أبّد النبي صلى الله عليه وسلم معنى
الهجرة
في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس: ((لا هجرة بعد
الفتح، ولكن جهاد ونيّة، وإذا استُنفرتم فانفروا))، لقد أبقى عليه الصلاة
والسلام بهذا الحديث معنى الهجرة حاضرا في
حياة الأمة، وفتح لها بابا أبديا في ضمير المؤمنين، ونقلها من صورة تاريخية مخصوصة
إلى معنى دائم متجدد. فقد انتهت الهجرة الواجبة من مكة إلى المدينة بعد أن فتح
الله للمسلمين مكة المكرمة وأصبحت دار إسلام، لكن الهجرة في معناها الأوسع بقيت،
وباتت خالدة: هجرة المعصية إلى الطاعة، وهجرة الذل إلى الكرامة، وهجرة السكون إلى
الج/هاد، وهجرة النية الفاترة إلى العزم الصادق، وهجرة الخضوع إلى الاحتلال إلى
مجاهدته ودحره، وهجرة القبول بالأمر الواقع إلى الاستجابة السريعة لمعارك الواجب
والعزة والإباء، وهجرة الاستسلام إلى الطغيان إلى مقاومة الظلم والفساد في كل آن.
ولذلك كان هذا الحديث، بحق، تأسيسا لمعنى سام نسميه:"الهجرة الأبدية".
إنها هجرة لا تنتهي بحادثة تاريخية هي هجرة
المصطفى صلى الله عليه وسلم، بل تبقى تلك الهجرة القدوة ذكرى خالدة لمعنى الرسالة
وما تلزم من تضحيات، تؤسس لأنواع كثيرة من الهجرة لا تقف عند حدود الجغرافيا، ولا
يحدها الزمن، ولا تحكمها الأوضاع الصعبة
والتحديات الجسام، نية نحو البر والتقوى وبلوغ المعالي حتى لقاء المصطفى على حوضه
الشريف، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وجهاد بلا هوادة لنصرة الحق، وتحفز مستمر
للقيام بالواجب كلما نادى المنادي، إنها حركة الإنسان المؤمن الدائمة من النقص إلى
الكمال، ومن القعود إلى الفاعلية، ومن الأسر بكل معانيه الكريهة، إلى الحرية
الفسيحة بكل أنواعها النبيلة.
تبقى تلك الهجرة القدوة ذكرى خالدة لمعنى الرسالة وما تلزم من تضحيات، تؤسس لأنواع كثيرة من الهجرة لا تقف عند حدود الجغرافيا، ولا يحدها الزمن، ولا تحكمها الأوضاع الصعبة والتحديات الجسام، نية نحو البر والتقوى وبلوغ المعالي حتى لقاء المصطفى على حوضه الشريف
إن العنوان الكبير الذي نذكره في الأول من
شهر محرم في كل سنة هجرية هي بلا شك هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، فهي تحمل كل
معاني الهجرة السامية، إذ كانت حدثا فاصلا في تاريخ الإسلام والإنسانية وعبّرت عن
ميلاد أمة شاهدة وحضارة عظيمة، صنعتها تضحيات جسام على طريق انتقال الفكرة من
الاستضعاف في المجتمع بمكة إلى مكنة الدولة في المدينة، لهذه المعاني خرج عليه
الصلاة والسلام من بلده، وما كان له أن يخرج منه إلا حين حورب في دعوته، وأوذي في
أصحابه، وحوصرت رسالته، وتآمر عليه الملأ ليقتلوه أو يحبسوه أو يخرجوه، فلم
يغادرها كرها لها، بل قال وهو يلتفت إليها: ((والله إنك لأحب أرض الله إليّ، ولولا
أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت)).
غير أن الحديث الشريف أسس لأنواع كثيرة من
الهجرة، بعد الهجرة، فصّل العلماء في أنواعها وأحكامها، فثمة الهجرة المعنوية، وهي
أعظم الهجرات في حياة المؤمن وأبقاها، وبها يستحق صفة المهاجر وفق قوله عليه
الصلاة والسلام في حديث رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو: ((والمهاجر من
هجر ما نهى الله عنه)). فكل مسلم، يريد أن يبقى في هجرة أبدية، مطالب بأن يهاجر من
المعصية إلى الطاعة، ومن الغفلة إلى الذكر، ومن الكذب إلى الصدق، ومن الظلم إلى
العدل، ومن سفساف الأمور إلى معاليها. وهذه الهجرة لا تحتاج إلى جواز سفر ولا إلى حدود
مفتوحة، لكنها تحتاج إلى قلب يقظ وإرادة صادقة. وربما هاجر الإنسان آلاف الأميال
وبقي أسير شهوته، وربما بقي في موطنه لكنه هاجر بقلبه من كل ما يسخط الله إلى كل
ما يرضيه. ولهذا كانت الهجرة المعنوية أبدية، لأنها معركة الإنسان مع نفسه، ومع
عاداته الرديئة، ومع بيئته الفاسدة، ومع كل ما يجذبه إلى الهبوط.
ثم هناك الهجرة البدنية التي صنفها العلماء
بين هجرة الهرب، للخوف من حدوث مكروه، في
الدين أو الدنيا، في البلد الذي يُهاجر
منه، وهجرة الطلب رجاء الحصول على منفعة، في الدين أو الدنيا، في البلد الذي
يُهاجر إليه. وأحكام الهجرة البدنية تنقسم عند العلماء بين هجرة واجبة حين لا
يستطيع المسلم أن يقيم دينه أو يحفظ نفسه وعرضه وكرامته إلا بالخروج من أرض يتعاظم
فيها الظلم والفتنة إلى أرض يُحفظ فيها دينه ويُصان أمنه وكرامته وعرضه. وهناك
هجرة مستحبة حين يكون الانتقال معينا على الطاعة والعلم والعمل الصالح ونفع الأمة.
