تكتيكات إيرانية جديدة.. صواريخ انشطارية وتزايد الهجمات بالطائرات المسيّرة

الرؤوس العنقودية تمثل تحديا خاصا لأنظمة الدفاع الجوي - جيتي
رغم امتلاك إيران واحدة من أكبر الترسانات الصاروخية في الشرق الأوسط، فإن وتيرة الصواريخ التي أطلقتها طهران باتجاه الاحتلال الإسرائيلي شهدت تراجعا ملحوظا خلال الساعات الأخيرة من الحرب، في وقت ارتفعت فيه بشكل واضح أعداد الطائرات المسيّرة المستخدمة في الهجمات، ما أثار تساؤلات حول ما إذا كانت إيران تعاني استنزافا في مخزونها الصاروخي، أم أنها تتعمد تغيير أسلوب المواجهة.

وفي تصريحات خاصة لـ"عربي21"، قدم رئيس تحرير قسم الأخبار الخارجية في وكالة آنا الإخبارية التابعة لجامعة آزاد الإسلامية مهدي عزيزي تفسيرا مختلفا لهذه التطورات، مؤكدا أن ما يجري لا يعكس تراجعا في القدرات العسكرية الإيرانية بقدر ما يعبر عن تحول مدروس في إدارة المعركة، يقوم على المزج بين الصواريخ والطائرات المسيّرة بهدف إطالة أمد المواجهة واستنزاف القدرات العسكرية والاقتصادية للخصوم.

وقال عزيزي إن البرنامج الصاروخي الإيراني يعد أحد أعمدة العقيدة الدفاعية لطهران منذ سنوات طويلة، حيث استثمرت إيران بكثافة في تطوير منظومات صاروخية متنوعة لتعويض التفوق الجوي والتكنولوجي الذي تمتلكه الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث تشير تقديرات عسكرية غربية إلى أن إيران تمتلك أكبر ترسانة من الصواريخ الباليستية في الشرق الأوسط، تضم آلاف الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى القادرة على الوصول إلى أهداف تبعد مئات أو حتى آلاف الكيلومترات.

وأضاف أن الترسانة تشمل أنواعا متعددة من الصواريخ التي طورتها إيران خلال العقود الماضية، مثل صواريخ "خيبر" و"قدر" و"عماد" و"شهاب-3" و"خرمشهر"، وهي صواريخ يصل مدى بعضها إلى نحو ألفي كيلومتر، ما يضع معظم الأراضي الإسرائيلية ضمن نطاقها العملياتي، مشيرا أن طهران تعمل على تطوير أجيال أكثر تطورًا من هذه الصواريخ، بعضها يوصف بأنه فرط صوتي، أي قادر على التحليق بسرعات تفوق خمسة أضعاف سرعة الصوت، وهو ما يجعل اعتراضه أكثر صعوبة بالنسبة لمنظومات الدفاع الجوي.

تراجع في أعداد الصواريخ

وتابع عزيزي أنه رغم امتلاك إيران هذه القدرات، تشير البيانات المتعلقة بالأيام الأولى من الحرب إلى تراجع تدريجي في عدد الصواريخ المطلقة، ووفق الأرقام التي قدمها عزيز، فقد أطلقت إيران نحو 350 صاروخًا في اليوم الأول من المواجهة، قبل أن ينخفض العدد إلى 175 صاروخا في اليوم الثاني، ثم إلى 120 في اليوم الثالث، و50 في اليوم الرابع، و40 في اليوم الخامس، و32 في اليوم السادس، و28 في اليوم السابع، وصولًا إلى نحو 15 صاروخًا في اليوم الثامن.

ويرى عزيزي أن هذا الانخفاض لا يعني بالضرورة أن إيران تواجه نقصا في الصواريخ، بل قد يكون جزءًا من استراتيجية عسكرية تهدف إلى إدارة الموارد القتالية بعناية، مع استخدام أدوات أخرى أقل كلفة وأكثر قدرة على الاستنزاف.

وأوضح أن الطائرات المسيّرة باتت تلعب دورًا متزايدًا في الهجمات الإيرانية، حيث ارتفع عددها بشكل ملحوظ خلال الفترة نفسها، وبحسب الأرقام التي أوردها، أطلقت إيران في اليوم الأول نحو 294 طائرة مسيّرة، قبل أن يقفز العدد إلى 541 في اليوم الثاني، فيما استمرت الهجمات باستخدام هذا النوع من السلاح بوتيرة مرتفعة في الأيام اللاحقة.

ميزة اقتصادية

وفسر عزيزي هذا التحول بأن الطائرات المسيّرة تمنح إيران ميزة اقتصادية وعسكرية في الوقت نفسه، فتكلفة تصنيع الطائرة المسيّرة الواحدة قد لا تتجاوز عشرات آلاف الدولارات، بينما قد تصل تكلفة اعتراضها بواسطة صاروخ دفاع جوي إلى ما بين مليون ومليوني دولار، ويقول إن هذه المعادلة تجعل من استخدام المسيّرات أداة فعالة لاستنزاف الموارد المالية والعسكرية للخصم.

