من غاندي إلى مودي.. كيف انقلبت بوصلة الهند من فلسطين إلى الاحتلال الإسرائيلي؟

مودي يرى علاقة الهند والاحتلال الإسرائيلي مبنية على “الدم والتضحية” - جيتي
منذ عقود، ارتبط اسم الهند بدعمها التاريخي للقضية الفلسطينية، استنادا إلى إرث سياسي وأخلاقي تشكل مع قادة الاستقلال الأوائل. ففي عام 1938، كتب المهاتما غاندي في صحيفة “الهاريجان” أن “فلسطين للفلسطينيين مثلما إنجلترا للإنجليز وفرنسا للفرنسيين”، معتبرا أن تحويل أرض العرب إلى وطن قومي لليهود “جريمة ضد الإنسانية”. 

وشكل هذا الموقف أساس السياسة الهندية اللاحقة، التي حافظ عليها أول رئيس وزراء للبلاد بعد استقلالها٬ جواهر لال نهرو، ورأى في نضال الفلسطينيين امتدادا لحركات التحرر من الاستعمار.

لكن هذا الإرث أخذ يتراجع تدريجيا، وصولا إلى عهد رئيس الوزراء ناريندرا مودي، حيث انتقلت نيودلهي من موقع الداعم التقليدي لفلسطين إلى شريك استراتيجي وثيق للاحتلال الإسرائيلي، في تحول وصفه مراقبون بأنه تغيير في بوصلة السياسة الخارجية الهندية.

بعد استقلالها في آب/أغسطس 1947، صوتت الهند في تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن تقسيم فلسطين إلى دولتين، كما عارضت عام 1949 قبول الاحتلال الإسرائيلي عضوا في الأمم المتحدة.

ورغم اعترافها القانوني بإسرائيل عام 1950، فإنها امتنعت عن إقامة علاقات دبلوماسية كاملة، مكتفية بتمثيل محدود. وفي المقابل، اعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا وحيدا للشعب الفلسطيني عام 1974، وسمحت بافتتاح مكتب لها في نيودلهي عام 1975، ثم كانت من أوائل الدول التي اعترفت بدولة فلسطين عام 1988.

لم يكن ذلك موقفا رسميا فحسب، بل انعكاسا لرؤية شعبية واسعة اعتبرت فلسطين مرآة لتجربة الهند تحت الاستعمار البريطاني.


تعاون عسكري مبكر... خلف الكواليس

رغم الدعم السياسي العلني للفلسطينيين، شهد عام 1971 بداية تعاون عسكري غير معلن بين الهند والاحتلال الإسرائيلي في ظل التوتر مع باكستان. وتشير تقارير إلى حصول نيودلهي على معدات عسكرية إسرائيلية عبر قنوات وسيطة.

كما نقل أن رئيسة وزراء الاحتلال السابقة غولدا مئير عرضت توسيع التعاون مقابل اعتراف دبلوماسي كامل، غير أن الهند لم تستجب حينها. وتحدثت مصادر عن عرض إسرائيلي في مطلع الثمانينيات لتنفيذ عملية مشتركة ضد منشآت نووية باكستانية، لكن نيودلهي لم تمض قدما في ذلك.

مع انتهاء الحرب الباردة، أعادت الهند ترتيب أولوياتها، وأقامت في كانون الثاني/يناير 1992 علاقات دبلوماسية كاملة مع الاحتلال الإسرائيلي. وفي عام 1999، دعم الاحتلال الهند عسكريا خلال حرب كارجيل ضد باكستان.

ومنذ مطلع الألفية، أصبحت الهند من أكبر مستوردي السلاح الإسرائيلي، لتنمو العلاقة الدفاعية بوتيرة متسارعة.

مودي والعلاقة الاستراتيجية المفتوحة

شكل وصول ناريندرا مودي إلى السلطة عام 2014 نقطة تحول واضحة. ففي 2017، قام بأول زيارة لرئيس وزراء هندي إلى الأراضي المحتلة٬ كاسرا تقليدا دبلوماسيا قديما كان يقضي بعدم زيارة إسرائيل دون زيارة السلطة الفلسطينية.

