أزمة سبتة تفتح مواجهة الروايات.. "البوليساريو" في مواجهة الرباط ومدريد

فيما تتبادل الرباط ومدريد والبوليساريو الاتهامات والتفسيرات، يبقى السؤال الأهم: هل كانت موجة الهجرة نتيجة انفجار عفوي تغذيه الشائعات وشبكات التهريب، أم أنها استُخدمت بالفعل كورقة ضغط سياسي؟ غيتي
فيما تتبادل الرباط ومدريد والبوليساريو الاتهامات والتفسيرات، يبقى السؤال الأهم: هل كانت موجة الهجرة نتيجة انفجار عفوي تغذيه الشائعات وشبكات التهريب، أم أنها استُخدمت بالفعل كورقة ضغط سياسي؟ غيتي
شارك الخبر
فتحت أزمة التدفق الجماعي للمهاجرين إلى مدينة سبتة الإسبانية مواجهة جديدة على مستوى الروايات السياسية، بعدما دخلت جبهة "البوليساريو" على خط الأزمة، متهمة المغرب باستخدام مواطنيه "وقوداً للمدافع" وورقة للضغط والابتزاز على إسبانيا والاتحاد الأوروبي، في وقت تقدم فيه الرباط ومدريد تفسيرين مختلفين لأسباب موجة الهجرة غير المسبوقة وتداعياتها.

وفي مقابلة مع قناة "آرتي" الدولية باللغة الإنجليزية، قال ممثل جبهة البوليساريو لدى الأمم المتحدة والمنسق مع بعثة "مينورسو"، سيدي محمد عمار، إن ما حدث في سبتة يحمل بعداً إنسانياً وآخر أمنياً وسياسياً، معتبراً أن حجم التدفق وسهولة وصول الآلاف إلى المدينة الإسبانية يثيران أسئلة حول طبيعة الدور المغربي في إدارة الحدود.

لكن هذه الرواية تواجه تفسيراً مغربياً يركز على عوامل أخرى، بينها شبكات تهريب المهاجرين والشائعات التي انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي، فضلاً عن تطورات قانونية في إسبانيا قال مسؤول مغربي إنها أثرت في حسابات المهاجرين وشجعت أعداداً كبيرة منهم على محاولة الوصول إلى سبتة.

أما مدريد، فربطت جانباً من الأزمة بتغير الإطار القانوني المتعلق بإعادة المهاجرين، مؤكدة في الوقت نفسه تعاونها مع المغرب لإعادة أعداد كبيرة ممن دخلوا المدينة.

وهكذا تحولت سبتة من أزمة هجرة إلى ساحة لتضارب الروايات بين ثلاث جهات تتقاطع مصالحها وتتصادم أجنداتها: المغرب، وإسبانيا، وجبهة البوليساريو.

البوليساريو: المغرب يستخدم الهجرة للضغط


وقال سيدي محمد عمار إن ما جرى في سبتة لا يمكن، من وجهة نظره، التعامل معه باعتباره مجرد موجة هجرة عفوية، مشيراً إلى أن الحدود البرية والبحرية لسبتة ومليلية تعد من أكثر الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي تحصيناً وتشديداً من الناحية الأمنية.

وأضاف أن وصول عشرات الآلاف من الأشخاص إلى سبتة خلال فترة قصيرة، وفق روايته، يطرح تساؤلات بشأن كيفية تمكنهم من اجتياز هذه الحدود.

واستند المسؤول الصحراوي إلى مشاهد متداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي قال إنها تظهر عناصر مغربية ينقلون أشخاصاً في شاحنات عسكرية، إضافة إلى شهادات نقلتها وكالة "فرانس برس" عن أشخاص قالوا إنهم تمكنوا من الوصول إلى الحدود دون عوائق كبيرة.

وبناء على ذلك، اتهم عمار السلطات المغربية بالتورط في إدارة موجة التدفق، معتبراً أن الرباط اعتادت، بحسب وصفه، استخدام ملفات الهجرة وغيرها من الملفات الحساسة للضغط على شركائها الأوروبيين.

وقال إن المغرب "دأب على استخدام شعبه وقوداً للمدافع"، معتبراً أن المواطنين الذين خاطروا بحياتهم للوصول إلى سبتة تحولوا إلى ضحايا لصراع سياسي يتجاوز ظروفهم الإنسانية والاجتماعية.

ولم تقدم جبهة البوليساريو، في تصريحات عمار، دليلاً مستقلاً يحسم مسؤولية السلطات المغربية عن تنظيم موجة التدفق، بينما تنفي الرباط اتهامات من هذا النوع.

الرباط: الشائعات وشبكات التهريب في صلب الأزمة


في المقابل، قدمت السلطات المغربية تفسيراً مختلفاً للأحداث، رافضة الاتهامات التي تفيد بأنها سمحت عمداً بتدفق المهاجرين إلى سبتة بهدف الضغط على إسبانيا.

