الإصلاح المالي تحت الضغط.. النفوذ السياسي يربك المشهد النقدي في ليبيا

 لا يتوقف مستقبل مصرف ليبيا المركزي على بقاء محافظ أو رحيله فحسب، بل يرتبط بقدرة المؤسسات الليبية على حماية السياسة النقدية من التجاذبات السياسية، وإعادة بناء الثقة في النظام المالي.. الأناضول
لا يتوقف مستقبل مصرف ليبيا المركزي على بقاء محافظ أو رحيله فحسب، بل يرتبط بقدرة المؤسسات الليبية على حماية السياسة النقدية من التجاذبات السياسية، وإعادة بناء الثقة في النظام المالي.. الأناضول
شارك الخبر
دخل ملف مصرف ليبيا المركزي مرحلة جديدة من التوتر، بعدما طلب رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة من المحافظ ناجي عيسى مواصلة أداء مهامه إلى حين النظر في طلب استقالته والبت فيه، في وقت تواجه فيه السوق الليبية ضغوطاً متزايدة على سعر صرف الدينار، وسط حديث من داخل المصرف عن تعثر جهود الإصلاح المالي بسبب تدخلات أصحاب النفوذ في القرار السياسي والمالي والإداري.

وبحسب ما أُعلن الاثنين، وجّه تكالة إلى عيسى طلباً بالاستمرار في أداء مهامه، رغم تقدم الأخير بطلب للاعتذار عن مواصلة العمل محافظاً للمصرف، وذلك إلى حين استكمال الإجراءات اللازمة بشأن طلبه. وأوضح المجلس الأعلى للدولة أن عيسى تقدم بكتاب رسمي مؤرخ في 9 آب/ أغسطس الجاري، تسلمه تكالة في اليوم التالي، متضمناً طلبه عدم الاستمرار في منصبه، من دون أن تُعلن أسباب الاستقالة في الكتاب.

تكالة: استمرار المحافظ ضرورة في هذه المرحلة


وبرر تكالة طلبه بضرورة ضمان استمرارية عمل مصرف ليبيا المركزي وعدم حدوث فراغ في قيادة المؤسسة النقدية، في ظل الظروف الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد.

وأكد أن استمرار عيسى في منصبه خلال هذه المرحلة من شأنه الحفاظ على استقرار الأوضاع المالية والنقدية، وضمان انتظام عمل مؤسسات الدولة، داعياً المحافظ إلى مواصلة الاضطلاع بمسؤولياته كاملة إلى حين النظر في طلبه واتخاذ القرار بشأنه وفق الإجراءات والاختصاصات القانونية والدستورية.

كما حثه على التركيز بصورة خاصة على ضبط الإنفاق العام، ومنع أي تجاوزات في استخدامات النقد الأجنبي، إضافة إلى متابعة التعاملات المالية التي تجريها المصارف التجارية.

ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن وضع الدينار الليبي وسوق الصرف، مع اتساع الفارق بين السعر الرسمي والسعر المتداول في السوق الموازية، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على أسعار السلع والخدمات وعلى القدرة الشرائية للمواطنين.

عيسى يؤكد استقالته وينفي تسريبها


وكان محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى قد أكد لوسائل إعلام محلية تقدمه باستقالته من منصبه، نافياً في الوقت نفسه أن يكون مسؤولاً عن تسريب خبر الاستقالة إلى وسائل الإعلام.

ويضيف هذا النفي بعداً آخر إلى المشهد، في ظل غموض لا يزال يحيط بالأسباب الفعلية التي دفعت المحافظ إلى طلب مغادرة منصبه، وعدم صدور توضيح رسمي مفصل منه بشأن خلفيات القرار.

وتأتي استقالة عيسى، إن تم قبولها، في لحظة حساسة بالنسبة للمصرف المركزي، الذي يحتل موقعاً محورياً في إدارة موارد الدولة النفطية، والسياسة النقدية، وإدارة النقد الأجنبي، والإشراف على القطاع المصرفي، في بلد ما زال يعاني من الانقسام السياسي والمؤسسي.

"تعطل الإصلاح المالي"


وفي موازاة التطورات السياسية المتعلقة بمستقبل المحافظ، نقلت وسائل إعلام ليبية عن مصدر من مصرف ليبيا المركزي قوله إن الإصلاح المالي يواجه عراقيل مرتبطة بما وصفه بـ"هيمنة أصحاب النفوذ على القرار السياسي والمالي والإداري".