وفي أيلول/سبتمبر 2025، وقعت الهند والاحتلال اتفاقية لتعزيز وحماية الاستثمار المتبادل، وأعلنت وزارة المالية الإسرائيلية أنها أول دولة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية توقع مثل هذه الاتفاقية مع الهند. وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 3.9 مليارات دولار عام 2024.

وخلال زيارة مودي التي بدأها الأربعاء، منح رئيس الكنيست الإسرائيلي أمير أوحانا رئيس الوزراء الهندي ما أعلن عنه باسم “وسام الكنيست”، تقديرا لما وصفه بـ”مساهمته الكبيرة في العلاقات الهندية الإسرائيلية”، قائلا إنه “ولأول مرة في تاريخ الكنيست” يمنح هذا الوسام لرئيس وزراء الهند.

وفي كلمته أمام الكنيست، شدد مودي على التزام بلاده بتوسيع التجارة والاستثمار، معتبرا أن معاهدة الاستثمار الثنائية ستوفر “اليقين والآفاق الواضحة” للشركات في الجانبين.

من جانبه، رحب زعيم المعارضة يائير لابيد بمودي قائلا: “دولة إسرائيل بأكملها تكن لكم تقديرا كبيرا لقيادتكم وصداقتكم، فقد كنتم إلى جانبنا في أوقاتنا العصيبة”.

تأتي زيارة مودي في وقت يسعى فيه رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى تشكيل تحالف يضم الهند واليونان وقبرص ودولا عربية وإفريقية، في مواجهة ما وصفه بمحورين “شيعي وسني متطرفين”.

وتزامنت الزيارة مع استمرار حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة التي بدأت في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023 واستمرت عامين، في ظل ملاحقة نتنياهو أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهم تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق الفلسطينيين.


أين ذهبت فلسطين؟

رغم استمرار الهند أحيانا في تبني تصويتات متوازنة في الأمم المتحدة، فإن حجم التعاون الدفاعي والاستخباراتي المتنامي مع الاحتلال أضعف صورة نيودلهي كمدافع تقليدي عن حركات التحرر.

وتحدث تقرير لموقع “ميدل إيست آي” عن تحول واضح في أولويات الخطاب الرسمي الهندي، حيث تركز الزيارات على “التعاون الاستراتيجي والابتكار”، مقابل الاكتفاء ببيانات عامة عن “السلام” دون ضغط فعلي على إسرائيل بشأن غزة أو الاستيطان.

كما شهدت ولايات يحكمها الحزب الهندي الحاكم بهاراتيا جاناتا٬ حملات قمع لأنشطة مؤيدة لفلسطين، حيث سجلت قضية ضد 14 شخصا في راجستان لرفعهم علم فلسطين، فيما أعرب رئيس وزراء ولاية أوتار براديش يوغي أديتياناث عن دعمه للحرب الإسرائيلية على غزة.

نشرت مجلة “ذا دبلومات” الأمريكية تقريرا أكد أن تحول السياسة الهندية تجاه الاحتلال٬ مرتبط بصعود القومية الهندوسية، وسعي حكومة مودي للحفاظ على علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، إضافة إلى أجندة قومية تعتبر الاحتلال نموذجا “لدولة تواجه التطرف الإسلامي”.

وأضافت المجلة أن العلاقة تسارعت في عهد مودي إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، وأن الحكومة تروج لفكرة أن دعم إسرائيل يعزز مكانة الهند كقوة عالمية. 

لكنها أشارت إلى أن كثيرين في الهند ما زالوا يدعمون حق الفلسطينيين في تقرير المصير، إلا أن المناخ السياسي الحالي يجعل التعبير العلني عن ذلك أكثر صعوبة، وهو ما وافقه عليه أشوك سوين، أستاذ أبحاث السلام والصراع بجامعة أوبسالا السويدية.

بين مقولة غاندي عام 1938، وتصويت الهند ضد تقسيم فلسطين عام 1947، وزيارة مودي الحالية وتكريمه في الكنيست، مسار طويل يعكس تحولا جذريا في السياسة الهندية.

تحول لم يلغ رسميا دعم نيودلهي لقيام دولة فلسطينية، لكنه أعاد ترتيب الأولويات بحيث أصبحت العلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي سياسيا وعسكريا واقتصاديا في صدارة المشهد، فيما تراجع الحضور العملي للقضية الفلسطينية في أجندة الهند الخارجية إلى موقع ثانوي.