قراءة في تعثر النهضة العربية.. حديث عن الجهاد الأفغاني (11)

من المؤكد أن طالبان ستستفيد من تجربتها السابقة، وعليها أن تتجه لبناء نفسها، وتعميق صلاتها بشعبها، وأن تستفيد من جغرافية بلادها، فتتقوى اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً.. جيتي
من المؤكد أن طالبان ستستفيد من تجربتها السابقة، وعليها أن تتجه لبناء نفسها، وتعميق صلاتها بشعبها، وأن تستفيد من جغرافية بلادها، فتتقوى اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً.. جيتي
شارك الخبر
دخلت قوات الاتحاد السوفييتي الشيوعية أفغانستان بتاريخ 24 ـ 12 ـ 1979 بناء على طلب رئيس وزراء أفغانستان حفيظ الله أمين حليفهم في ذلك الوقت، وذلك لمنع الحكم من الانهيار ومنع الإسلاميين من الوصول إلى الحكم، وخاصة أن الخميني كان قد وصل إلى الحكم في إيران في 11 ـ 2 ـ 1979.

بعد أن دخلت القوات الروسية الشيوعية إلى افغانستان واجه الحكم الأفغاني عدة أطراف، هي:

1 ـ المجاهدون من أمثال: قلب الدين حكمتيار، عبد رب الرسول سياف، أحمد شاه مسعود، جلال الدين حقاني إلخ...، وكان كل منهم يعمل في منطقة نفوذه وبين أبناء قبيلته وعرقيته، وكانوا يقومون بحرب عصابات، كمائن في الجبال، قطع طرق الإمداد، هجمات مفاجئة، وقد سيطر الروس الشيوعيون على المدن، لكن الريف والجبال كان تحت سيطرة المجاهدين.

انتصرت طالبان على كل الفصائل الأخرى، لأن معظم الفصائل الأخرى فقدت شعبيتها بسبب اقتتالها الداخلي، فقد رأى المواطنون الأفغان أن قادة الجهاد الذين حرروا البلاد من الروس الشيوعيين أصبحوا سبباً في تدميرها، وقد استطاعت طالبان تحقيق الأمن في المناطق التي احتلتها، فكانت تقوم بإزالة الحواجز المسلحة، وتأمين الطرق التجارية لذلك فضلها كثير من التجار على الفصائل المتصارعة.
2 ـ  الدولة الأمريكية: دعمت أمريكا المجاهدين بالمال والسلاح، فقد اجتمع بريجنسكي بعد أيام من دخول الروس إلى أفغانستان مع تركي الفيصل رئيس الاستخبارات السعودية آنذاك، واتفق معه على تشكيل صندوق تشارك فيه أمريكا والمملكة العربية السعودية مناصفة، وبدأوا بصندوق فيه مليار دولار دفعت أمريكا نصف المبلغ والسعودية النصف الآخر من أجل الصرف على المجاهدين الأفغان والعرب.

ومولت أمريكا المجاهدين بصواريخ ستينجر التي تحمل على الكتف، وهي قادره على اسقاط المروحيات الروسية، وقد غيرت هذه الصواريخ سير المعارك لصالح المجاهدين منذ استخدامها عام 1986، كما ساعدت أمريكا المجاهدين بالخبراء العسكريين الذين قدموا بعض التدريبات، وقد انتقمت أمريكا من روسيا في أفغانستان رداً على الهزيمة التي ذاقتها أمريكا على يد روسيا في فيتنام.

3 ـ  السعودية: قدمت الدعم المالي للمجاهدين، ومولت الجهاد الأفغاني، وقد تم هذا بعد لقاء بريجنسكي وتركي الفيصل الذي تحدثنا عنه سابقاً، ودعمت كذلك أسامة بن لادن عندما أسس مكتب الخدمات في عام 1984، من أجل جلب المجاهدين العرب من الخليج وغيره وخدمتهم أثناء إقامتهم في أفغانستان لمقاتلة الروس الشيوعيين، وقدمت السعودية الدعم الديني من أجل مقاتلة الشيوعيين الكفار.

4 ـ باكستان: لعبت باكستان دوراً أساسياً في نصرة المجاهدين بالتعاون مع أمريكا والسعودية، قد استقبلت المجاهدين على أراضيها وقدمت دعماً لوجستياً بالإضافة إلى الدعم العسكري.
لقد انتصر المجاهدون الأفغان بعد قتال استمر عشر سنوات، وقرر غورباتشوف الانسحاب من أفغانستان في عام 1989. لكن الحرب لم تقف عند هذا الحد بل قاومت حكومة نجيب الله الشيوعية في كابل لمدة ثلاث سنوات ثم سقطت عام 1992، وبعدها تقاتلت الفصائل الأفغانية التي يقودها كل من حكمتيار وأحمد شاه مسعود وسياف ورباني وجيلاني إلخ...، وقد انقسمت أفغانستان إلى عشرات المقاطعات، وقام أمراء الحرب في مختلف المناطق، وأقاموا الحواجز التي كانوا يبتزون فيها أفراد الشعب الأفغاني عنها، مما جعل الشعب الأفغاني يتطلع إلى التخلص من هذه الأوضاع الأمنية والاقتصادية والاجتماعية السيئة.

