تعمق حكومة
الاحتلال الإسرائيلي، الحصار المالي على السلطة
الفلسطينية مع مواصلتها احتجاز
أموال الضرائب الفلسطينية "المقاصة" التي تمثل العصب المالي لمنظومة الرواتب الحكومية، مقابل منح نفسها حق الصرف، تحت ذريعة تعويض قتلى العمليات الفدائية.
ومنذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، زادت حكومة الاحتلال الاقتطاعات غير القانونية من عائدات الضرائب الفلسطينية، حيث دفع وزير المالية الإسرائيلي، المتطرف، بتسلئيل سموتريتش، بخطوات إضافية لاقتطاع مزيد من أموال الضرائب الفلسطينية، منها منح "تعويضات" لقتلى العمليات الفدائية، وأخرى تتعلق بتحصيل المزيد من أثمان الكهرباء التي تبيعها "إسرائيل" لمناطق السلطة الفلسطينية، في خطوة من شأنها تعميق أزمة السلطة المالية.
وفي عملية سلب منظمة، حوّلت سلطة التنفيذ والجباية الإسرائيلية، الثلاثاء، 258 مليون شيكل (82.5 مليون دولار) من عائدات الضرائب الفلسطينية إلى عائلات إسرائيلية، زُعم أنها متضررة من عمليات نفّذها فلسطينيون.
كيف تتحكم "إسرائيل" في الأموال الفلسطينية؟
حدد
بروتوكول باريس الاقتصادي الموقع عام 1994، العلاقة الاقتصادية بين دولة الاحتلال والسلطة الفلسطينية ومن أبرز بنوده قيام "إسرائيل" بجباية الجمارك والضرائب المختلفة للسلع المستوردة للأراضي الفلسطينية، فكون "إسرائيل" تسيطر على المعابر والحدود، فإنها تسيطر على كل الصادرات والواردات الفلسطينية التي يجب أن تمر عبرها.
وينص البروتوكول الاقتصادي على اقتطاع 3% من أموال الضرائب لصالح دولة الاحتلال (كعمولة إدارية) وتسليم تلك الإيرادات للسلطة الفلسطينية على أساس تقاص شهري، علما أنها تشكّل حوالي 65% من إجمالي الإيرادات العامة للخزينة الفلسطينية.
واستخدمت تلك العائدات كأدة سياسية لفرض حصار مالي على السلطة الفلسطينية، ونتيجة لذلك، تواجه الحكومة الفلسطينية وضعا ماليا خطيرا زاد من تفاقمه تراجع الأنشطة الاقتصادية الشاملة، بما فيها التجارة الخارجية، والانخفاض الحاد في الدعم المالي الذي يقدمه المانحون لموازنة الحكومة في السنوات الأخيرة.
كم حجم الأموال المحتجزة؟
ووفقا
للمعطيات الرسمية، تواصل حكومة الاحتلال احتجاز حوالي 9.5 مليار شيكل بشكل غير قانوني (حوالي 3.03 مليار دولار) من الأموال الفلسطينية منذ عام 2019.
وتقتطع حكومة الاحتلال سنويا ما يزيد على مليار شيكل (حوالي 270 مليون دولار) من عائدات المقاصة بحجة تغطية فواتير الكهرباء والمياه، خاصة في قطاع غزة، علما أنه لا توجد آلية تدقيق قوية للتحقق من صحة ودقة فواتير الخدمات هذه، وخلافا للاتفاقيات الموقعة، يتم اقتطاع أموال أخرى غير محددة ترفض حكومة الاحتلال الكشف عنها.
كما تواصل حكومة الاحتلال اقتطاع مبالغ من إيرادات المقاصة تقدّر بنحو 500 مليون شيكل (نحو 136.6 مليون دولار أمريكي) شهريا، توازي مخصصات الرعاية الاجتماعية للمعتقلين وأسر الشهداء، وحصة غزة، وفواتير الكهرباء والمياه، وغيرها، ما ضاعف العبء المالي على موازنة الحكومة. وتستخدمها في منح تعويضات لعائلات قتلى العمليات.
