ماذا وراء التشكيل المفاجئ للحكومة الثالثة في ليبيا وما تأثيرها؟

أثارت خطوة تشكيل حكومة جديدة في ليبيا تحت مسمى "حكومة الاستقرار" حالة من الإرباك- فيسبوك
أثارت خطوة تشكيل حكومة جديدة في ليبيا تحت مسمى "حكومة الاستقرار" حالة من الإرباك- فيسبوك
شارك الخبر
أثارت خطوة تشكيل حكومة جديدة في ليبيا تحت مسمى "حكومة الاستقرار" حالة من الإرباك والمفاجأة وردود الفعل المحلية والأممية، وسط تساؤلات عن الهدف والممول والمستضيف وكذلك المعلومات حول رئيس هذه الحكومة.

ورغم أن أغلب الساسة والناشطين في ليبيا تعاملوا مع الخطوة، بشيء من السخرية والتقليل من تأثيرها والتنمر على رئيسها مصطفى المجدوب، إلا أن "عربي21" حاولت الوقوف على كواليس وتفاصيل تشكيل هذه الحكومة وتقديم قراءة للخطوة وتأثيراتها على المشهد السياسي المرتبك أصلا.

ورغم أن العاصمة السويسرية "جنيف" كان لها دورا كبيرا في اللقاءات الرسمية التي تخص ليبيا وآخرها اتفاق جنيف الذي نتج عنه السلطة التنفيذية الموحدة "حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي"، إلا أن جنيف كانت أيضا الحاضنة لهذا الاجتماع الجديد الذي نتج عنه "حكومة جديدة ثالثة" حاضنة كمكان وليست رعاية أو دعم رسمي.

وهو ما أكده المشاركون في هذا الاجتماع الذي أسموه "ملتقى سياسي ليبي" وجرى فيه اختيار "مصطفى المجدوب" رئيسا لـحكومة ليبية "موحدة"، مشيرين إلى أن الملتقى هو بداية مبادرة تسعى لإطلاق مسار سياسي جديد يقوده الليبيون دون رعاية أممية.

وفي أول تصريحات لمنظمي الملتقى الذي شكل حكومة ثالثة، أكدوا أن الخطوة تستند إلى لجنة تحضيرية تضم 60 شخصية من الأقاليم الليبية الثلاثة، بواقع 20 عضوا عن كل إقليم، يمثلون أحزابا سياسية ومنظمات مجتمع مدني، إضافة إلى مشاركة نسائية، بهدف إعداد رؤية سياسية وطنية تمهد لمرحلة جديدة.

اظهار أخبار متعلقة



وأوضحوا أن "المبادرة تنطلق من إرادة ليبية مستقلة، وترتكز على حوار وطني بعيدا عن المبادرات الدولية، وأن اجتماعات جنيف وانتخاب رئيس حكومة جديدة لم تُعقد تحت مظلة الأمم المتحدة أو بإشرافها.

"إرباك ونفي أممي"


وكون الاجتماع جرى في عاصمة لطالما استضافت لقاءات سياسية برعاية البعثة الأممية، سارع مسؤول الإعلام بالبعثة الأممية محمد الأسعدي إلى نفي وجود أي علاقة للبعثة بهذه الاجتماعات أو بالجهات المنظمة لها، مؤكدا أن الأمم المتحدة ليست طرفا في هذا المسار ولا في مخرجاته.

وفي محاولة لتقصي الجهات التي مولت ويسرت هذا الاجتماع توصلنا إلى أن منظمي اللقاء هم: مجوعة من منظمات المجتمع المدني ومنها البعثة التحضيرية الدولية "غير معروف تبعيتها"، وكذلك الهيئة الدولية لمكافحة الفساد والجريمة المنظمة "منظمة غير حكومية مقرها جنيف يترأسها السياسي الليبي، عبد الباسط القاضي، والأخير يشار إلى أنه صاحب الدور الأكبر.

