حين تتحول الدعوة للانتخابات الفلسطينية إلى أداة للانقسام

محمد مصطفى شاهين
"علمتنا التجربة الفلسطينية أن الانتخابات حين تُجرى في بيئة من الانقسام وعدم الثقة تتحول من أداة لبناء الشرعية إلى مصدر جديد للصراع على الشرعية"- جيتي
"علمتنا التجربة الفلسطينية أن الانتخابات حين تُجرى في بيئة من الانقسام وعدم الثقة تتحول من أداة لبناء الشرعية إلى مصدر جديد للصراع على الشرعية"- جيتي
شارك الخبر
أصدر الرئيس محمود عباس مرسوماً رئاسياً حدد فيه الثامن والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل موعداً لإجراء الانتخابات التشريعية، لتدخل الساحة الفلسطينية مرحلة جديدة من الجدل السياسي والدستوري. ورغم أن القرار يرتدي ثوب الديمقراطية من حيث الشكل، فإنه يثير أسئلة عميقة تتجاوز موعد الاقتراع إلى طبيعة البيئة السياسية التي صدر فيها ومدى توافر شروط الشرعية الوطنية اللازمة لإنجاحه.

فالانتخابات ليست مجرد إجراء إجرائي أو استحقاق زمني، بل هي عقد سياسي واجتماعي يقوم على الرضا الوطني والتوافق العام واحترام قواعد المنافسة الديمقراطية، وعندما يصدر قرار بهذا الحجم في ظل غياب الإجماع الوطني وتهميش قوى سياسية رئيسية فإن النقاش ينتقل من شرعية الانتخابات إلى شرعية القرار ذاته ومن قانونية الإجراء إلى مشروعيته السياسية.

وهنا يبرز السؤال المركزي: هل نحن أمام إرادة وطنية جامعة لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، أم أمام خطوة انفرادية تسعى إلى فرض أمر واقع جديد؟ وهل كان الأجدر تهيئة بيئة توافقية شاملة قبل الدعوة إلى الانتخابات أم أن منطق التفرد بات يحكم صناعة القرار الوطني؟

الدعوة إلى انتخابات تشريعية منفردة في هذا التوقيت تبدو خروجاً على روح التوافقات الفلسطينية التي صاغتها الحوارات الوطنية في القاهرة وغيرها من العواصم العربية، وهي في الوقت نفسه تجاوز للإجماع الوطني الذي تشكل حول ضرورة إعادة بناء البيت الفلسطيني على أسس جديدة تقوم على المشاركة؛ لا الإقصاء وعلى التوافق لا التفرد

في السياسة لا تكمن أهمية القرار في مضمونه فقط بل في توقيته وسياقه والبيئة التي يُتخذ فيها. ومن هنا تبدو الدعوة التي أطلقها الرئيس محمود عباس لإجراء انتخابات تشريعية في هذه اللحظة الفلسطينية شديدة التعقيد، وأقرب إلى خطوة سياسية منفردة منها إلى استحقاق وطني جامع.

فلا أحد في الساحة الفلسطينية يرفض الانتخابات من حيث المبدأ، بل إن الانتخابات كانت دائماً مطلباً وطنياً وقيمة ديمقراطية ووسيلة لتجديد الشرعيات وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني الذي أصابه الوهن بعد سنوات طويلة من الانقسام والجمود، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس هل نريد انتخابات أم لا، وإنما أي انتخابات نريد وفي أي ظرف سياسي ووطني يمكن أن تجرى؟

إن الدعوة إلى انتخابات تشريعية معزولة عن بقية الاستحقاقات الوطنية تبدو وكأنها محاولة لإعادة إنتاج الأزمة الفلسطينية لا حلها، فالانتخابات التي تحتاجها فلسطين ليست انتخابات جزئية أو انتقائية، بل انتخابات شاملة ومتزامنة للمجلس التشريعي والرئاسة والمجلس الوطني ضمن رؤية وطنية متفق عليها، تعيد بناء المؤسسات الفلسطينية على قاعدة الشراكة السياسية ووحدة المرجعية الدستورية وتكافؤ التمثيل الوطني.

وهذا الأمر ليس اجتهاداً سياسياً جديداً بل هو ما توافق عليه الفلسطينيون في أكثر من محطة تاريخية. ففي اتفاقات القاهرة التي شاركت فيها مختلف الفصائل الفلسطينية جرى التأكيد على أن إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني يجب أن تقوم على التوافق الوطني والشراكة الكاملة واحترام نتائج العملية الديمقراطية، كما نصت التفاهمات اللاحقة على أن أي انتخابات ينبغي أن تكون جزءاً من عملية إصلاح شاملة تشمل منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسسات السلطة الفلسطينية معاً، بما يحقق وحدة النظام الدستوري ويمنع ازدواجية الشرعيات.