وأشارت الرباط إلى الدور الذي لعبته منصات التواصل الاجتماعي في نشر معلومات وشائعات دفعت أعداداً كبيرة من الأشخاص إلى التوجه نحو الحدود، فضلاً عن نشاط شبكات تهريب المهاجرين التي تستفيد من رغبة الراغبين في الوصول إلى الأراضي الأوروبية.

كما ربط مسؤول مغربي الأزمة بتطور قضائي في إسبانيا، قال إنه كان ينبغي على مدريد أن تتوقع تأثيره على حركة المهاجرين.

وبحسب تصريحات نقلتها تقارير إعلامية، اعتبر مسؤول مغربي أن قراراً قضائياً إسبانياً صدر في يوليو/تموز وأضعف قدرة السلطات على إعادة بعض المهاجرين الذين يصلون إلى سبتة ساهم في زيادة التدفق.

وبذلك تضع الرباط الأزمة في سياق مختلف عن الرواية التي تتبناها البوليساريو: أزمة ناجمة عن تداخل شبكات الهجرة غير النظامية والشائعات الرقمية والتطورات القانونية الإسبانية، وليس عملية منظمة من جانب الدولة المغربية لاستخدام المهاجرين أداة للضغط السياسي.

مدريد: تدفق استثنائي وإعادة آلاف المهاجرين


أما الرواية الإسبانية فتتمحور حول حجم التدفق الاستثنائي الذي شهدته سبتة، وقدرة السلطات على احتوائه بالتعاون مع المغرب.

وأفادت تقارير بأن نحو 72 ألف شخص حاولوا الوصول إلى المدينة خلال الأزمة، فيما أعادت السلطات الإسبانية آلاف الأشخاص إلى المغرب.

وأشارت مدريد إلى أن نحو 69,500 شخص أعيدوا إلى المغرب بعد موجة الدخول، في حين بقي عدد من القاصرين في سبتة بسبب القواعد القانونية التي تحكم التعامل مع الأطفال غير المصحوبين.

كما ألقت السلطات الإسبانية الضوء على البعد القانوني للأزمة، ولا سيما بعد قرار قضائي أثر في إجراءات إعادة بعض المهاجرين، الأمر الذي جعل التعامل مع التدفق أكثر تعقيداً.

وتختلف الرواية الإسبانية، بذلك، عن رواية البوليساريو في تفسير مصدر الأزمة؛ فبينما ترى الجبهة أن سهولة العبور تشير إلى دور مغربي مقصود، تركز مدريد على التدفق نفسه، والتحديات القانونية والإنسانية والأمنية التي واجهتها، وعلى ضرورة التعاون مع الرباط للحد من الهجرة غير النظامية.

مأساة إنسانية خلف صراع الروايات


وبعيداً عن الخلاف السياسي، حملت أزمة سبتة ثمناً إنسانياً ثقيلاً. فقد تحدثت تقارير عن وفاة عشرات الأشخاص أثناء محاولات العبور، فيما لا تزال عائلات تبحث عن أقارب مفقودين.

وكانت حصيلة الوفيات قد قدرت في مرحلة مبكرة بنحو 72 شخصاً، قبل أن تشير تقارير لاحقة إلى ارتفاع العدد إلى أكثر من 80، مع استمرار أعمال البحث والتعرف إلى الضحايا.

وتحولت مدينة الفنيدق المغربية، القريبة من سبتة، إلى نقطة تجمع لعائلات تبحث عن أبنائها، في مشهد كشف الوجه الأكثر قسوة للأزمة، بعيداً عن الحسابات السياسية للرباط ومدريد والبوليساريو.

كما بقي أكثر من ألف قاصر في سبتة، وفق تقارير، بسبب القيود القانونية على إعادة الأطفال غير المصحوبين إلى المغرب.

سيدي محمد عمار يستحضر "المسيرة الخضراء"


ولم يكتف ممثل البوليساريو بتناول التطورات الراهنة، بل وضعها في سياق تاريخي أوسع، مستحضراً ما وصفه بسياسة مغربية قديمة في استخدام الضغط الشعبي لتحقيق أهداف سياسية.

وأشار إلى "المسيرة الخضراء" التي نظمها المغرب باتجاه الصحراء الغربية عام 1975، معتبراً أنها مثال سابق على استخدام التحرك الجماهيري في مواجهة إسبانيا.

وتكمن أهمية استدعاء هذا الحدث في أن أزمة سبتة لا تُقرأ في خطاب البوليساريو باعتبارها أزمة هجرة مستقلة، وإنما باعتبارها حلقة ضمن صراع أوسع مع المغرب حول الصحراء الغربية وموقع الرباط في المنطقة.

ومن ثم، فإن دخول البوليساريو على خط أزمة سبتة لا يتعلق فقط بمسألة المهاجرين، بل يمثل محاولة لإعادة تفسير الأزمة ضمن الصراع السياسي الممتد بين الجبهة والمغرب، واستثمارها لإثارة أسئلة حول طبيعة العلاقة بين الرباط ومدريد والاتحاد الأوروبي.