وهناك هجرة مباحة حين ينتقل الإنسان لطلب الرزق أو العلم أو العلاج أو السلامة.
وقد تكون الهجرة ممنوعة أو مذمومة إذا كانت فرارا من واجب متعين، أو تركا لميدان
يحتاج إلى الثبات، أو انتقالاً إلى موضع يضيع فيه دين المهاجر وخلقه وولاءه لأمته
ووطنه، أو يضيع أهله وتفسد ذريته.
إن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم كانت هجرة
سياسية، فكانت هجرة هرب من بطش كبّار قريش، وكانت في ذات الوقت هجرة طلب، للحصول
على بيئة مرحبة لبناء المشروع، ولذلك تبقى الهجرة السياسية هرباً من الاستبداد،
وطلبا لمواصلة العمل، من أقرب أنواع الهجرة إلى هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
فقد عرف عالمنا الإسلامي الحديث صورا قاسية من القمع، ومصادرة الحريات، وسجن
الأحرار، ومطاردة أصحاب
الرأي، وتضييق المجال العام، حتى اضطر كثير من الدعاة
والمصلحين والمفكرين والسياسيين إلى مغادرة أوطانهم طلبا للأمان وحفظاً للكرامة.
وهذه الهجرة السياسية قد تكون في بعض الأحوال ضرورة شرعية وإنسانية، حين يصبح
البقاء تعريضا للنفس للقتل أو السجن أو التعذيب أو الإلغاء الكامل.
إن العنوان الكبير الذي نذكره في الأول من شهر محرم في كل سنة هجرية هي بلا شك هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، فهي تحمل كل معاني الهجرة السامية، إذ كانت حدثا فاصلا في تاريخ الإسلام والإنسانية وعبّرت عن ميلاد أمة شاهدة وحضارة عظيمة، صنعتها تضحيات جسام على طريق انتقال الفكرة من الاستضعاف في المجتمع بمكة إلى مكنة الدولة في المدينة
غير أن المفارقة المؤلمة في هذا العصر أن
العالم الذي يتحدث كثيرا عن حقوق الإنسان واللجوء والحريات لم يعد دائما مأمنا
حقيقيا للمطاردين، فقد تضيق الدول باللاجئ السياسي، أو تساومه، أو تسلمه إلى
جلاديه، أو تبتزه قوى خارجية لتوظيف قضيته في صراعاتها. لقد أصبحت الهجرة السياسية
اليوم أكثر تعقيدا مما كانت عليه في الأزمنة السابقة. فالحدود مراقبة، والاتفاقات
الأمنية تتجاوز القيم المعلنة، والقوى الص@يونية الغربية تطارد كل حر أبي،
وعملاءهم أشد شراسة منهم، واللاجئ قد يتحول إلى ورقة ضغط، والمعارض قد يجد نفسه
مطالبا بالصمت أو بالتوظيف أو بالمساومة. وفي مثل هذه الظروف يصبح الثبات داخل
الوطن، حين يكون ممكناً، قيمة عظيمة وشرفا كبيرا، ومهما اضطر المصلح للخروج من
بلده عليه أن يبحث لنفسه عن موقع قدم فيه، وأن ينتبه بأن مصلحة الاستبداد في
إخراجه منه، وقد يدفعونه إلى ذلك دفعا.
ومهما يكن من أمر، ليس كل خروج بطولة، وليس
كل بقاء ضعفا، قد تكون الهجرة واجبة حين يستحيل العمل ويتهدد الإنسان في أصل
حياته، وقد يكون البقاء أوجب حين يحتاج الوطن إلى من يصبر، ويصلح، ويربي، ويشهد
بالحق، ويدافع عن الناس، ويحافظ على جذوة الأمل في الداخل. إن الثبات في الوطن، مع
تحمل كلفة الكلمة والموقف، هو في أحيان كثيرة هجرة من الخوف إلى الشجاعة، ومن
السلامة الفردية إلى المسؤولية العامة.
تلكم هي معاني حديث ((لا هجرة بعد الفتح،
ولكن جهاد ونيّة، وإذا استُنفرتم فانفروا)). لقد بقي الج/هاد بعد الهجرة النبوية
قائما إلى يوم الدين، وحيا الله "م" أن أحيت معانيه فينا، بقي ج/هاد
النفس، وج/هاد الاحتلال، والج/هاد من أجل المقدسات، وجهاد الظلم، وجهاد البناء،
وجهاد العلم، وجهاد الكلمة، وجهاد الإصلاح، وبقيت النية التي تحول الأعمال العادية
إلى عبادة، والثبات إلى هجرة، والصبر إلى مقاومة، والعمل الوطني إلى قربى لله
تعالى، والكفاح من أجل الأمة إلى سمو إيماني ورفعة في التاريخ، ونجدة أهلنا في غزة
وفلسطين تديّن ومروءة ورجولة، وبقيت النفس
المتحفزة، تستجيب للذكرى بلا كسل، وتنهض لنداء الواجب بلا وجل، وتتجاوب مع النفير
في الصفوف الأول.
تلكم هي الهجرة الأبدية.