ومن هنا جاء البيان المشترك الصادر عن حركتي حماس والجهاد الإسلامي والجبهتين الشعبية والديمقراطية ليؤكد حقيقة سياسية لا يمكن تجاوزها، وهي أن أي خطوات تتعلق بإعادة بناء المؤسسات الوطنية يجب أن تستند إلى توافق وطني شامل. فالبيان لم يكن مجرد موقف اعتراضي على الانتخابات، بل كان دفاعاً عن مبدأ الشراكة الوطنية ورفضاً لمنطق التفرد في اتخاذ القرارات المصيرية التي تمس مستقبل النظام السياسي الفلسطيني.

والحقيقة أن المشهد الفلسطيني الراهن لا يشبه أي مرحلة سابقة، فغزة تخرج من حرب مدمرة ما تزال آثارها الإنسانية والسياسية تتفاقم يوماً بعد يوم والضفة الغربية تعيش واحدة من أعقد مراحلها تحت وطأة الاستيطان والتوسع الإسرائيلي، ومنظمة التحرير الفلسطينية تواجه أسئلة جوهرية تتعلق بتمثيلها ودورها ومستقبلها. وفي مثل هذه الظروف تصبح الأولوية الوطنية هي استعادة الوحدة وإعادة بناء التوافق؛ لا الذهاب إلى استحقاقات خلافية تزيد الانقسام تعقيداً وتمنح الاحتلال فرصة إضافية لاستثمار الانقسام الفلسطيني.

لقد علمتنا التجربة الفلسطينية أن الانتخابات حين تُجرى في بيئة من الانقسام وعدم الثقة تتحول من أداة لبناء الشرعية إلى مصدر جديد للصراع على الشرعية، وهذا ما حدث بعد انتخابات عام 2006 عندما دخل الفلسطينيون في دوامة من التجاذبات السياسية التي انتهت إلى الانقسام القائم حتى اليوم. ثم إن القضية لا تتعلق فقط بالداخل الفلسطيني، فإسرائيل التي تتحكم في الجغرافيا والمعابر والسجل السكاني وحرية الحركة تستطيع في أي لحظة تعطيل العملية الانتخابية أو استخدام نتائجها ذريعة لمزيد من العقوبات والضغوط. ولذلك فإن أي عملية انتخابية لا تستند إلى توافق وطني عريض ستكون معرضة للفشل قبل أن تبدأ، وستفتقد إلى الحصانة السياسية والقانونية.

إن المعضلة الحقيقية ليست في صندوق الاقتراع وإنما في غياب الاتفاق على قواعد اللعبة السياسية، فالشرعية الوطنية لا تُنتجها الانتخابات وحدها، بل ينتجها التوافق على المشروع الوطني وعلى طبيعة النظام السياسي وعلى الشراكة في تحمّل المسؤولية، وعلى احترام مبدأ التعددية السياسية وسيادة الإرادة الشعبية.

ولهذا فإن الدعوة إلى انتخابات تشريعية منفردة في هذا التوقيت تبدو خروجاً على روح التوافقات الفلسطينية التي صاغتها الحوارات الوطنية في القاهرة وغيرها من العواصم العربية، وهي في الوقت نفسه تجاوز للإجماع الوطني الذي تشكل حول ضرورة إعادة بناء البيت الفلسطيني على أسس جديدة تقوم على المشاركة؛ لا الإقصاء وعلى التوافق لا التفرد.

إن فلسطين اليوم ليست بحاجة إلى معركة جديدة حول الشرعيات ولا إلى سباق سياسي بين القوى والفصائل، بل هي بحاجة إلى لحظة تأسيس وطني جديدة تعيد إنتاج الوحدة وتستعيد الثقة المفقودة بين مكونات النظام السياسي وتؤسس لعقد وطني جامع، يضمن التداول السلمي للسلطة ويحمي القرار الوطني من الانفراد.

فالانتخابات مطلوبة وضرورية بل وملحّة أيضاً، لكن الانتخابات التي تحتاجها فلسطين هي تلك التي تأتي ثمرة لتوافق وطني شامل، وتكون جزءاً من مشروع وطني متكامل لإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية وتوحيد النظام السياسي وتجديد الشرعيات كافة وفق قاعدة الشراكة والتمثيل العادل. أما الذهاب إلى انتخابات جزئية بقرار منفرد وفي توقيت ملتبس فإن ذلك لا يفتح باباً للحل، بل يضيف فصلاً جديداً إلى كتاب الانقسام الفلسطيني الذي أثقل كاهل القضية وأضعف قدرتها على مواجهة أخطر التحديات في تاريخها المعاصر.

