المخطط المرتدّ لتغيير النظام الإيراني

رميصاء عبد المهيمن
"ما بدا مشروعا لإضعاف إيران، أخذ يكشف حدود القوة الأمريكية نفسها"- جيتي
"ما بدا مشروعا لإضعاف إيران، أخذ يكشف حدود القوة الأمريكية نفسها"- جيتي
شارك الخبر
مع بداية عام 2026، لم يكن كثيرون يتوقعون أن تتحول الأسئلة، في غضون أشهر قليلة، من مستقبل النظام في إيران إلى صورة القوة الأمريكية نفسها ومصداقيتها. في البداية بدا المشهد واضحا: زيادة الضغط، نزع الشرعية عن القيادة، إرباك بنية النظام، ثم الدفع نحو لحظة يصبح فيها "تغيير النظام" احتمالا قابلا للتحقق. لكن بعض الحروب لا تبلغ هدفها المعلن؛ بل تنقلب مع الوقت إلى امتحان يكشف هشاشة من صمّمها قبل أن يكشف ضعف من استُهدِف بها. وهذا، إلى حد بعيد، ما بدا أنه حدث في الحالة الإيرانية.

أول ما يكشفه هذا المشهد هو أن الخطة التي أُريد لها أن تُضعف إيران، قدّمتها -على الأقل في المدى القريب- بصورة أكثر تماسُكا، وأشد حذرا، وأكثر قدرة على إرباك خصومها. وقد أشار بعض المحللين الأمريكيين أنفسهم إلى أن الحرب الأخيرة لم تُفضِ إلى كسر الإرادة الإيرانية، بل أبرزت قدرة طهران على الاستمرار عسكريا، وعلى نقل كلفة الصراع إلى خارج حدودها. فالتوتر في مضيق هرمز، والضغط على حركة الملاحة، وتقلب أسعار النفط، كلها دلائل على أن إيران لم تكن في حاجة إلى تفوق شامل؛ كان يكفيها أن تثبت أنها قادرة على جعل الآخرين يدفعون ثمن الحرب.

السؤال يصبح أكثر إلحاحا: هل المشكلة كانت حقا في "قوة" إيران وحدها، أم في ضعف الفرضيات التي بُني عليها مشروع تغيير النظام؟

وهنا لا تعود المسألة مسألة صواريخ ومسيّرات فحسب، بل مسألة حساب الكلفة. فإذا أصابت المسيّرة الرخيصة هدفها، فذلك مكسب لإيران، وإذا أُسقطت بمنظومة اعتراض أعلى كلفة منها مرات عديدة، فذلك أيضا مكسب لإيران. في هذا الخلل المدروس بين كلفة الهجوم وكلفة الدفاع تكمن إحدى أهم سمات هذه الحرب، فإيران كانت تدرك أنها لا تستطيع خوض مواجهة تقليدية متكافئة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ولذلك أعادت تعريف الصراع: ليس بوصفه حربا من أجل "النصر" الحاسم، بل حربا من أجل البقاء المكلف للخصم. وهكذا تحولت المسيّرات الأقل كلفة، والتهديدات المستمرة، والضغط المتدرج، إلى أدوات تستنزف الدفاعات الأثمن، وتُربك الحسابات السياسية، وتؤجل الحسم.

لهذا السبب غدا مضيق هرمز استعارة مركزية في هذه الحرب. فإيران، من دون أن تحتاج إلى إغلاق كامل للممر، استطاعت أن تثبت أنها قادرة على تحويله إلى حيز خطر دائم، تصبح فيه التجارة المعتادة نفسها عالية الكلفة. وهنا خرجت الحرب من طهران إلى الأسواق، والموانئ، وأسعار التأمين، وأعصاب الاقتصاد العالمي. وعندما تبدأ الأسواق العالمية في دفع الثمن، لا يعود السؤال فقط: من الأقوى عسكريا؟ بل يصبح أيضا: من الأقدر على تحمّل الكلفة السياسية والاقتصادية والنفسية لهذه الحرب؟

من هنا تبرز المفارقة الأكبر: ما بدا مشروعا لإضعاف إيران، أخذ يكشف حدود القوة الأمريكية نفسها. وقد أشار أحد مستشاري الطاقة السابقين في البيت الأبيض إلى أن اضطرابا طويلا في مضيق هرمز لا يملك حلا سياسيا سهلا. فالاحتياطي الاستراتيجي، ومرافقة السفن، والخطوات الرمزية لا تعالج أصل المشكلة. أصل المشكلة هو استعادة التدفق الطبيعي، وإذا كانت إيران قادرة على إبقاء الإحساس بالخطر حيا، فإن "العودة إلى الوضع الطبيعي" تصبح هي نفسها موضع شك. عند هذه النقطة، لم يعد المشروع يكشف ضعف طهران بقدر ما كشف هشاشة واشنطن أمام حرب طويلة الكلفة.