وبالبحث عن شخصية "القاضي"، المتوقع أنه الرأس المدبر لخطوة حكومة ثالثة، توفرت بعض المعلومات عنه وأهمها: تم تعيينه مستشارا للشؤون الأوروبية في مجلس الأمن القومي الليبي الذي يترأسه حاليا رئيس أركان قوات القيادة العامة برئاسة خليفة حفتر، الفريق عبدالرزاق الناظوري، وأن الأخير اتهم القاضي بتزوير توقيعه الرسمي في مراسلات غير قانونية وكذلك حضوره مؤتمرات في جنيف دون التنسيق مع الأمن القومي الليبي، وكذلك الكشف عن حصوله على جنسية أجنبية غير جنسيته الليبية وأنه يمارس بعض الأنشطة في سويسرا يشوبها فساد واحتيال، وفق بيان صادر عن مستشار الأمن القومي في 8 تموز/ يوليو الجاري.

والشخصية الثانية التي يعتقد أن لها دور كبير في الدفع نحو تشكيل حكومة جديدة هي رئيسة حزب الحركة الوطنية، ليلى بن خليفة والتي سبق أن أعلنت نيتها الترشح لرئاسة ليبيا، وقدمت أوراق ترشحها بالفعل إلى المفوضية الوطنية للانتخابات، والتي كانت حاضرة بقوة في اجتماعات جنيف لدعم المجدوب رئيسا للحكومة الجديدة، وهي معارضة لحكومة الدبيبة ودائما ما تتهم المؤسسات والحكومات الليبية بإقصاء المرأة.

وكونت ليلي بن خليفة علاقات واسعة مع سفراء أجانب ومسؤولين كونها أول امرأة تترشح للرئاسة في ليبيا، ما يجعلها مرشحة لمنصب وزيرة في الحكومة الجديدة وقيامها بدور تحشيدي محلي ودولي.

اظهار أخبار متعلقة



أما بخصوص الأحزاب الحاضرة والداعمة للخطوة فأهمها: حزب ليبيا للجميع، حزب التغيير الوطني، حزب المستقبل الليبي، وأغلبها أحزاب ضعيفة ليس لها شعبية ولا صيت في الشارع الليبي.

البعد القانوني والسياسي

ووفقا للاتفاق السياسي الليبي وتعديلاته فإن مهمة تشكيل حكومة جديدة هي إحدى مهام وصلاحيات مجلسي النواب والدولة، وبالاستناد إلى التوافق بين المجلسين يتم تشكيل حكومة موحدة تكون مهمتها الإشراف على الانتخابات.

لكن هناك مسار آخر يمكن فيه اتخاذ خطوة تشكيل حكومة جديدة وهو المسار الأممي، فإنه يحق لبعثة الأمم المتحدة رعاية حوار سياسي جديد مثل ملتقى الحوار السياسي السابق، وينتج عنه سلطة تنفيذية توافقية جديدة، لكنها أيضا تحتاج هنا لنيل الثقة من قبل مجلس النواب بصفته السلطة التشريعية الوحيدة المنتخبة.

 لذا وفقا لما سبق فإنه لا يحق قانونيا للأحزاب ومنظمات المجتمع المدني تشكيل حكومة جديدة، لكن في الحالة الليبية كل شيء وارد كون الاتفاق السياسي تحول إلى ورقة للتلاعب والتنصل، إلا أن ما حدث مؤخرا لم تعترف به مؤسسة تشريعية ليبية ولا البعثة الأممية ولا يوجد داعم سياسي قوي حتى الآن.


مؤشرات واضحة


وفي محاولة للوقوف على مستقبل هذه الحكومة التقت "عربي21" الوزير الليبي السابق ورئيس حزب العمل الليبي عيسى التويجر الذي أكد أنه "لا يمكن الجزم بمصير هذه الحكومة من لحظة الإعلان عنها. صحيح أن كثيرا من المبادرات المماثلة انتهت دون أثر، لكن التجربة الليبية تعلمنا أيضا عدم التسرع في السخرية منها".

وتابع التويجر: "أعلن خليفة حفتر في شباط/ فبراير 2014 عبر التلفزيون خطوة قوبلت آنذاك بالاستهجان، ثم تحول لاحقا إلى أحد أهم أطراف المشهد. وهذا لا يعني أن حكومة المجدوب ستسلك المسار نفسه، وإنما أن الحكم عليها يجب أن يكون وفق قدرتها على اكتساب النفوذ على الأرض، والحصول على دعم داخلي وخارجي، وليس بناءً على الانطباعات الأولى. وحتى الآن لا توجد مؤشرات كافية تدل على أنها ستصبح أمرًا واقعًا"، وفق قراءته.