وشرعن الاحتلال هذا الاقتطاع حين أقر الكنيست في عام 2018 قانونًا يُلزم الحكومة الإسرائيلية بخصم مبالغ من أموال المقاصة تعادل ما تدفعه السلطة الفلسطينية كمخصصات للأسرى وعائلات الشهداء.
كم بلغ الدين العام الفلسطيني؟
ومنذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، تصرف الحكومة الفلسطينية أجورًا منقوصة لموظفيها، بسبب الأزمة المالية الحادة الناتجة عن زيادة الاقتطاعات الإسرائيلية من أموال المقاصة، وتراجع وتيرة المنح الخارجية.
وبحسب مراقبين، يهدد استمرار احتجاز أموال المقاصة التي تشكّل أكثر من ثلثي إيرادات الدولة، قدرة المؤسسات الحكومية على الإيفاء بالتزاماتها المالية تجاه مختلف القطاعات الحيوية، خصوصا القطاع الصحي وما يعانيه من نقص في الأدوية والمستلزمات الطبية، الأمر الذي يهدد بشلل القطاع الصحي، إضافة إلى تقويض قدرة باقي المؤسسات على أداء واجباتها، إلى جانب مؤشرات خطيرة مثل تصاعد مستويات الفقر والبطالة وانعكاسات ذلك على السلم الأهلي والمجتمعي والاستقرار الداخلي.
وقال وزير المالية الفلسطيني إسطفان سلامة، في تصريحات إذاعية مطلع الشهر الجاري، إن "إسرائيل" تسعى إلى تدمير السلطة الفلسطينية، محذرا من أن سنة 2026 ستكون الأصعب ماليا منذ 32 عاما.
وكشف أن الدين العام للحكومة الفلسطينية تجاوز 15.4 مليار دولار، وهو رقم "ضخم جداً مقارنة بحجم الاقتصاد المحلي". وأمام هذا الواقع، تلجأ الحكومة الفلسطينية، وفق الوزير إسطفان، إلى الاقتراض من البنوك باعتباره وسيلة اضطرارية.
ما خيارات السلطة الفلسطينية؟
الخبير الاقتصادي أحمد مصبح قال، إن أكبر مشكلة تكمن في تفاصيل اتفاق باريس الاقتصادي، تتمثل في عدم وجود سقف زمني له، إذ لم يحدد بفترة زمنية، ما يعني أنه اتفاق "دائم"، لم يعط الفلسطينيين فرصة لتقييمه، أو التعديل عليه فيما بعد.
وأضاف مصبح في حديث سابق لـ"عربي21" أن "تفصيلات الخلل والعوار في بنود الاتفاق كثيرة، وتعطي هيمنة مطلقة وكاملة على الاقتصاد الفلسطيني"، مشيرا إلى أن السلطة الفلسطينية بموجبه "ممنوعة من إصدار عملة، أو إنشاء بنك مركزي، كما تم تحديد السلع المستوردة ونوعيتها، وقيمة الضرائب على هذه السلع، فضلا عن إلزام الفلسطينيين باستيراد سلع من السوق الإسرائيلية، ما يعني أن السلطة الفلسطينية كانت قد وقعت على اتفاقية احتلال اقتصادي، أعطت إسرائيل سيطرة كاملة على الاقتصاد الفلسطيني".
ولفت إلى أن الاحتلال يعتبر السوق الفلسطيني سوقا حيا، وموردا رئيسا لاقتصاده، وقال: "لو تتبعنا حجم ما يباع ويستهلك في الأراضي الفلسطينية من بضائع ومستهلكات إسرائيلية، نجد أنه (السوق الفلسطيني) أكبر سوق استهلاكي للاحتلال، ما يعني أنه لن يتخلى عنه".