ثم برزت حركة طالبان وتغلبت على الفصائل الجهادية جميعها ودخلت كابل 1995 وسيطرت على جميع أفغانستان والسؤال الآن: ما هي أفكار طالبان؟ ولماذا انتصرت على كل الفصائل الأخرى؟

لقد تشكلت طالبان عندما دعا الملا عمر عدداً من طلاب العلم من أجل إنقاذ فتيات كن قد اختطفن من أحد قادة الميليشيات الموجودة آنذاك، واستطاع تحريرهن مع الطلاب الذين اشتركوا معه، وبهذا نشأت حركة طالبان، أما المبادئ التي قامت عليها طالبان فهي: إنهاء الحرب الأهلية، ونزع سلاح أمراء الحرب، وإقامة الأمن والاستقرار، وتطبيق الشريعة الإسلامية، والحفاظ على وحدة أفغانستان.

والسؤال الآن لماذا انتصرت طالبان على الفصائل الأخرى؟

انتصرت طالبان على كل الفصائل الأخرى، لأن معظم الفصائل الأخرى فقدت شعبيتها بسبب اقتتالها الداخلي، فقد رأى المواطنون الأفغان أن قادة الجهاد الذين حرروا البلاد من الروس الشيوعيين أصبحوا سبباً في تدميرها، وقد استطاعت طالبان تحقيق الأمن في المناطق التي احتلتها، فكانت تقوم بإزالة الحواجز المسلحة، وتأمين الطرق التجارية لذلك فضلها كثير من التجار على الفصائل المتصارعة.

لقد ساعدت الوحدة التنظيمية في طالبان، وطاعة الجنود لقيادتهم على أن تتغلب على الفصائل الأخرى التي لم تكن موحدة تنظيمياً، بل منقسمة عرقياً وسياسياً. ومما ساعد طالبان على السيطرة السريعة على أفغانستان هو التحاق عدد كبير من القادة المحليين بطالبان دون قتال عندما رأوا انتصارها السريع.

ونتساءل لماذا فشلت الحركات المجاهدة التي نشأت بعد دخول الروس إلى أفغانستان عام 1979 في تحقيق هدفها وهو إقامة دولة إسلامية وتطبيق الشرع الإسلامي؟ وهو ما كان يطمح إليه المسلمون في أنحاء الأرض ويتطلعون إليه، وقد بذلوا في سبيل ذلك الكثير من الأموال والدماء، منذ مطلع الثمانينيات، وأصبح الجهاد الأفغاني قبلة المسلمين، فلماذا فشلت الحركات الإسلامية المجاهدة بقيادة برهان الدين رباني وقلب الدين حكمتيار وسياف وحقاني وغيرهم من تحقيق حلم المسلمين وإقامة دولة إسلامية لتكون منطلقاً لتمكين المسلمين في الأرض؟؟؟

والسبب في فشلها يعود إلى أنها لم تستطع أن تحقق أية وحدة سياسية واضحة ومرنة بين قادتها الموجودين على رأس حركاتهم، فكل محاولات إيجاد قيادة مشتركة بينهم وبرنامج مشترك قبل انهيار وانسحاب الشيوعيين وانهيار حكومة نجيب الله كانت تنتهي إلى الفشل، ويعود كل فصيل إلى العمل بمفرده، وأشهر ما يذكر في ذلك هو اجتماعهم في مكة المكرمة في جوار الكعبة وتعاهدهم على العمل المشترك، ثم خروج كل قائد والعمل بمفرده.

وهناك أمر آخر كان يحول دون النجاح في العمل المشترك هو قوة الولاءات القبلية لدى كل فصيل، ومن الواضح أن أفغانستان مجتمع قبلي يحتوي عدة عرقيات ومنها: البشتون، والطاجيك، والأوزبك، والهزارة وكان الولاء القبلي والعرقي عند جميع الفصائل أعلى وأغلب من الولاء السياسي الشرعي، لذلك أدى هذا الوضع إلى التصادم السياسي بين الفصائل المختلفة.

ومما ساعد في فشل الحركات الجهادية في تحقيق أهدافها هو وجود التدخل الخارجي من أمريكا والسعودية وباكستان في شؤون الحركات الجهادية إلى أبعد الحدود والسماح بذلك من قبل قيادات الحركات الجهادية، مما جعل هذه الدول تلعب دوراً سلبياً في مسيرة الجهاد الأفغاني لكي تمنعه من تحقيق أهدافه عن طريق إطالة الحرب الأهلية وإشعالها كلما خمدت.

