صدر حديثا
كتاب جديد للدكتور أحمد الريسوني
بعنوان "مواقف في القضية الفلسطينية.. مقالات وحوارات"، من إعداد وتنسيق
الباحث محمد زاوي، يرصد من خلال مجموعة من المقالات والحوارات مواقف الريسوني من
القضية الفلسطينية على امتداد نحو عقدين، ويقدم
قراءة في عدد من التحولات الكبرى
التي شهدها الملف الفلسطيني، بدءا من تطورات الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، وصولا
إلى المقاومة والتطبيع والإبادة الجماعية في قطاع غزة.
ويأتي إصدار الكتاب، الذي نشرته مؤسسة
"إحياء" في 201 صفحة من الحجم المتوسط، في سياق استمرار القضية
الفلسطينية في احتلال موقع مركزي في النقاشات السياسية والفكرية والفقهية العربية
والإسلامية، خصوصا مع التحولات التي طرأت على المشهد خلال السنوات الأخيرة، سواء على
مستوى مسار التطبيع العربي مع الاحتلال أو تصاعد المقاومة الفلسطينية، وصولا إلى
الحرب على قطاع غزة وما رافقها من اتهامات بارتكاب جرائم إبادة جماعية بحق
الفلسطينيين.
ويضم الكتاب 35 مقالا وثمانية حوارات، تغطي
مراحل متعددة من تاريخ القضية الفلسطينية منذ بداية الألفية الثالثة، بما يجعل
المادة المجمعة فيه أشبه بسجل فكري لمواقف الكاتب من القضية وتحولاتها، وإن كانت
المقالات والحوارات قد كُتبت في مناسبات وسياقات زمنية مختلفة.
عقدان من التحولات الفلسطينية
وتكمن أهمية الكتاب، بحسب الجهة الناشرة، في
أن المادة التي يتضمنها تمتد زمنيا على نحو عقدين، وهي فترة شهدت تغيرات عميقة في
طبيعة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وفي المواقف العربية والدولية منه.
فخلال هذه الفترة، انتقلت القضية من مرحلة
الانتفاضات والمواجهات العسكرية المتكررة، إلى مسارات سياسية عربية رسمية اتجه
بعضها نحو التطبيع مع الاحتلال، بالتزامن مع استمرار الاستيطان والاحتلال في
الأراضي الفلسطينية، وتراجع فرص التسوية السياسية، وصولا إلى الحرب المدمرة على
غزة.
ويتيح هذا الامتداد الزمني، وفق ما تقدمه
مؤسسة "إحياء"، قراءة المواقف الواردة في الكتاب في ضوء سياقاتها
التاريخية والسياسية، ومتابعة تطور النقاش حول القضية الفلسطينية في الفكر
الإسلامي والسياسي، ولا سيما في ما يتصل بمشروعية مقاومة الاحتلال، وحدود التعامل
معه، وموقف العلماء والمفكرين من مشاريع التطبيع.
ولا يقتصر الكتاب على الجانب السياسي
للقضية، بل يتناول كذلك أبعادها الفقهية والإنسانية والاجتماعية والاقتصادية، بما
يعكس رؤية تعتبر فلسطين قضية متعددة المستويات، تتداخل فيها أسئلة الاحتلال
والمقاومة والعدالة والهوية والحقوق الإنسانية.
المقاومة والاحتلال في رؤية الريسوني
ويخصص الكتاب حيزا بارزا لمواقف أحمد
الريسوني من علاقة الشعب الفلسطيني بالاحتلال الإسرائيلي، حيث تتضمن المقالات
والحوارات مجموعة من الآراء الفقهية التي تؤكد، بحسب مضمونها، مشروعية مقاومة
الفلسطينيين للاحتلال وحقهم في الدفاع عن أرضهم وشعبهم.
ومن بين المقالات التي تناولت هذا الجانب: "معركة
فلسطين: الجهاد الذي لا غبار عليه"، و"الجهاد في فلسطين ولأجل فلسطين لا
شك في مشروعيته ووجوبه"، إلى جانب مقال "قضية فلسطين اليوم.. رؤية فقهية
سياسية".
