مع اندلاع الحرب الجديدة بين دولة
الاحتلال والولايات المتحدة
من جهة، وإيران من جهة أخرى، في 28 شباط/فبراير 2026، يبرز سؤال حاسم: هل يملك
الاحتلال
الإسرائيلي مخزونا كافيا من الصواريخ الاعتراضية لمواجهة المسيرات
والصواريخ الباليستية؟.
وبدأت المواجهة بضربات إسرائيلية أمريكية مشتركة السبت، استهدفت
قواعد صواريخ ومنشآت نووية
إيرانية لمنع طهران من امتلاك سلاح نووي وتدمير قدراتها
البالستية، قبل أن ترد إيران بإطلاق عملية "الوعد الصادق" عبر مئات
الصواريخ والطائرات المسيرة نحو الأراضي المحتلة وقواعد أمريكية في الخليج، ما
أسفر عن مقتل خمسة جنود أمريكيين وإصابة 15 آخرين بهجمات مضادة.
وتزداد أهمية التساؤل حول المخزون الاعتراضي في ظل التحذيرات من
أن أي نقص قد يرفع الخسائر البشرية والمادية ويضغط على استراتيجية الاحتلال
القائمة على تدمير الصواريخ قبل إطلاقها، خاصة بعد صراع حزيران/يونيو 2025 الذي
استمر 12 يوما وشهد إطلاق مئات الصواريخ البالستية والطائرة المسيرة، ما أدى إلى
استنزاف كبير في مخزون الصواريخ الاعتراضية الإسرائيلية والأمريكية وأثار مخاوف من
انهيار الدفاعات تحت الإغراق الصاروخي المكثف.
طمأنة زائفة
ونقلت صحيفة "نيويورك تايمز" عن ران كوخاف، القائد
السابق لقوات الدفاع الجوي والصاروخي في دولة الاحتلال، تعليقه على التصريحات
المتفائلة في الإعلام الإسرائيلي بقوله: "لقد سمعت الجنرالات والصحفيين
والوزراء يقولون: لا، نحن بخير"، مضيفا: "إنها طمأنة زائفة".
وأنفقت
الولايات المتحدة آنذاك نحو 150 اعتراضيا من نظام
"ثاد"، بما يمثل 14 بالمئة إلى 20 بالمئة من مخزونها الكلي، وبتكلفة
بلغت 1.17 مليار دولار، بحسب تقرير صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية "CSIS"
واستخدمت دولة الاحتلال خلال الحرب السابقة مئات الصواريخ
الاعتراضية من أنظمتها المختلفة، ما أدى إلى نقص حاد في المخزون، بحسب تقرير آخر
للمركز ذاته.
وتكيفت إيران مع تطور النزاع في حزيران/يونيو 2025، فأطلقت
صواريخ من مناطق أبعد شرقا، وسعت إلى استغلال ثغرات في الدفاعات الإسرائيلية عبر
دفعات أصغر بوتيرة أكثر تكرارا وعلى مدار الساعة، ما أرهق الدفاعات الجوية.
منظومة دفاع متعددة الطبقات تحت الضغط
تعتمد دولة الاحتلال على منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات توصف
بأنها الأكثر تطورا عالميا، غير أن محدودية الذخائر تمثل تحديا رئيسيا.
ويستهدف نظام بـ"حيتس" أو ما يعرف بـ"أرو"
الصواريخ البالستية طويلة المدى مثل صواريخ شهاب أو فاتح الإيرانية، وقد استهلكت
دولة الاحتلال في حزيران/يونيو 2025 كميات كبيرة من اعتراضيات حيتس-2 وحيتس-3، كما
أن إنتاج أرو-3 محدود بـ100 وحدة سنويا، وقد يستغرق تجديد المخزون أكثر من 18 شهرا.
أما نظام "مقلاع داؤود" فيتعامل مع الصواريخ متوسطة
المدى بين 100 و200 كم والطائرات المسيرة، وكان فعالا في الحرب السابقة، لكنه
يعاني من نقص في الذخائر، خاصة مع إعادة بناء إيران لمخزونها إلى نحو 2000 صاروخ
"ثقيل" بحلول كانون الأول/ديسمبر 2025.
ويركز نظام "القبة الحديدية" على الصواريخ قصيرة
المدى والقذائف، ورغم فعاليته فإنه غير مخصص للتعامل مع هجمات إيرانية واسعة
النطاق، كما أن الاستخدام المكثف أثار مخاوف من نفاد الذخائر خلال أيام إذا استمرت
الكثافة الحالية، وأدخل الاحتلال نظام القبة الحديدية الليزري في أواخر 2025
لتقليل استهلاك الذخائر التقليدية، لكنه لا يزال في مراحل مبكرة.