والأكثر دلالة أن إيران لم تظهر في هذا المسار بوصفها دولة أُنقذت بقرار حاسم من قوى كبرى أخرى. فقد رأى بعض المراقبين الغربيين أن ما قدمته روسيا أو الصين -إن وُجد- ظل في حدود الدعم الهامشي أو الرمزي، لا في حدود الإنقاذ الحاسم. وهذا يعني أن بقاء النظام الإيراني لا يمكن تفسيره فقط بظل حليف خارجي، فإذا لم يكن هناك سند خارجي حاسم، ومع ذلك لم يحدث الانهيار الذي وُعد به، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحا: هل المشكلة كانت حقا في "قوة" إيران وحدها، أم في ضعف الفرضيات التي بُني عليها مشروع تغيير النظام؟

وفي داخل الولايات المتحدة نفسها، بدأت ملامح هذا الارتداد تظهر بوضوح. فالدعم الشعبي الأمريكي لإسرائيل لم يعد على الدرجة نفسها من الصلابة، خصوصا بين الديمقراطيين والمستقلين والناخبين الشباب. وعندما تتحول الحرب إلى مشروع يفتقد الإجماع الأخلاقي والسياسي داخل المجتمع الذي يحملها، فإن كلفتها ترتفع تلقائيا. بذلك لم تعد المسألة مجرد سياسة خارجية؛ بل أصبحت جزءا من الانقسام الداخلي، والتردد بين الحلفاء، والإحراج الاستراتيجي الذي أخذ يتوسع مع طول أمد الحرب.

وفي الوقت نفسه، فُتح مسار دبلوماسي موازٍ لا يقل أهمية. ففي بعض العواصم، وخصوصا في مسقط، ساد انطباع واضح بأن ما جرى ليس نجاحا عسكريا بقدر ما هو فشل جماعي للدبلوماسية وعجز عن منع الحرب. ولهذا استمرت الدعوات إلى وقف إطلاق النار والحد من الخسائر البشرية والمادية. وهذا بحد ذاته علامة مهمة: إذا كانت الحرب منذ بدايتها تثير القلق القانوني، وخيبة الأمل الدبلوماسية، والذعر الاقتصادي، فلا يمكن قراءتها بوصفها "انتصارا نظيفا" أو عملية محسوبة النتائج.

وهنا تبرز أهمية الدور الباكستاني، فباكستان لم تتبنَّ خطابا صاخبا، ولم تسع إلى توظيف الأزمة بشعارات عالية؛ وكانت قوتها الحقيقية في أنها ظلت معنية من دون أن تصبح متورطة. فقد حافظت إسلام آباد، من جهة، على علاقاتها مع السعودية والإمارات والولايات المتحدة، ومن جهة أخرى أبقت قنواتها مع إيران مفتوحة، وحاولت ألا تُدفع المنطقة إلى مواجهة أوسع بين عواصمها الرئيسية. هذا في حد ذاته نجاح دبلوماسي مهم. ففي أجواء الحرب، كثيرا ما تكون الدبلوماسية أولى الضحايا؛ أما باكستان فقد أظهرت، ولو في هذا الحد الأدنى، أن الردع والدبلوماسية ليسا طريقين متناقضين بالضرورة.

المجتمعات لا تُكسر دائما بالقصف، وأن الأنظمة لا تُسقط دائما عبر الضغط الخارجي، وأن الحروب التي تُخاض باسم إعادة تشكيل المنطقة قد تنتهي بكشف حدود القوة التي أطلقتها

غير أن البعد الأعمق في هذه الحرب ربما ظهر داخل إيران نفسها، فالقيادة التي استُهدفت على أمل أن يؤدي استهدافها إلى إضعاف النظام، تحولت -في نظر جمهورها- إلى عنوان للهوية، والصمود، ووحدة المعنى. وعندما تتداخل مفاهيم التاريخ، والعقيدة، والزعامة، والشهادة، في الوجدان الجمعي لأمة ما، فإن استهداف رأس القيادة لا يؤدي بالضرورة إلى النتيجة السياسية المطلوبة؛ بل قد يتحول إلى عامل تعبئة إضافي. وهذه واحدة من أكثر مفارقات الحرب إيلاما: الذين قيل إن الحرب جاءت لـ"تحريرهم"، ظهروا أكثر توحدا، لا أكثر انفصالا. وحتى الانقسامات المذهبية التي استُثمر فيها طويلا، بدت في هذه اللحظة أقل حضورا من شعور أوسع بالجرح المشترك والمصير المشترك.

لا يعني ذلك أن الحرب لم تُحدث خسائر فادحة؛ فقد أحدثت كثيرا من الألم والدمار، لكنها في الوقت نفسه أنتجت سردية أخرى: أن المجتمعات لا تُكسر دائما بالقصف، وأن الأنظمة لا تُسقط دائما عبر الضغط الخارجي، وأن الحروب التي تُخاض باسم إعادة تشكيل المنطقة قد تنتهي بكشف حدود القوة التي أطلقتها.

في المحصلة، كل مشروع لتغيير النظام لا يختبر هدفه فقط، بل يختبر أيضا أصحابه. والخطة التي انطلقت لإسقاط إيران، كشفت -حتى الآن على الأقل- أن القوة ليست فقط قدرة على القصف، بل هي أيضا قدرة على الاحتمال، وعلى نقل الكلفة، وعلى إدارة الأعصاب، وعلى الاحتفاظ بخطوط الدبلوماسية مفتوحة حتى في أشد اللحظات توترا. وإذا كان يمكن استخلاص درس واحد حاسم من هذه الحرب حتى الآن، فهو أن مشاريع تغيير النظام قد لا تطيح دائما بهدفها، بل قد تجعله أكثر تماسكا، وأشد صلابة، وأطول نفسا، ولعل هذه هي أقسى مفارقات هذه الحرب.

[email protected]
ByRumaisa.com

* المقال يعبر عن رأي كاتبه
التعليقات (0)