليدية. ويقدم المؤلف هذه العناصر بوصفها جزءاً من تفسير صعود المشروع السياسي الذي حمله قيس سعيّد، مع اعتبار أن هذا الصعود ارتبط أيضاً بإعادة تعريف العلاقة بين الإرادة الشعبية والتنظيم الدستوري للسلطة.

ويتناول الكتاب كذلك مسار الإصلاحات الدستورية والمؤسساتية باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لفهم طبيعة النظام الجديد. ويخصص مساحة واسعة لتحليل القرارات والإجراءات التي أعادت توزيع الصلاحيات بين مؤسسات الدولة، مع التركيز على موقع السلطة التنفيذية في البناء الدستوري الجديد، وعلى التحولات التي مست وظائف البرلمان والهيئات المستقلة والقضاء. ويقرأ هذه التطورات ضمن تصور عام يرى أن إعادة هندسة المؤسسات صاحبتها إعادة تشكيل لموازين القوة داخل النظام السياسي.

ويحتل وضع الأحزاب السياسية موقعاً مهماً في البناء التفسيري للكتاب. فالمؤلف ينظر إلى تراجع دور الأحزاب بوصفه جزءاً من التحول الذي شهدته الحياة السياسية، ويربط هذا التراجع بتصاعد خطاب يمنح العلاقة المباشرة بين القيادة السياسية والجمهور مكانة تتقدم على أشكال الوساطة التقليدية. وفي هذا الإطار يقرأ التغييرات التي طالت النظام الانتخابي، والتحولات التي مست الخريطة الحزبية، بوصفها حلقات مترابطة داخل مشروع سياسي أوسع يعيد رسم المجال العام.

ويمتد التحليل إلى موقع الإعلام، والمجتمع المدني، والفضاء العمومي، حيث يناقش المؤلف أثر التحولات السياسية في طبيعة النقاش العام وفي قدرة الفاعلين السياسيين والاجتماعيين على التأثير في صناعة القرار. ويربط هذه الجوانب جميعها بالإطار المفاهيمي الذي يعتمده، معتبراً أن التغيرات التي عرفتها مختلف المؤسسات تتجه في اتجاه واحد يتمثل في إعادة تركيز السلطة وإعادة صياغة قواعد العمل السياسي.

وتنتظم هذه العناصر داخل بنية تفسيرية واحدة تقوم على الربط بين الخطاب السياسي، والتحولات الدستورية، وإعادة توزيع السلطة، وتراجع دور الوسائط الحزبية، واستمرار الشرعية الانتخابية. ومن خلال هذا الربط يصل المؤلف إلى اعتبار مفهوم «الديمقراطية السلطوية» الأداة الأكثر قدرة على تفسير المرحلة التي دخلتها تونس بعد سنة 2021، ويجعل من هذا المفهوم النتيجة التي تلتقي عندها مختلف محاور الكتاب.

وتوفر هذه الأطروحة أساساً مناسباً للنقاش، لأنها تجمع بين تحليل الخطاب، وقراءة المؤسسات، ومتابعة تطور الحياة السياسية. كما تطرح في الوقت نفسه سؤالاً يتعلق بمدى قدرة مفهوم واحد على استيعاب جميع هذه التحولات، وهو السؤال الذي يقود إلى المرحلة التالية من هذه الدراسة، والمخصصة لاختبار القيمة التفسيرية للمفهوم الذي اعتمده المؤلف في ضوء الأدبيات المقارنة والوقائع السياسية التونسية.

اختبار الأطروحة.. من القدرة الوصفية إلى القدرة التفسيرية

يمنح كتاب حاتم النفطي مفهوم «الديمقراطية السلطوية» موقعاً مركزياً في تفسير التحولات السياسية التي عرفتها تونس بعد سنة 2021. ويقتضي تقييم هذه الأطروحة الانتقال من وصف خصائص النظام السياسي إلى مناقشة مدى قدرة هذا المفهوم على تفسير مختلف مكونات التجربة التونسية. فالقيمة العلمية لأي إطار نظري ترتبط بقدرته على تفسير أكبر عدد من الوقائع، واستيعاب العلاقات التي تربط بينها، وتقديم تصور يسمح بالمقارنة مع حالات أخرى دون إغفال خصوصية كل تجربة.