وأضاف أن هذه الاستراتيجية تقوم على مبدأ بسيط يتمثل في إجبار الدفاعات الجوية على استهلاك كميات كبيرة من الصواريخ الاعتراضية المكلفة لمواجهة أهداف منخفضة التكلفة، وهو ما قد يؤدي مع مرور الوقت إلى استنزاف مخزون تلك الصواريخ، خصوصًا إذا استمرت الهجمات لفترة طويلة.

كما أشار إلى أن استخدام الطائرات المسيّرة لا يهدف فقط إلى استنزاف الدفاعات الجوية، بل أيضًا إلى إرباك أنظمة الرصد والإنذار المبكر، خاصة عندما يتم إطلاقها بأعداد كبيرة وفي توقيتات متقاربة، ما يزيد من صعوبة التعامل معها جميعًا في وقت واحد.

ذخيرة عنقودية

وفي سياق متصل، تحدث عزيز عن ظهور مؤشرات على استخدام أنواع أخرى من الأسلحة خلال الحرب الجارية، من بينها الصواريخ المزودة بذخائر عنقودية، وهي أسلحة تنفجر في الجو وتطلق عددًا كبيرًا من القنابل الصغيرة التي تنتشر على مساحة واسعة قبل أن تسقط على الأرض.

ويؤدي استخدام هذا النوع من الذخائر إلى تعقيد مهمة أنظمة الدفاع الجوي، لأن الهدف لا يكون صاروخًا واحدًا يمكن اعتراضه، بل عشرات المقذوفات الصغيرة التي تنتشر في الهواء بعد انفجار الرأس الحربي. كما أن بعض هذه القنابل قد لا ينفجر فور سقوطه، ما يشكل خطرًا طويل الأمد على المناطق التي تسقط فيها.

ويرى عزيز أن الاستراتيجية العسكرية الإيرانية في هذه الحرب تعكس خبرة طهران في إدارة الحروب غير المتكافئة، حيث تعتمد على مزيج من الأسلحة المختلفة لتحقيق تأثير عسكري واقتصادي في الوقت نفسه.

فبدلاً من الاعتماد فقط على الضربات الصاروخية المكثفة، تسعى إيران إلى الجمع بين الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والهجمات المتزامنة من اتجاهات مختلفة، وهو ما يزيد الضغط على أنظمة الدفاع الجوي ويجعل اعتراض جميع الأهداف أكثر صعوبة.

وتمتلك طهران شبكة واسعة من قواعد الصواريخ تحت الأرض، تعرف إعلاميًا باسم "المدن الصاروخية"، وهي منشآت محصنة تضم منصات إطلاق ومخازن للصواريخ ومراكز صيانة، ما يمنح البرنامج الصاروخي الإيراني درجة عالية من القدرة على الصمود حتى في حال تعرض مواقع عسكرية أخرى للقصف.

ما هي الصواريخ العنقودية (انشطارية)؟


ومن ناحية أخرى أعلن المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي نداف شوشاني إن إيران استخدمت هذه ذخائر عنقودية في عدة هجمات متزامنة، مشيرًا إلى أن استخدام هذا النوع من الأسلحة ضد مناطق مأهولة قد يعد جريمة حرب، وفق تعبيره، مؤكداً أن السلطات العسكرية تتابع التطورات المرتبطة بهذا السلاح عن كثب.

وتعتمد الصواريخ المزودة برؤوس عنقودية على آلية مختلفة عن الصواريخ التقليدية، إذ ينفجر الرأس الحربي على ارتفاع معين في الهواء، ليطلق عشرات القنابل الصغيرة المعروفة باسم "الذخائر الفرعية"، وبعد انتشار هذه القذائف في نطاق واسع، تسقط بشكل منفصل نحو الأرض، ما يسمح بتغطية مساحة أكبر من الهدف مقارنة بالانفجار التقليدي لصاروخ واحد.

وتعد هذه الأسلحة من بين أكثر الذخائر إثارة للجدل في النزاعات المسلحة، لأنها مصممة لضرب عدة أهداف في وقت واحد بدلاً من إصابة نقطة محددة بدقة كما أن انتشار القنابل الصغيرة على نطاق واسع قد يؤدي إلى أضرار واسعة في البنية التحتية والمناطق المدنية.

إضافة إلى ذلك، تمثل الرؤوس العنقودية تحدياً خاصاً لأنظمة الدفاع الجوي، مثل منظومة القبة الحديدية أو نظام أرو، إذ يتعين على هذه الأنظمة التعامل مع عدد كبير من المقذوفات الصغيرة في الوقت نفسه بدلاً من اعتراض صاروخ واحد فقط، ما يزيد من احتمال وصول بعض الذخائر إلى الأرض.

ويكمن الخطر الأكبر في أن بعض القنابل الصغيرة قد لا تنفجر فور سقوطها، لتبقى على الأرض كأجسام متفجرة غير منفجرة، وهو ما قد يشكل تهديداً طويل الأمد حتى بعد انتهاء العمليات العسكرية.