وإذا كان جوهر الديمقراطية يقوم على الاحتكام إلى إرادة الشعب، فإن هذه الإرادة لا يمكن اختزالها في مجرد فتح صناديق الاقتراع دون توفير البيئة السياسية والقانونية التي تضمن نزاهة العملية الانتخابية وعدالتها وتكافؤ الفرص بين جميع القوى السياسية. فالانتخابات ليست حدثاً إجرائياً منفصلاً عن الواقع، وإنما هي الحلقة الأخيرة في مسار طويل يبدأ بالمصالحة الوطنية ويمر بإعادة بناء الثقة وإقرار الضمانات الدستورية واحترام مبدأ الشراكة السياسية.

كما أن المشروعية الدستورية لا تنفصل عن المشروعية الوطنية، فالقوانين مهما كانت قوتها الشكلية تفقد جزءاً كبيراً من فاعليتها عندما تغيب عنها المظلة التوافقية التي تمنحها القبول الشعبي، ولذلك فإن أي انتخابات لا يسبقها حوار وطني شامل ولا تستند إلى توافق بين مكونات النظام السياسي ستبقى عرضة للطعن السياسي حتى وإن استوفت إجراءاتها القانونية.

وفي ظل الحرب المستمرة على الشعب الفلسطيني ومحاولات الاحتلال إعادة تشكيل الواقع السياسي والجغرافي فإن الحكمة السياسية تقتضي تحصين الجبهة الداخلية؛ لا فتح جبهة خلاف جديدة، فالاحتلال هو المستفيد الأول من أي انقسام فلسطيني لأنه يدرك أن تشتت القرار الوطني يضعف الموقف الفلسطيني في كل المحافل الإقليمية والدولية ويمنحه مساحة أوسع لفرض الوقائع على الأرض

هذه الانتخابات تبدو أقرب إلى انتخابات صيغت على مقاس حركة فتح بقيادة الرئيس محمود عباس أكثر من كونها استحقاقاً وطنياً توافقياً يجسد الإرادة الفلسطينية الجامعة

ومن هنا فإن الأولوية الوطنية يجب أن تتجه نحو عقد حوار وطني شامل يفضي إلى اتفاق سياسي ملزم؛ يعيد بناء المؤسسات الفلسطينية جميعها على أسس ديمقراطية ويحدد خريطة طريق واضحة تشمل انتخابات المجلس التشريعي والرئاسة والمجلس الوطني في إطار زمني واحد وتحت مظلة توافق وطني كامل، وبضمانات سياسية وقانونية تحمي نتائجها وتحول دون تكرار تجارب الماضي.

إن القضية الفلسطينية تعيش واحدة من أخطر مراحلها التاريخية، ولم يعد مقبولاً أن تبقى القرارات الكبرى رهينة الحسابات الفصائلية أو المصالح التنظيمية الضيقة، فإعادة بناء النظام السياسي ليست قضية إجرائية بل قضية تتعلق بالأمن الوطني الفلسطيني وبمستقبل المشروع الوطني كله.

ولذلك فإن أي خطوة لا تنطلق من قاعدة الشراكة الوطنية ووحدة القرار واحترام التعددية السياسية ستبقى عاجزة عن إنتاج شرعية مستقرة أو بناء نظام سياسي قادر على مواجهة تحديات المرحلة، فالدول والحركات الوطنية لا تُبنى بمنطق الغلبة السياسية، وإنما بمنطق العقد الوطني الذي يشارك الجميع في صياغته ويلتزم الجميع بمخرجاته.

وفي تقديري فإن هذه الانتخابات تبدو أقرب إلى انتخابات صيغت على مقاس حركة فتح بقيادة الرئيس محمود عباس أكثر من كونها استحقاقاً وطنياً توافقياً يجسد الإرادة الفلسطينية الجامعة. وهذا التقدير لا يمثل رفضاً للديمقراطية ولا اعتراضاً على مبدأ الانتخابات بحد ذاته، وإنما يعبر عن القناعة بأن أي عملية انتخابية تُبنى خارج إطار التوافق الوطني الشامل وتفتقر إلى الشراكة السياسية الحقيقية قد تتحول من مدخل لإنهاء الانقسام إلى أداة لإعادة إنتاجه، ومن وسيلة لتجديد الشرعية إلى وسيلة لتكريس الانفراد بالقرار الوطني.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)