الهجرة.. ورقة في علاقة معقدة


ويحتل ملف الهجرة موقعاً مركزياً في العلاقة بين المغرب والاتحاد الأوروبي. فبروكسل تعتبر الرباط شريكاً رئيسياً في مكافحة الهجرة غير النظامية وتهريب البشر، فيما ينظر المغرب إلى التعاون في هذا المجال باعتباره جزءاً من شراكة سياسية وأمنية واقتصادية أوسع.

وتقول البوليساريو إن اعتماد أوروبا على المغرب في ضبط الحدود يجعل ملف الهجرة ورقة ضغط في يد الرباط، بينما يرى المغرب أن التعاون الأمني والهجرة يخضعان لشراكة متبادلة وليس لعملية ابتزاز.

وتكشف أزمة سبتة هشاشة هذه المعادلة؛ إذ إن الدولة التي تعتمد عليها أوروبا في ضبط جزء مهم من حدودها الجنوبية تجد نفسها في الوقت نفسه موضع اتهام باستخدام تلك الحدود كورقة ضغط.

وفي المقابل، يصعب على الاتحاد الأوروبي الاستغناء عن التعاون المغربي، بالنظر إلى الموقع الجغرافي للمملكة والدور الذي تلعبه في مواجهة شبكات تهريب البشر والمخدرات.

المخدرات والإرهاب.. اتهامات أخرى على طاولة المواجهة


وفي مقابلته، وسع سيدي محمد عمار نطاق اتهاماته ليشمل ملفي الإرهاب والمخدرات، محاولاً التشكيك في الصورة التي تقدم بها بعض العواصم الأوروبية المغرب باعتباره "حليفاً استراتيجياً" في المنطقة.

وأشار إلى مشاركة أشخاص من أصول مغربية في عدد من الهجمات الإرهابية التي شهدتها أوروبا، وإلى الدور الذي يلعبه المغرب في تجارة القنب الهندي المتجهة إلى الأسواق الأوروبية.

غير أن الربط بين هذه الملفات وسياسة الدولة المغربية يحتاج إلى قدر من التحفظ؛ فوجود مواطنين من أصل مغربي بين منفذي عمليات إرهابية لا يعني بحد ذاته مسؤولية الدولة المغربية عن تلك العمليات، كما أن مكافحة تجارة المخدرات تمثل مجالاً للتعاون بين المغرب وأجهزة الأمن الأوروبية، لا دليلاً تلقائياً على تورط الدولة فيها.

وتبرز هنا مرة أخرى طبيعة الصراع على الرواية: البوليساريو يستخدم هذه الملفات للطعن في صورة المغرب كشريك أمني لأوروبا، بينما تقدم الرباط نفسها باعتبارها طرفاً أساسياً في التعاون الأمني ومكافحة الجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية.

سبتة.. أزمة حدود أم ورقة في صراع أكبر؟


تضع أزمة سبتة الأطراف الثلاثة أمام اختبار سياسي معقد. فبالنسبة إلى إسبانيا، القضية تتعلق بحماية حدود الاتحاد الأوروبي وإدارة الهجرة والالتزام بالقواعد القانونية الخاصة بالمهاجرين والقاصرين.

وبالنسبة إلى المغرب، فإن الأزمة مرتبطة بتحديات الهجرة غير النظامية وشبكات التهريب والشائعات، إضافة إلى تعقيدات العلاقة مع إسبانيا.

أما البوليساريو، فتحاول وضع الأحداث في إطار صراعها الأوسع مع الرباط، معتبرة أن الهجرة ليست سوى واحدة من أدوات الضغط التي تستخدمها المملكة في علاقتها مع أوروبا.

وبين الروايات الثلاث، تبقى الحقيقة الأكثر وضوحاً هي أن آلاف الأشخاص وجدوا أنفسهم في قلب أزمة سياسية تتجاوزهم، وأن عشرات الأرواح دفعت الثمن في واحدة من أكثر حلقات الهجرة مأساوية في المنطقة.

ولهذا فإن أزمة سبتة لا تبدو مجرد حادثة حدودية عابرة، بل حلقة جديدة في شبكة معقدة تتداخل فيها الهجرة والأمن والعلاقات المغربية الإسبانية والصراع حول الصحراء الغربية.

وفيما تتبادل الرباط ومدريد والبوليساريو الاتهامات والتفسيرات، يبقى السؤال الأهم: هل كانت موجة الهجرة نتيجة انفجار عفوي تغذيه الشائعات وشبكات التهريب، أم أنها استُخدمت بالفعل كورقة ضغط سياسي؟

حتى الآن، تقدم الأطراف الثلاثة إجابات مختلفة، فيما تظل الوقائع الميدانية والبعد الإنساني للأزمة أكبر من أن تختزل في رواية واحدة.

اظهار أخبار متعلقة


التعليقات (0)