الشافعي وتأصيل الأصول.. مقولة علمية أو مسايرة منزع استشراقي؟

لا يعني التسليم بالدور الريادي للشافعي في تأسيس علم الأصول، أن قبله لم يكن هناك شيء مما يتعلق بهذا العلم، وأن الكليات والأصول وصوغ القانون الذي يرجع إليه في معرفة أدلة الشرع، لم تعرف إلا معه.. إكس
لا يعني التسليم بالدور الريادي للشافعي في تأسيس علم الأصول، أن قبله لم يكن هناك شيء مما يتعلق بهذا العلم، وأن الكليات والأصول وصوغ القانون الذي يرجع إليه في معرفة أدلة الشرع، لم تعرف إلا معه.. إكس
شارك الخبر
ليس ثمة شك أن الخوض في هذا الموضوع بالغ الدقة والحساسية، وهو لا يتطلب فقط دراسة علمية رصينة، وإنما يتطلب مشروعا بحثيا ممتدا، يقع اهتمامه على التاريخ المبكر ليس فقط للفقه والأصول، وإنما أيضا للحديث، وشكل العمل به عند الرعيل الأول، وبواكير النظام التشريعي الإسلامي، وذلك منذ العهد النبوي.

كتابات كثيرة حاولت الاقتراب من التاريخ المبكر للنظرية الأصولية وسياق تشكلها، فيما بات يعرف في الكتابات الغربية النقدية بـ"الحقبة التأسيسية للفقه الإسلامي"، لكن طابعها التاريخي النقدي، وصدورها عن الجامعات الغربية، وتأثرها بالنفس الاستشراقي، فضلا عن تناقض نتائجها بهذا الخصوص، تجعل فهم سياق تشكل هذه المقولة وخلفياتها وعلميتها، أمرا له راهنية خاصة في المجتمع الأكاديمي العربي الإسلامي، خاصة وأن كتابات أخرى كثيرة حققت تداولا كبيرا، رسخت فكرة الدور المركزي الذي قام به الشافعي ليس فقط في تأصيل الأصول، ولكن أيضا في صياغة العقل العربي، وتشكيل بنيته المعرفية البيانية (نموذج الجابري).

 يقر بعض الباحثين من أمثال فضل الرحمان وظفر إسحاق الناصري ووائل حلاق وأحمد الشمسي ومرتضى بدر وغيرهم بأن دراسات تاريخ التشريع الإسلامي في العالم العربي والإسلامي كانت محدودة، وبدون أهمية كبيرة، قياسا إلى الدراسات الغربية التي تسلحت بأدوات منهجية صارمة، وجعلت من التاريخ المبكر للإسلام مجالا بحثيا كثيفا، بدأ مبكرا مع جيل المستشرقين الأوائل غولدتسيهر وشاخت ومرجليوث غيرهم، واستمر بكثافة أكبر وتراكم مستقر في معظم الجامعات الغربية المعنية بالدراسات الإسلامية، لكنهم في الآن ذاته، لا يفوتون الفرصة للحديث عن التحيزات التي تضمنتها كتاباتهم، سواء في فرضياتهم البحثية أو في النتائج التي انتهوا إليها، ومع ذلك، يصرون على  أهمية منهج النقد التاريخي، أو على  الأقل، أهمية التعاطي مع النظرية الأصولية أو النظرية الفقهية بمنهج التنقيب التاريخي الذي يربط تطور المعرفة الإسلامية في جميع حقولها بواقع الناس وظروفهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية،  ويدرس تطور العلم في سياق تراكمي يراعي التثاقف الذي حصل بين النظريات والمذاهب المختلفة.

المفكر العربي محمد عابد الجابري، في مشروعه البحثي: "نقد العقل العربي" لم يكشف عن رأيه إزاء هذه الافتراضات، لكنه انطلق من مسلمة مفهومية ترتبط بمفهوم العقل كما تم تقديمه في المعجم الفلسفي لـ"لالاند"، جعلته بيسر وبدون تكلف، يؤرخ لنشأة العقل بوصفه قواعد للتفكير وإنتاج المعرفة، بعصر التدوين، وتحديدا مع الإمام الشافعي في حقل علم الأصول.
نتجاوز في هذا المقال الأطروحات التي تنسب إسهام الشافعي للتأثر بالنظم التشريعية الرومانية وغيرها بسبب توافق على تهافت منطلقاتها التاريخية والعلمية، ونطرح هذه المقولة للنقاش، لاعتبارين اثنين: أولهما، أن هناك نزعة كرسها المستشرقون الأوائل، تحاول أن تجعل من ريادة  الشافعي في تأصيل الأصول حجة للقول بواقع الفراغ الذي كان في العهد الذي سبقه، ومن ذلك تخلص إلى أن العهد النبوي، الذي يعتبر ـ على  الأقل في المخيال الثقافي الرمزي للأمة المسلمة ـ عهد التأسيس الشامل، مجرد عهد ثانوي قياسا إلى تبلور النظرية  الأصولية الصائغة للعقل المسلم مع الشافعي، كما تريد أن تؤكد الفرضية الاستشراقية القائلة بأن النظرية الأصولية نشأت بسبب فوضى الحديث، أو بديلا عنه،  أو أنها نشأت تتويجا  لمسار من سياسة أموية في وضع الحديث (قام بها ابن شهاب الزهري) وبنى عليها في عهد لاحق الإمام الشافعي، وذلك حتى يتسنى تركيب خلاصة مفادها أن النظرية الأصولية الإسلامية نشأت بارتباط مع الواقع، أو بالأحرى استجابة لضغط السياسية، وليس بناء على تراكم المعرفة الدينية التي شكلها الوحي، أو أنها نشأت  استجابة لحاجيات التنافس بين المذاهب الفقهية المختلفة.