يستند المؤلف إلى مجموعة من المؤشرات التي تشمل إعادة توزيع الصلاحيات داخل الدولة، وتراجع مكانة البرلمان، وإعادة تنظيم السلطة القضائية، وتحول النظام الانتخابي، وتراجع حضور الأحزاب السياسية في المجال العام. وتوفر هذه العناصر أساساً يسمح بوصف التحولات التي عرفها النظام السياسي، كما يبرز وجود مسار متصل في إعادة تشكيل المؤسسات خلال السنوات التي أعقبت سنة 2021. ويكتسب هذا الوصف أهميته من اعتماده على تسلسل زمني يربط بين الإجراءات الدستورية والقانونية وبين التحولات التي مست موازين السلطة.

غير أن الانتقال من الوصف إلى التفسير يفتح مجالاً أوسع للنقاش. فتركيز التحليل على المؤسسات الدستورية يقود إلى صورة متماسكة لبنية السلطة، بينما تبقى العوامل الاجتماعية والسياسية التي أفرزت هذا التحول في مرتبة ثانية داخل البناء التفسيري للكتاب. ويظهر ذلك في الطريقة التي يجري بها تناول أزمة الأحزاب، وحالة الانقسام داخل النخب السياسية، وتراجع الثقة في المؤسسات المنتخبة، وهي عناصر لعبت دوراً في تشكيل البيئة التي احتضنت التحولات اللاحقة.

ويبرز هنا سؤال يتعلق بطبيعة العلاقة بين الأزمة السابقة لسنة 2021 والتحولات التي أعقبتها. فالكتاب يتعامل مع تلك الأزمة بوصفها سياقاً ممهداً لصعود المشروع السياسي الجديد، بينما تتيح قراءة أخرى النظر إليها باعتبارها عنصراً مكوناً لطبيعة النظام الذي تشكل لاحقاً. ومن هذا المنظور تغدو دراسة ضعف الأحزاب، وتفكك الائتلافات الحكومية، وتعثر الأداء البرلماني، جزءاً من تفسير التحول السياسي، وليس مجرد خلفية زمنية له.

وتقود هذه الملاحظة إلى مستوى آخر من التحليل يتعلق بطبيعة الشرعية السياسية. فالكتاب يربط الشرعية أساساً بإعادة بناء العلاقة بين القيادة السياسية والرأي العام، ويمنح الخطاب الشعبوي مساحة واسعة في تفسير هذا التحول. غير أن الشرعية في الحالة التونسية تبدو أكثر تركيباً، لأنها تشكلت أيضاً تحت تأثير الأداء الاقتصادي، وتراجع الخدمات العمومية، وتصاعد الإحساس بانسداد الأفق السياسي، وهي عوامل أسهمت في إعادة تشكيل توقعات المواطنين من الدولة ومن النظام السياسي. ويفتح هذا الجانب المجال أمام قراءة ترى في الشرعية نتاجاً لتفاعل البعد السياسي مع البعدين الاقتصادي والاجتماعي، أكثر من كونها حصيلة الخطاب السياسي وحده.

وتبرز مسألة أخرى تتعلق باستخدام مفهوم «الديمقراطية السلطوية» نفسه. فهذا المفهوم يملك قدرة واضحة على وصف التداخل بين آليات الشرعية الانتخابية واتساع مجال السلطة التنفيذية، إلا أن التجربة التونسية تكشف عن خصائص إضافية يصعب إدراجها داخل هذا الإطار وحده. فقد عرفت البلاد انتقالاً من أزمة تمثيل سياسي إلى إعادة بناء المؤسسات، ومن أزمة ثقة في الأحزاب إلى إعادة تعريف دورها، ومن جدل دستوري إلى نقاش أوسع حول طبيعة الدولة ووظائفها. ويمنح هذا التعدد للتجربة التونسية طابعاً مركباً يجعل تفسيرها متوقفاً على تفاعل أكثر من مفهوم في الوقت نفسه.

