سوريا وتونس.. من كواليس مؤتمر "أصدقاء سوريا"

صلاح الدين الجورشي
مؤتمر أصدقاء سوريا- جيتي
مؤتمر أصدقاء سوريا- جيتي
شارك الخبر
لا جديد في العلاقات التونسية السورية، فمنذ الإطاحة بنظام الأسد وهروب هذا الأخير إلى موسكو، التزم النظام التونسي بعدم اتخاذ أي خطوة نحو دمشق من شأنها أن تعيد الديناميكية بين بلدين جمع بينهما ود قديم. صحيح تجنب الطرف التونسي قطع العلاقات الديبلوماسية فذلك اختيار لم يكن له مبرر، لكن الرئيس قيس سعيد بقي حذرا تجاه ما حصل، واكتفى بمسافة واسعة تفصله عن الرئيس الشرع وجماعته. إذا، بقدر المحبة التي ربطته ببشار الأسد والحرص الذي أظهره من قبل للقاء به في القمة العربية التي جمعتهما ساقا، بقدر ما تغير مزاجه كليا بعد انتصار أصحاب اللحى وتصدروا المشهد في عاصمة الأمويين.

في لقاء تم مؤخرا جمع نشطاء تونسيين من مختلف التيارات السياسية والفكرية، عاد بعض المشاركين إلى مؤتمر أصدقاء سوريا الذي احتضنته تونس بدعوة من جامعة الدول العربية، وهو المؤتمر الذي انعقد تحت حكم الترويكا التي كانت حركة النهضة تقودها في تلك المرحلة، والذي أظهر التحول الذي حصل في قواعد السياسة الخارجية التونسية. كما أن هذا المؤتمر يعتمد عليه المعارضون للرئيس السابق المنصف المرزوق لاتهامه مع حركة النهضة في تحويل تونس إلى بلد معاد لسوريا و" نظامها القومي العربي".

كان من بين المشاركين في هذا اللقاء الدكتور عدنان منصر، والذي تولى سابقا مسؤولية مدير ديوان الرئيس المرزوقي، وقدم شهادة هامة في هذا السياق لا بد من أخذها في هذا السياق لكل من يريد أن يفهم بموضوعية بعيدا عن المشاحنات والمناورات السياسية الظرفية، مع الملاحظة بأن صاحب هذه الشهادة استعاد استقلاليته السياسية والتنظيمية، ولم تعد له أي مصلحة في هذا الشأن، ولم يتواصل مع المرزوقي منذ عشر سنوات على الأقل.

قال إنه كان بمكتب الرئيس عندما أذاعت قناة الجزيرة خبر أن تونس ستستضيف اجتماع أصدقاء سوريا، فصُدم المرزوقي بهذا الخبر المفاجئ. طلب وزير الخارجية يومها رفيق عبد السلام الذي عاد مباشرة من مؤتمر وزراء الخارجية العرب، وسأله عن الموضوع، مستغربا كيف يكون الرئيس وهو آخر من يعلم، فكان جواب الوزير أن القرار قد اتخذ قبل توليه الوزارة، ولم يكن الأمر بطلب منه، عندها أصبح المطلوب هو كيفية تقليص التداعيات السلبية المحتملة من هذا الاجتماع.

في الأثناء علم الطرف التونسي بأن الهدف من المؤتمر هو سعي أمريكا وبعض دول الخليج وضع سوريا تحت البند السابع من من ميثاق الأمم المتحدة، وهو البند الذي يمنح مجلس الأمن "سلطة التدخل (عسكرياً أو اقتصادياً أو دبلوماسياً) في حالات تهديد السلم أو الإخلال به أو وقوع عدوان لفرض قراراته". إلى جانب ذلك، كان المطلوب أيضا الشروع في تسليح المعارضة السورية التي قررت أطراف منها الانتقال إلى العمل المسلح.

في ضوء هذه التطورات، قرر المرزوقي رفض هذا المنحى العسكري من جهة، ومن جهة أخرى استعان في صياغة خطابه بالدكتور هيثم مناع، المعارض السوري الذي ربطت بينهما صداقة قوية قبل تلك الفترة. وبناء على ذلك أكد المرزوقي في خطابه أمام المشاركين في المؤتمر على رفض تونس القاطع لأي تدخل عسكري أجنبي في سوريا أو تسليح المعارضة، مشدداً على أن "أصدقاء سوريا" يجب أن يهدفوا إلى حقن الدماء وتجنيب الشعب مخاطر الحروب الأهلية والفوضى ". واقترح بديلا عن ذلك "تمكين الرئيس السوري بشار الأسد، وأسرته، وأركان نظامه من حصانة قضائية وتوفير ملاذ آمن لهم (واقترح روسيا كوجهة محتملة) مقابل التنازل عن السلطة ووقف حمام الدم". ويضيف عدنان منصر أن هذا الموقف فاجأ ممثلي الولايات المتحدة وحلفائها، وأثار عضب بعض الشركاء الخليجيين.

هذا ما حصل حسب رواية عدنان، ووفق ما تضمنته الوثائق المنشورة. كما أن الرئيس المرزوقي عندما غادر قاعة المؤتمر لم يصافح وزير خارجية بلاده، فانضافت هذه المسألة إلى بقية الملفات الخلافية التي أزمت العلاقة بين المرزوقي وحركة النهضة وأضعفت الثقة بينهما إلى حد كبير، مع الملاحظة بأن هناك ضرورة منهجية تفتضي التعرف على وجهة نظر رفيق عبد السلام في هذه الرواية.

لكن المهم في هذا السياق أن يتم الاعتماد على معطيات صحيحة قبل إصدار أحكام ضد هذا الطرف أو ذاك، إذ للأسف شهدت التجربة التونس بعد الثورة معارك بين الأطراف المتنازعة، استعملت خلالها كثير من الروايات الكاذبة أو غير الدقيقة، من قبل المتنازعين على السلطة، مما كان له سيئ الأثر على الحياة السياسية وعلى مصداقية الفاعلين السياسيين. فالصراع مشروع لكن بدون كذب وافتراء.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)