اندلع سجال علني بين الأكاديمي
الإماراتي عبدالخالق عبدالله، والأمير السعودي عبدالرحمن بن مساعد آل سعود، حول طبيعة اتفاقية الدفاع المشترك التي وقعتها السعودية وتركيا وباكستان في مكة المكرم.
وجاء السجال بعد توقيع السعودية وتركيا وباكستان، الجمعة 7 آب/أغسطس، "اتفاقية مكة للدفاع المشترك"، التي تنص على اعتبار أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداءً عليها جميعاً، مع تعزيز التعاون الدفاعي والأمني بينها.
وكان عبدالخالق عبدالله من أوائل المعلقين على الاتفاقية، إذ كتب عبر حسابه في منصة «إكس»: "مبروك تأسيس هذا الحلف"، لكنه أبدى في الوقت نفسه تحفظات على ما اعتبره أولوية لتعزيز التعاون العسكري والسياسي داخل الخليج.
وقال إن "تقوية التعاون العسكري والسياسي الخليجي وتوحيد البيت الخليجي أهم بكثير من الاستثمار في تعاون عسكري وسياسي إقليمي"، مضيفاً أن نجاح أي حلف يتطلب تحديد "العدو المشترك".
وتساءل الأكاديمي الإماراتي: "فمن هو العدو لدول هذا الحلف؟"، في إشارة إلى اختلاف المصالح والتهديدات التي تواجه الدول الثلاث.
وفي منشور لاحق، عاد عبدالله إلى التشكيك في توصيف الاتفاقية، متسائلاً: "إن لم يكن هذا الاتفاق حلفاً فما هو المسمى الذي يليق به؟"، قبل أن يطرح سؤالاً آخر حول ما إذا كانت الاتفاقية تمت "بعلم دول مجلس التعاون الخليجي"، وما إذا كانت تقوي منظومة الدفاع الخليجي المشترك.
وأوضح أن اعتراضه لا يتعلق فقط بطبيعة الاتفاقية، بل بما قد يترتب عليها من تأثير في منظومة التعاون الخليجي، قائلاً إن مجلس التعاون «ليس في أفضل حالاته» ويعاني، وفق تقديره، من تهميش من جانب دوله الكبرى التي تبحث عن ترتيبات أمنية خارج الإطار الخليجي.
وأضاف أن الاندفاع نحو تأسيس محاور سياسية وتحالفات عسكرية إقليمية قد يأتي، برأيه، «على حساب التعاون الخليجي ويضعفه».
في المقابل، رد الأمير السعودي عبدالرحمن بن مساعد على طرح عبدالله، رافضاً اعتبار تسمية الاتفاقية أو طبيعتها سبباً للاعتراض عليها.
وقال مخاطباً الأكاديمي الإماراتي: «وما المشكلة يا دكتور الله يسلمك إن كان حلفاً أو معاهدة أو اتفاقية أو تحت أي عنوان كان؟»
وتساءل الأمير السعودي عن الضرر الذي يمكن أن يلحق بدول الخليج من الاتفاقية، مشيراً إلى أن «جميعها تربطها حالياً علاقات حسنة بتركيا وباكستان»، فضلاً عن وجود اتفاقات مشتركة وتبادل تجاري وتعاون واستثمارات بين دول الخليج والبلدين.
كما رفض الربط بين الاتفاقية وبين إضعاف التعاون الخليجي، متسائلاً: «ثم كيف يمكن أن يتعارض هذا مع توحيد البيت الخليجي كما أشرت سلمك الله في منشور سابق؟»
وذهب ابن مساعد إلى طرح مسألة السيادة، قائلاً: «أليس من حق أي دولة عمل اتفاقيات مع أي دولة أو دول وفق ما تراه يحقق مصالحها؟ أليس هذا شأن سيادي يا دكتور؟ أم أن هذه القاعدة السيادية لا تراها منطقية عندما يتعلق الأمر بالسعودية؟!»
لكن عبدالله عاد للرد، موضحاً أن اعتراضه لا يتعلق بمبدأ سيادة الدول أو حق السعودية في عقد اتفاقيات، وإنما بطبيعة الترتيب الأمني الجديد وكيفية تقييمه.
وقال إن «المشكلة سمو الأمير تكمن في فهم هوية هذا الاتفاق من أجل تقييم أدائه وفق موازين محددة»، معتبراً أن هناك فرقاً بين «حلف» و«محور» و«إطار هلامي للتعاون ضد تهديد لأمن واستقرار دوله».
ولم يقتصر النقاش على عبد الخالق عبد الله وابن مساعد، إذ شارك الإعلامي السعودي المعروف داود الشريان في الجدل، مدافعاً عن الاتفاقية ومعتبراً أنها لا تتعارض مع أمن الخليج، بل توسع نطاقه.
وقال الشريان مخاطباً عبدالله: «دول الخليج في صلب هذا الحلف، والسعودية التي حملت مسؤولية حماية أمن الخليج لعقود، واليوم توسع دائرة الأمن حوله».
ووصف الاتفاقية بأنها «قوة للسلام والردع»، معتبراً أن أهميتها تكمن في رفع كلفة الاعتداء على الدول الموقعة إلى مستوى يجعل مجرد التفكير في مهاجمتها مغامرة.
وأضاف: «قوة الحلف في الحرب التي يمنعها، قبل الحرب التي يستطيع خوضها».
وتأتي اتفاقية مكة في سياق تعاون دفاعي سعودي-باكستاني كان قد تعزز بصورة كبيرة خلال العام الماضي.
ففي 17 أيلول/سبتمبر 2025، وقعت السعودية وباكستان «اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك» في الرياض، ونصت على أن أي عدوان على إحدى الدولتين يعد عدواناً عليهما معاً.
وفي كانون الثاني/يناير 2026، ظهرت تقارير عن محادثات لإدخال
تركيا في ترتيبات دفاعية ثلاثية، وقال وزير باكستاني إن الدول الثلاث أعدت مسودة اتفاق دفاعي بعد أشهر من المحادثات.
لكن تلك المساعي لم تكن محسومة في ذلك الوقت؛ إذ نقلت تقارير في شباط/فبراير عن مصادر سعودية أن الاتفاق السعودي-الباكستاني سيبقى ثنائياً وأن تركيا لن تنضم إليه.
وجاء توقيع اتفاقية مكة في 7 آب/أغسطس ليؤكد انتقال التعاون الثلاثي من مرحلة الحديث عن مشروع محتمل إلى إطار دفاعي مشترك معلن.