وتظهر هذه المحدودية بصورة أوضح عند مقارنة الحالة التونسية بتجارب أخرى صُنفت ضمن الأنظمة الهجينة. فبعض هذه التجارب ارتبط بسيطرة حزب سياسي واسع النفوذ، بينما ارتبط بعضها الآخر بقيادة شخصية مدعومة بمؤسسات حزبية راسخة، في حين اتسمت التجربة التونسية بضعف التنظيمات الحزبية وتراجع قدرتها على تأطير المجال السياسي. ويؤثر هذا الاختلاف في طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع، كما ينعكس على آليات إنتاج الشرعية وإدارة التنافس السياسي.

ومن زاوية منهجية، يثير الكتاب مسألة الحدود الفاصلة بين المفهوم التفسيري والمفهوم التصنيفي. فحين يتحول مفهوم «الديمقراطية السلطوية» إلى عنوان جامع لمختلف التحولات السياسية، يقترب من وظيفة التصنيف أكثر من اقترابه من وظيفة التفسير. أما حين يستخدم بوصفه أحد عناصر تحليل أشمل، فإنه يصبح جزءاً من شبكة مفاهيم تضم الشعبوية، وأزمة الديمقراطية التمثيلية، والتحول الدستوري، وإعادة تشكيل المجال الحزبي. ويتيح هذا المستوى من التحليل فهماً أكثر اتساعاً للحالة التونسية، لأنه ينظر إلى كل مفهوم باعتباره يفسر جانباً من الظاهرة، دون أن يستوعبها بالكامل.

ومن خلال هذه القراءة تبدو القيمة الأساسية للكتاب في قدرته على فتح نقاش حول طبيعة النظام السياسي التونسي أكثر من تقديم تصنيف نهائي له. فقد أسهم في إدخال مفهوم «الديمقراطية السلطوية» إلى النقاش حول الحالة التونسية، وربط بين التحولات الدستورية والسياسية ضمن إطار نظري واحد. وفي المقابل، تكشف الوقائع التي عرفتها تونس خلال الفترة الممتدة إلى سنة 2026 عن الحاجة إلى مقاربة أكثر تركيباً، تدمج بين التحليل المؤسسي، ودراسة التحولات الاجتماعية، وتحليل أزمة التمثيل السياسي، وتطور أنماط الشرعية، حتى يصبح تفسير التجربة أكثر اتساعاً واتساقاً مع تعقيداتها.

حدود المقاربة وآفاقها

تكتسب أطروحة حاتم النفطي أهميتها من سعيها إلى إدراج الحالة التونسية ضمن النقاش العالمي حول الأنظمة السياسية الهجينة، وهو اختيار يمنح التجربة المحلية بعداً مقارناً، ويحررها من القراءة التي تكتفي بسرد الأحداث أو متابعة المسار الدستوري. ويتيح هذا المنظور تفسير عدد من التحولات التي شهدتها مؤسسات الدولة، كما يربطها بإشكاليات أوسع تتعلق بالشرعية السياسية، ووظيفة الانتخابات، وإعادة توزيع السلطة داخل النظام السياسي.

وتقود هذه المقاربة، في الوقت ذاته، إلى مجموعة من الأسئلة المرتبطة بمجال تطبيق المفهوم وحدوده. فالتجربة التونسية تشكلت داخل سياق مختلف عن الحالات التي استندت إليها الأدبيات المقارنة عند تناول الديمقراطية غير الليبرالية أو السلطوية الانتخابية. فقد ارتبطت هذه الأدبيات غالباً بأنظمة تمتلك أحزاباً مهيمنة، أو أجهزة سياسية مستقرة، أو تحالفات اجتماعية واسعة تمثل قاعدة دائمة للسلطة، بينما تطورت الحالة التونسية في ظل أزمة مستمرة داخل الأحزاب، وتبدل سريع في موازين القوى، وتراجع متواصل في ثقة المواطنين بالمؤسسات الوسيطة.

ويظهر هذا الاختلاف في موقع الأحزاب داخل البناء التفسيري للكتاب. فالتحليل يقدم تراجعها باعتباره نتيجة لإعادة تشكيل النظام السياسي، بينما تسمح قراءة أخرى باعتبار هذا التراجع أحد الأسباب التي مهدت لهذا التحول. فمنذ السنوات الأولى التي أعقبت الثورة عرفت الساحة الحزبية تشتتاً تنظيمياً، وضعفاً في البناء الداخلي، وصعوبة في إنتاج قيادات مستقرة وبرامج طويلة المدى. كما شهد البرلمان دورات متتالية من الانقسام والاستقطاب، وانخفضت قدرة الحكومات المتعاقبة على بناء توافقات مستدامة. وتدخل هذه العناصر في تكوين البيئة السياسية التي أعادت صياغة علاقة المجتمع بالمؤسسات المنتخبة.