على طالبان أن تجري مراجعات عميقة لفترة حكمها لأفغانستان بين عامي 1995-2001، وفترة قتالها أمريكا بين عامي 2001-2021، وتنتهي إلى دروس من أجل بناء دولة رشيدة تعين الأمة على حل أزماتها المحيطة بها.
ومن الواضح أن تصادم طالبان مع أمريكا عام 2001 خطأ استراتيجي، لأنها كانت دولة ناشئة، وكان عليها أن تأخذ فرصتها في البناء من أجل أن تستطيع أن تقوم بأية مواجهة مع أية قوة وبخاصة إذا كانت قوة عظمى.

ولا شك أن الذي يتحمل مسؤولية وقوع التصادم هم المجاهدون العرب وقاعدة الجهاد الإسلامي بقيادة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، وكان موقف القيادة الأفغانية موقفاً نبيلاً، فقد تحملوا المسؤولية دون أن يكون لهم مشاركة أو علم بالهجوم على البرجين في نيويورك ومع ذلك تحملوا المسؤولية الشرعية وخضعوا لحكم الشرع الذي يمنع تسليم أي مسلم لدولة كافرة، وبهذا سقطت طالبان أمام الآلة العسكرية الضخمة، وهذا كان متوقعاً، لأنه لا قبل لدولة طالبان الناشئة بهذه القوة العسكرية فاحتلت أفغانستان عام 2001، لكن الله أكرمهم بأن استعادوا الحكم عام 2021 بعد أن تغلبوا على أمريكا، ولم يستطع الأمريكان أن يؤسسوا قاعدة لهم عند الشعب الأفغاني، ومع كل جمهورهم في مختلف المجالات العلمية والثقافية والفكرية والتربوية لمدة عشرين عاماً.

ومن المؤكد أن طالبان ستستفيد من تجربتها السابقة، وعليها أن تتجه لبناء نفسها، وتعميق صلاتها بشعبها، وأن تستفيد من جغرافية بلادها، فتتقوى اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، وأن تسعى للخروج من عزلتها السياسية التي فرضتها عليها أمريكا سابقاً وحالياً، وأن تتواصل بشكل أفضل مع القوى الإسلامية في العالم الإسلامي لتكون قوة لها، وتكون هي -أي طالبان- قوة للأمة الإسلامية، وعوناً لها في مواجهة مشاكلها كما هو المأمول من هذه الدولة الإسلامية الوليدة.

الخلاصة: بعد أن دخل الروس الشيوعيون إلى أفغانستان في نهاية عام 1979، تصدت الحركات الإسلامية المجاهدة لهم، وقد نجح هؤلاء المجاهدون في السيطرة على الريف، وبقيت المدن في يد الحكومة الرسمية، وقد ساعدت السعودية وأمريكا وباكستان المجاهدين بالمال والسلاح والخبرات والتدريب، كما شجعت السعودية المجاهدين العرب بأن يكونوا عوناً للمجاهدين الأفغان، وبعد أن تغلب المجاهدون الأفغان على الروس الشيوعيين وقرر غورباتشوف الانسحاب من أفغانستان عام 1989، وترك نجيب الله حاكماً لكابل، ثم تغلب المجاهدون الأفغان على نجيب الله عام 1992.

وبعد انتهاء الحكم الشيوعي في أفغانستان عام 1992، تصارعت الفصائل الأفغانية، ولم يستطع أي طرف أن يبسط سيطرته على كل أفغانستان، بل أصبحت أفغانستان أجزاء متفرقة تحت سيطرة أمراء الحرب، الذين أقاموا الحواجز في مختلف أنحاء أفغانستان، وأخذوا الإتاوات من الناس، وقد كره الشعب الأفغاني هذا الوضع فهو يريد الأمن والاستقرار، وهنا ظهرت طالبان واستطاعت أن تبسط سيطرتها على معظم أراضي أفغانستان وحققت الأمن للمجتمع الأفغاني، وأزالت الحواجز، ورفعت الإتاوات التي كانت ترهق الشعب الأفغاني، من هنا نجحت في قيادة الشعب الأفغاني.

ثم قامت حركة "قاعدة الجهاد" التي أسسها أسامة بن لادن وأيمن الظواهري في أفغانستان بتفجير برجي نيويورك عام 2001، فغزت أمريكا أفغانستان وأسقطت حكم طالبان عام 2001، لكن طالبان عادت إلى مقاتلة أمريكا في أفغانستان في الجبال والريف والمدن، وانتصرت على أمريكا مما جعلها تنسحب من أفغانستان عام 2021، لكن على طالبان أن تجري مراجعات عميقة لفترة حكمها لأفغانستان بين عامي 1995-2001، وفترة قتالها أمريكا بين عامي 2001-2021، وتنتهي إلى دروس من أجل بناء دولة رشيدة تعين الأمة على حل أزماتها المحيطة بها.
التعليقات (0)