كما نشرت الولايات المتحدة بطاريات "ثاد" في الأراضي
المحتلة لتعزيز الدفاع، إلا أن المخزون الأمريكي نفسه منخفض بعد الحرب السابقة، مع
تحذيرات من "نفاد الذخائر" خلال أسابيع إذا طال أمد الصراع، فيما قال
المحلل الدفاعي الإسرائيلي إيهود إيلام لـ"فوكس نيوز": "هناك حد
لعدد صواريخ ثاد التي يمكن استخدامها، هذه ليست أنظمة يمكن إعادة إنتاجها بين عشية
وضحاها".
تحذيرات دولية ومؤشرات خطورة
وصف مسؤولون أمريكيون الوضع بأنه حرج رغم سرية الأرقام الدقيقة
للمخزون.
وحذرت شبكة "فوكس نيوز" في تقرير نقلا عن مسؤولين
ومحللين من أن استمرار الضربات الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران قد يستنزف مخزونات
صواريخ الاعتراض الأمريكية سريعا، في ظل استخدامها لحماية القواعد بالشرق الأوسط
ودعم أوكرانيا، مع صعوبة تعويضها بسبب محدودية الإنتاج.
وأشارت الشبكة إلى أن أي تصعيد واسع قد يجعل صواريخ الدفاع
الجوي العامل الحاسم في الصراع، في ظل امتلاك إيران ترسانة كبيرة وقدرة على توسيع
المواجهة إقليميا، مع مخاطر عسكرية واقتصادية تمتد إلى أسواق الطاقة العالمية.
وحذر مقال في مجلة "فورين بوليسي" من أن الحملة
الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران قد تصطدم سريعا بمشكلة نفاد صواريخ الاعتراض
والذخائر الدقيقة، كما حدث في حرب 2025، حيث كادت دولة الاحتلال تستنزف مخزون "آرو
3" واضطرت لطلب دعم أمريكي عاجل.
وتراهن إيران على إغراق الدفاعات واستنزاف المخزون، بينما يظل
إنتاج الذخائر الاعتراضية بطيئا ومكلفا، ما يجعل نقص المخزون عاملا حاسما قد يطيل
أمد الحرب رغم التفوق التكنولوجي.
وفي السياق، يتصاعد القلق داخل وزارة الحرب الأمريكية وبين بعض أعضاء إدارة
الرئيس دونالد ترامب من احتمال خروج الصراع مع إيران عن
السيطرة، في ظل استمرار القتال واحتمال امتداده لأسابيع، بما يزيد الضغط على
مخزونات الدفاع الجوي الأمريكية المحدودة، بحسب صحيفة "واشنطن بوست".
ونقلت الصحيفة عن أشخاص مطلعين على الوضع أن "الجو هنا
متوتر ومليء بالشكوك"، مشيرين إلى مخاوف بين كبار القادة من أن يستمر القتال
لأسابيع، وهو ما قد يؤدي إلى استنزاف إضافي للذخائر الدفاعية.
وفي تقرير سابق لصحيفة "فايننشال تايمز" أكد الرئيس
التنفيذي لشركة الصناعات الجوية الإسرائيلية (IAI) أن خطوط إنتاج الصواريخ الاعتراضية تعمل
على مدار ثلاث نوبات بكامل طاقتها لإعادة ملء المخزونات المستنفدة جزئيا.
المخزون الإيراني.. استراتيجية استنزاف
تمتلك إيران مخزونا يقدر بين 1500 و2000 صاروخ متوسط المدى قادر
على الوصول إلى الأراي المحتلة والخليج، بعد أن أعادت بناء قدراتها عقب خسائر عام 2025
التي بلغت 35% إلى 40% من الإجمالي.
وأطلقت إيران خلال الـ24 ساعة الأولى من الحرب الجديدة نحو 400
إلى 500 صاروخ وطائرة مسيرة، في مؤشر على استراتيجية تهدف إلى استنزاف الدفاعات
الإسرائيلية بسرعة.
وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" أن الجانب الإسرائيلي
يركز حاليا على "صيد المنصات" الإيرانية قبل الإطلاق لتقليل الاعتماد
الكامل على الاعتراض.
ويعتمد الجانب الإسرائيلي على دعم أمريكي سريع، غير أن الإنتاج
الأمريكي محدود، بحسب ما ذكر وزير الحرب الأمريكي سابقا حين قال إن إيران تنتج
أضعاف الصواريخ البالستية مقارنة بما تنتجه الولايات المتحدة من صواريخ اعتراضية،
ما قد يؤثر على التزامات أخرى مثل أوكرانيا.
ورغم اعتراض الولايات المتحدة وحلفائها معظم النيران، فقد تمكنت
بعض الهجمات من اختراق الدفاعات، بما في ذلك وابل الصواريخ الذي استهدف قاعدة قاعد
الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين.
وتسعى إيران إلى استنزاف الخصم عبر كثافة الإطلاق، بينما يركز
الاحتلال على الضربات الوقائية لتدمير المنصات قبل استخدامها، ومع استمرار
المواجهة، قد تحسم قدرة إعادة التزويد مسار الصراع، وسط مخاوف دولية من اتساع رقعة
التصعيد إقليميا.