مفهوم "الديمقراطية السلطوية" محطة ضمن مسار أوسع من البحث في التحولات السياسية التي تعرفها تونس، وليس نهاية لهذا المسار. فكل تطور جديد في الحياة السياسية يضيف معطيات تدعو إلى إعادة اختبار المفاهيم، ومراجعة قدرتها على تفسير الواقع، وتطوير أدوات التحليل بما ينسجم مع خصوصية التجربة التونسية وتطورها المستمر.
ويمتد الأمر إلى طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالكتاب يمنح المؤسسات الدستورية والخطاب السياسي مساحة واسعة في تفسير التحولات، بينما يظل الحضور الاجتماعي والاقتصادي أقل وضوحاً داخل البناء التحليلي. وقد شكلت البطالة، والتفاوت الجهوي، وتراجع النمو، والضغوط المالية، عناصر مؤثرة في إعادة تشكيل المزاج العام وفي تحديد أولويات المواطنين. ومن ثم يصبح تحليل التحول السياسي أكثر اكتمالاً حين يدمج بين تطور المؤسسات وتغير البنية الاجتماعية والاقتصادية التي تتحرك داخلها.

وتطرح التجربة التونسية كذلك سؤالاً يتعلق بطبيعة الشرعية في المراحل الانتقالية. فالشرعية تبدو في هذا السياق متعددة المصادر، إذ تتداخل فيها شرعية الانتخابات، وشرعية الأداء، وشرعية الاستجابة للمطالب الاجتماعية، وشرعية الخطاب الذي يقدم تصوراً جديداً للدولة وللعلاقة بين الحاكم والمحكوم. ويؤدي هذا التداخل إلى إنتاج وضع سياسي يصعب تفسيره من خلال مؤشر واحد أو مفهوم منفرد، لأن كل مصدر من مصادر الشرعية يؤثر في الآخر ويعيد تشكيله.

ومن زاوية أخرى، يفتح الكتاب باباً مهماً للنقاش حول مستقبل الديمقراطية التمثيلية في تونس. فالتحولات التي تناولها لا ترتبط بموقع رئيس الجمهورية أو بتعديل النصوص الدستورية فحسب، بل تعكس أزمة أعمق مست علاقة المواطنين بالأحزاب، وبالبرلمان، وبفكرة الوساطة السياسية نفسها. ويقود هذا المعطى إلى توسيع دائرة التحليل لتشمل مستقبل التنظيمات الحزبية، وآليات تجديد النخب، وأشكال المشاركة السياسية، باعتبارها عناصر تؤثر في استقرار النظام السياسي على المدى الطويل.

وتسمح هذه القراءة بالنظر إلى كتاب حاتم النفطي بوصفه مدخلاً إلى نقاش أوسع حول طبيعة التحولات التي تعرفها الديمقراطيات المعاصرة، أكثر من كونه تفسيراً مكتمل الأركان للحالة التونسية وحدها. فالقيمة الفكرية للكتاب ترتبط بقدرته على إثارة أسئلة جديدة حول العلاقة بين الشرعية والسلطة، وحول حدود الديمقراطية التمثيلية، وحول موقع المؤسسات في المراحل الانتقالية. أما الإجابة عن هذه الأسئلة فتظل مجالاً مفتوحاً أمام دراسات لاحقة تستفيد من تطور الوقائع ومن تراكم الأدبيات المقارنة.

ومن هذا المنظور، يغدو مفهوم "الديمقراطية السلطوية" محطة ضمن مسار أوسع من البحث في التحولات السياسية التي تعرفها تونس، وليس نهاية لهذا المسار. فكل تطور جديد في الحياة السياسية يضيف معطيات تدعو إلى إعادة اختبار المفاهيم، ومراجعة قدرتها على تفسير الواقع، وتطوير أدوات التحليل بما ينسجم مع خصوصية التجربة التونسية وتطورها المستمر.