وتنطلق هذه الكتابات من تصور فقهي وسياسي
يعتبر أن الاحتلال يشكل أساسا للصراع، وأن مقاومة الشعب الواقع تحت الاحتلال لا
يمكن فصلها عن حقه في التحرر واستعادة أرضه، في مقابل محاولات إعادة تعريف القضية
باعتبارها مجرد نزاع سياسي بين طرفين متكافئين.
وتعكس هذه الرؤية واحدة من القضايا المركزية
التي حضرت في خطاب الريسوني خلال العقود الماضية، وهي محاولة الربط بين المرجعية
الفقهية والقضايا السياسية المعاصرة، مع التركيز على فلسطين بوصفها قضية ذات أبعاد
دينية وتاريخية وإنسانية، إلى جانب كونها قضية تحرر وطني.
التطبيع.. بين الضرورة الفردية والقرار
السياسي
ويتناول الكتاب أيضا موقف الريسوني من موجة
التطبيع العربي مع الاحتلال الإسرائيلي، والتي شهدت توسعا خلال السنوات الأخيرة،
خصوصا بعد توقيع عدد من الدول العربية اتفاقيات وعلاقات رسمية مع الاحتلال.
ويذهب الريسوني، وفق ما يورده الكتاب، إلى
أن التطبيع مع الاحتلال يفتقر إلى الشرعية، مستندا في ذلك إلى قراءة فقهية يرى من
خلالها أن النصوص المتعلقة بالصلح والسلم لا تنطبق على الحالة التي يمثلها
الاحتلال الإسرائيلي.
وفي هذا السياق، يميز الريسوني بين التعامل
الذي قد يضطر إليه الفلسطينيون مع مؤسسات الاحتلال بحكم واقع الاحتلال نفسه، وبين
التطبيع الذي تقوم به دول عربية بصورة رسمية وسياسية.
فالفلسطيني، وفق هذه الرؤية، قد يجد نفسه
مضطرا للتعامل مع مؤسسات الاحتلال بسبب متطلبات الحياة اليومية، من التنقل
والتجارة والحصول على الوثائق والخدمات وغيرها من مقتضيات الواقع الذي فرضه
الاحتلال، وهو تعامل تفرضه الضرورة ولا يعكس، بالضرورة، اعترافا سياسيا أو أخلاقيا
بشرعية الاحتلال.
أما التطبيع الرسمي بين الدول العربية
والاحتلال، فيراه الريسوني مختلفا من حيث طبيعته ودلالاته، باعتباره، بحسب ما يرد
في الكتاب، دعما سياسيا ومعنويا واقتصاديا للاحتلال، من دون أن يفضي بالضرورة إلى
تحقيق مكاسب حقيقية للفلسطينيين أو إلى تغيير واقع الاحتلال والاستيطان.
ويفتح هذا التفريق بابا واسعا للنقاش حول
مفهوم التطبيع نفسه، والحدود الفاصلة بين التعامل الذي تفرضه ضرورات الواقع وبين
الاعتراف السياسي الذي يمنح الاحتلال شرعية أو يساهم في دمجه داخل النظام الإقليمي.
"معاداة
السامية" والعودة والواقع الفلسطيني
ويتناول الكتاب كذلك قضية "معاداة
السامية"، وهي من أكثر القضايا حساسية في النقاش الدولي حول الاحتلال
الإسرائيلي، خصوصا في ظل استخدام هذا الاتهام في مواجهة منتقدي السياسات
الإسرائيلية أو الداعمين للحقوق الفلسطينية.
كما يتطرق إلى حق العودة للاجئين
الفلسطينيين، باعتباره أحد الملفات المركزية في القضية الفلسطينية، وإلى الأوضاع
الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون في ظل الاحتلال
والحصار والانقسام والتدهور الاقتصادي.
ويحضر البعد الإنساني في الكتاب باعتباره
جزءا أساسيا من القضية، وليس مجرد نتيجة ثانوية للصراع السياسي، حيث تتناول
المقالات والحوارات معاناة الفلسطينيين في حياتهم اليومية، وما يترتب على الاحتلال
من آثار مباشرة على المجتمع الفلسطيني، بما في ذلك الحصار والتهجير والاستيطان
وتقييد الحركة وتدمير البنية الاقتصادية والاجتماعية.