من هو المجدوب؟ 

وظهر اسم "مصطفى المجدوب" رئيسا لهذه الحكومة الجديدة، وهو من مواليد عام 1980 وكان يعمل آمر للواء المشاة في حكومة الوفاق الوطني برئاسة، فائز السراج، وظهر فترة كبيرة بثوب عسكري إلا أنه ظهر في ثوب سياسي خلال حكومة الدبيبة بعدما قدم أوراق ترشحه للانتخابات الرئاسية في 2021.

اظهار أخبار متعلقة




ومؤخرا يقدم نفسه عبر صفحه الرسمية الموثقة بأنه يحمل مؤهلات علمية بارزة وأنه نال درجة الدكتوراه في القانون إلى جانب درجة الماجستير في الاقتصاد، دون ذكر الجامعات التي ناقش فيها هذه الرسائل.

كما يقدم نفسه بأنه اكتسب خبرات عملية في مؤسسات الدولة وعمل في ملفات أمنية وإدارية وشغل أدوارا مرتبطة بوزارة الداخلية ومجلس الوزراء، إضافة إلى حضوره القانوني في ملفات حقوقية مهمة من بينها تمثيل أسر ضحايا مجزرة أبو سليم مستشارا قانونيا ويطرح برنامجا ملخصه: توحيد الجيش والمؤسسات الأمنية تحت قيادة وطنية واحدة، نزع سلاح الجماعات غير النظامية، تأمين الحدود ومحاربة الإرهاب والتهريب، فرض سيادة القانون في جميع المدن والمناطق، وإنهاء الانقسام المؤسسي بين الشرق والغرب والجنوب"، وفق صفحته.

ما قانونية الخطوة؟


وللوقوف على شرعية ومستقبل هذه الحكومة وقانونية الخطوة، التقت "عربي21" عضو اللجنة التشريعية بمجلس النواب الليبي صالح فحيمة والذي أكد في أول رد رسمي على الخطوة أن "مثل هذه التحركات قد يكون هدفها اختبار ردود الفعل أو صناعة ورقة ضغط أو التشويش على المسارات القائمة وربما محاولة إيجاد موطئ قدم في أية تسوية قادمة، والمشكلة هنا ليست في اسم المجدوب ولا في الأشخاص المشاركين بقدر ما هي في هذا الاستسهال الخطير للقفز على المؤسسات وكأن تشكيل الحكومات أصبح متاحا لكل مجموعة تجتمع خارج البلاد وتصدر بيانا"، وفق تعبيره.

ومن الناحية القانونية قال فحيمة لـ"عربي21": "لا أعتقد أن هذا الإعلان يمكن أن يؤثر في مبادرة الرئاسات الثلاث لأن الفارق كبير بين مبادرة صادرة عن رؤساء مؤسسات قائمة وبين اجتماع لا يستند إلى أي اختصاص دستوري أو قانوني، لكنه قد يربك المشهد إعلاميا ويمنح بعض الأطراف ذريعة لفتح مسارات موازية وتشتيت الجهود السياسية".

وختم حديثه بالقول: "وعليه فلا أعتقد أن هذه الحكومة ستصبح أمرا واقعا لمجرد إعلانها فالأمر الواقع لا تصنعه البيانات ولا المؤتمرات بل يحتاج إلى مؤسسات ونفوذ على الأرض وموارد مالية وقبول داخلي واعتراف خارجي وهي عناصر لا تتوافر في هذا الطرح حتى الآن، ورغم ذلك لا ينبغي الاستهانة بالموضوع تماما لأن التجربة الليبية علمتنا أن بعض الأجسام بدأت بإعلانات محدودة ثم تضخمت نتيجة الفراغ السياسي والدعم الخارجي وتراخي المؤسسات، لذلك يجب التعامل معها بجدية سياسية دون تضخيمها وبحزم قانوني دون منحها شرعية لا تملكها"، وفق تقديره.
التعليقات (0)