وقال المصدر إن استمرار تدخل أصحاب النفوذ في عمل مؤسسات الدولة أسهم في عرقلة جهود الإصلاح، مضيفاً أن المصرف المركزي "لن يتحمل فشل غيره"، في إشارة إلى تحميل جهات أخرى مسؤولية ما يواجهه المسار المالي من صعوبات.

وبحسب المصدر، فإن التدخلات في عمل المؤسسات انعكست على سوق الصرف، وأسهمت في زيادة الضغوط على الدينار الليبي أمام الدولار في السوق الموازية.

وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة لأنها تأتي من داخل المؤسسة النقدية نفسها، وإن كانت لا تمثل، وفق المعطيات المتاحة، بياناً رسمياً صادراً عن مصرف ليبيا المركزي، الأمر الذي يجعلها توصيفاً منسوباً إلى مصدر داخل المصرف وليس موقفاً مؤسسياً معلناً.

الدولار يتجاوز 9.5 دنانير في السوق الموازية


وتزامنت أزمة الاستقالة مع تراجع جديد في سعر صرف الدينار الليبي في السوق الموازية، حيث تجاوز سعر الدولار مستوى 9.5 دنانير، في مؤشر على حجم الضغوط التي تواجه العملة المحلية.

ويمثل سعر الصرف أحد أكثر المؤشرات حساسية في الاقتصاد الليبي، نظراً لاعتماد البلاد الكبير على الإيرادات النفطية وعلى الواردات لتلبية جانب واسع من احتياجات السوق المحلية. ولذلك فإن أي اضطراب في سوق النقد الأجنبي سرعان ما ينعكس على أسعار السلع، ولا سيما في ظل اتساع الطلب على العملة الأجنبية.

ويأتي الضغط على الدينار بينما يحاول مصرف ليبيا المركزي الحفاظ على أدواته النقدية والحد من الاختلالات في سوق الصرف، في وقت تتداخل فيه السياسة المالية مع الانقسام السياسي والصراع على إدارة الموارد العامة.

وكان المصرف قد أكد في تقاريره وأعماله السابقة أهمية تعزيز استقرار القطاع المالي والمصرفي وتطوير الرقابة على المصارف، فيما تشير وثائق المصرف إلى أن ناجي عيسى يشغل منصب المحافظ ويرأس مجلس إدارته.

أزمة تتجاوز منصب المحافظ


ولا تبدو أزمة استقالة عيسى منفصلة عن السياق السياسي والاقتصادي الأوسع في ليبيا. فالمصرف المركزي ظل خلال السنوات الماضية واحداً من أكثر المؤسسات حساسية في الصراع الليبي، بالنظر إلى دوره في إدارة الإيرادات العامة والسيولة والنقد الأجنبي وتمويل الإنفاق الحكومي.

ومن ثم، فإن مغادرة المحافظ لمنصبه، في حال قبول استقالته، قد تفتح الباب أمام أسئلة تتعلق بخليفته وبطبيعة السياسة النقدية التي ستتبعها المؤسسة خلال المرحلة المقبلة، فضلاً عن تأثير ذلك على الأسواق وثقة المتعاملين.

أما استمرار عيسى مؤقتاً، بناء على طلب تكالة، فيهدف إلى منع حدوث فراغ إداري في رأس المؤسسة النقدية، لكنه لا يحسم السؤال الأساسي المتعلق بأسباب طلب الاستقالة ولا بالمصير النهائي للمحافظ.

وفي ظل بلوغ الدولار مستويات قياسية جديدة في السوق الموازية، فإن أي تطورات إضافية بشأن قيادة المصرف المركزي قد تكون لها انعكاسات مباشرة على السوق، خصوصاً إذا اقترنت بتوتر سياسي أو بخلافات حول إدارة الإنفاق العام والنقد الأجنبي.

وتضع هذه التطورات السلطات الليبية أمام اختبار مزدوج: الحفاظ على استقرار المؤسسة النقدية من جهة، والمضي في إصلاحات مالية حقيقية قادرة على الحد من الإنفاق غير المنضبط والتدخلات السياسية من جهة أخرى.

وفي نهاية المطاف، لا يتوقف مستقبل مصرف ليبيا المركزي على بقاء محافظ أو رحيله فحسب، بل يرتبط بقدرة المؤسسات الليبية على حماية السياسة النقدية من التجاذبات السياسية، وإعادة بناء الثقة في النظام المالي، ووقف انتقال كلفة الانقسامات السياسية إلى المواطن الليبي عبر سعر الصرف وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
التعليقات (0)