غزة والإبادة الجماعية
وتحتل الإبادة الجماعية في غزة موقعا ضمن
الموضوعات التي يتناولها الكتاب، في ظل التحولات التي فرضتها الحرب الإسرائيلية
على القطاع، وما خلفته من أعداد هائلة من الضحايا والدمار والنزوح، وسط اتهامات
دولية لإسرائيل بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية.
ومن خلال إدراج هذا الملف ضمن أعمال الكتاب،
تتصل مواقف الريسوني الأحدث بالسياق العام الذي رافق كتاباته ومواقفه على مدى
عقدين، حيث تنتقل القضية الفلسطينية من نقاشات الاحتلال والمقاومة والتطبيع إلى
مواجهة واقع إنساني بالغ القسوة فرضته الحرب على غزة.
ويعكس ذلك، بحسب تقديم الكتاب، محاولة
الحفاظ على حضور القضية الفلسطينية في النقاش العام، ليس فقط بوصفها ملفا سياسيا
أو قضية تفاوضية، وإنما باعتبارها قضية تتصل بالعدالة وحقوق الشعوب والقانون
الدولي والبعد الإنساني.
كتاب للتوثيق والباحثين
وتقول مؤسسة "إحياء"، التي تولت
نشر الكتاب، إن إصدار هذه المادة يهدف إلى توثيق الصلات والروابط بين المدافعين عن
القضية الفلسطينية وعدالتها الإسلامية والقومية والإنسانية، فضلا عن المساهمة في
العمل الفكري والتوعوي بالقضية وإبقائها حاضرة في الوعي العام، "مهما تبدلت
الأحوال".
كما تقدم المؤسسة الكتاب باعتباره مادة يمكن
أن يستفيد منها الباحثون والمهتمون بالقضية الفلسطينية، بالنظر إلى امتداد المادة
زمنيا وتنوع الموضوعات التي تتناولها.
وتكتسب هذه الوظيفة التوثيقية أهمية خاصة
بالنظر إلى أن الكتاب لا يقدم نصا واحدا كُتب في مناسبة محددة، وإنما يجمع مقالات
وحوارات أنتجت في فترات زمنية متباعدة، وهو ما يسمح بقراءة مواقف الكاتب في سياقات
متعددة، ومتابعة القضايا التي ظلت ثابتة في خطابه، إلى جانب القضايا التي فرضتها
التحولات السياسية والميدانية.
الريسوني وفلسطين.. من الفتوى إلى الموقف
السياسي
ويضع الكتاب القضية الفلسطينية في قلب مشروع
فكري أوسع للريسوني، يقوم على توظيف المرجعية الإسلامية في قراءة القضايا السياسية
المعاصرة، مع محاولة تقديم إجابات فقهية على أسئلة تتجاوز المجال التقليدي للفتوى
إلى قضايا الاحتلال والمقاومة والعلاقات الدولية والتطبيع.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو المقالات
والحوارات مجرد مواقف متفرقة من أحداث متعاقبة، بل تشكل، في مجموعها، محاولة لبناء
تصور متكامل للقضية الفلسطينية، ينطلق من اعتبار الاحتلال أساسا للصراع، ويؤكد حق
الفلسطينيين في مقاومته، ويرفض منح التطبيع الرسمي معه شرعية سياسية أو أخلاقية،
مع التركيز في الوقت نفسه على الأبعاد الإنسانية والحقوقية للقضية.
ويأتي نشر الكتاب في مرحلة تبدو فيها القضية
الفلسطينية أمام تحولات عميقة، إذ أعادت الحرب على غزة القضية إلى صدارة الاهتمام
العالمي، بالتزامن مع تصاعد النقاش حول مستقبل الاحتلال، ومشروعية المقاومة،
ومسؤولية المجتمع الدولي، ومستقبل العلاقات العربية مع إسرائيل.
وفي هذا السياق، يقدم "مواقف في القضية
الفلسطينية.. مقالات وحوارات" مادة تجمع بين التوثيق الفكري والقراءة الفقهية
والسياسية، وتعيد طرح أسئلة قديمة ومتجددة حول طبيعة الصراع ومستقبل القضية
الفلسطينية، في وقت ما تزال فيه فلسطين، رغم تغير موازين القوى وتبدل المواقف
الدولية والإقليمية، حاضرة باعتبارها واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في العالم
العربي والإسلامي.