من مراجعة كتاب إلى مراجعة مفهوم

يقود تحليل كتاب حاتم النفطي إلى ملاحظة تتجاوز حدود العمل نفسه، وتتعلق بطبيعة العلاقة بين الكتابة السياسية والكتابة الأكاديمية في دراسة التحولات الكبرى. فالكتب التي تصدر في سياق الأحداث تؤدي غالباً وظيفة مزدوجة؛ فهي توثق مرحلة تاريخية من جهة، وتقترح إطاراً تفسيرياً لفهمها من جهة أخرى. ومن ثم تصبح قيمة هذه الأعمال مرتبطة بقدرتها على تحويل الوقائع المتفرقة إلى نموذج تحليلي يسمح بفهم العلاقات التي تجمع بينها.

ينتمي كتاب Notre ami Kaïs Saïed إلى هذا الصنف من المؤلفات. فقد تجاوز حدود السرد الزمني للأحداث، واتجه إلى بناء تفسير متكامل يقوم على مفهوم «الديمقراطية السلطوية». ومن هنا انتقل النقاش من متابعة الإجراءات السياسية والدستورية إلى مساءلة طبيعة النظام السياسي نفسه. وقد أتاح هذا التحول للمؤلف ربط عناصر متعددة داخل إطار نظري واحد، وجعل من المفهوم محوراً تنتظم حوله مختلف فصول الكتاب.

غير أن المفاهيم في العلوم السياسية تكتسب قيمتها من قدرتها على تفسير الواقع أكثر من قدرتها على تسميته. فكل مفهوم يمثل زاوية نظر إلى الظاهرة، ويبرز بعض عناصرها، بينما يترك عناصر أخرى خارج مجاله. ولهذا السبب تظل المفاهيم مفتوحة على المراجعة كلما ظهرت معطيات جديدة أو تطورت التجارب السياسية التي استندت إليها.

وتكشف الحالة التونسية عن هذه الطبيعة المتحركة للمفاهيم. فقد شهدت البلاد خلال فترة زمنية قصيرة تغيرات مست جوانب دستورية ومؤسساتية وانتخابية وحزبية واجتماعية، وهو ما جعل أي مفهوم منفرد يواجه صعوبة في استيعاب جميع مستويات التحول. ويقود ذلك إلى التعامل مع «الديمقراطية السلطوية» باعتبارها أحد مفاتيح القراءة، ضمن منظومة أوسع تضم الشعبوية، وأزمة الديمقراطية التمثيلية، والتحول الدستوري، وإعادة تشكيل الشرعية السياسية.

ومن هذا المنطلق يتحول الكتاب من موضوع للمراجعة إلى مناسبة لإعادة التفكير في الأدوات المفاهيمية التي تستخدمها العلوم السياسية عند دراسة التحولات الديمقراطية. فالنقاش يغادر حدود الحالة التونسية ليطرح سؤالاً أوسع يتعلق بمدى ملاءمة المفاهيم التي تشكلت في سياقات تاريخية مختلفة لتفسير تجارب سياسية جديدة، وما إذا كانت هذه التجارب تستدعي تطوير مفاهيم قائمة أو إنتاج مفاهيم أكثر قدرة على استيعاب خصوصياتها.

وتفتح هذه الملاحظة مجالاً لقراءة التجربة التونسية باعتبارها مختبراً نظرياً، بقدر ما هي موضوع للدراسة السياسية. فالتطورات التي عرفتها البلاد منذ سنة 2021 تقدم مادة غنية لاختبار عدد من المفاهيم المتداولة في الأدبيات المقارنة، كما تتيح إعادة النظر في الحدود الفاصلة بين الديمقراطية والسلطوية، وبين الشرعية الانتخابية والشرعية الدستورية، وبين القيادة الشعبوية وأزمة التمثيل السياسي. ويصبح الحوار مع كتاب حاتم النفطي جزءاً من حوار أوسع مع الأدبيات المعاصرة في الفكر السياسي، بما يمنح الدراسة بعداً يتجاوز مراجعة كتاب بعينه إلى مراجعة أدوات التحليل نفسها.