وأما الاعتبار الثاني، فإن الاستسلام لهذه المقولة، ارتكازا على نقول منسوبة إلى علماء تنسب فضل تأسيس الأصول للشافعي، يسد الطريق أمام جهد علمي وبحثي، يفترض أن يشمل بشكل دقيق التاريخ المبكر للنظرية الفقهية والنظرية الأصولية، وهو ما يعني سد الطريق أمام تبصر حقيقة التطور التراكمي للمنهجية الأصولية الإسلامية، وموقع إسهام الشافعي فيها.

قد يرى البعض أن الاعتبار الأول هو الأكثر أهمية لأن وظيفته سجالية، أو ربما بالأحرى دفاعية، تستهدف تحصين أحد المصادر الأساسية للإسلام، أي الحديث، وبيان ارتكاز النظرية الأصولية عليه، لا تأسيسها في قطيعة معه.  لكن الاعتقاد يميل إلى أن الاعتبار الثاني هو الأكثر أهمية، ذلك أن الجهد البحثي الموضوعي الرصين الذي يغطي التاريخ المبكر للفقه أو الأصول أو حتى علم الحديث، يوفر الأرضية الصلبة لعملية التحصين هذه، ويجعل منازعة الأطروحات الطاعنة في المصادر الأساسية للإسلام عارية من أي سند علمي أو تاريخي.

هل حسم الفخر الرازي وسد الباب أمام اختبار هذه المقولة؟

من السهل جدا أن نحسم الأمر، ونوقف النقاش حول هذه المقولة، فالكتابات المناقبية التي تناولت حياة الشافعي، وقيمت إسهامه الأصولي، تجمع على ريادته في تأسيس علم الأصول، وأن هذا العلم لم يكن أو كان نتفا فرعية متناثرة قبله، وتأسس ونضج واستقر معه، ويكفي في ذلك أن نشير إلى ما كتبه صاحب "المحصول في أصول الفقه"، الفخر الرازي في الموضوع، حتى يصير نبش هذا الموضوع عند البعض مجرد ترف فكري زائد، فقد ذكر أن  العلماء "كانوا قبل الإمام الشافعي يتكلَّمون في مسائل أصول الفقه، ويَستدلون ويَعترضون، ولكن ما كان لهم قانون كُلي يرجعون إليه في معرفة دلائل الشريعة، وفي كيفيَّة معارضتها وترجيحاتها، فاستَنْبَط لهم الشافعي عِلمَ أصول الفقه، ووضَع للخَلق قانونًا كليًّا، يُرجع إليه في معرفة مراتب أدلة الشرع، فثبَت أنَّ نسبة الشافعي إلى عِلم الشرع، كنسبة أرسطاطاليس إلى علم العقل".

لا يجادل أحد في صحة هذا الوصف المناقبي للشافعي، ولدوره الريادي في علم أصول الفقه، لكنه في واقع الأمر، يقدم تأريخا لهذا العلم، يصف فيه جهود ما قبل الشافعي، والإسهام الذي قدمه الشافعي، والوظيفة التي صارت لعلم الأصول معه، وينسب إليه الفضل له في تصيير ونقل علم الأصول إلى درجة "القانون الكلي" الذي يرجع إليه في معرفة أدلة الشريعة.

المهم في هذا التوصيف لدور الشافعي، أنه يقر بجهود من قبله، والتراكم الذي حققه علم الأصول حتى صار في الصورة الـتأسيسية التي أظهرها له الشافعي في كتابه "الرسالة"، لكنه، يقدم مجرد صورة مجملة عن التاريخ المبكر السابق للشافعي، فيسم الممارسة العلمية الخاصة بالأصول فيه بالحديث في مسائل الأصول والاستدلال والاعتراض، ويزعم أن مع الشافعي حصل حسم الخلاف بظهور هذا القانون الكلي التأسيسي الذي صار العلماء يحتكمون إليه، وهو ما لا يشكل في جوهر الأمر الحقيقة التاريخية، لأن أصول الشافعي ظلت على مدى التاريخ، في كلياتها وفرعياتها، موضع  خلاف مع المذاهب الفقهية الأخرى.

ولذلك، لا يعني التسليم بالدور الريادي للشافعي في تأسيس علم الأصول، أن قبله لم يكن هناك شيء مما يتعلق بهذا العلم، وأن الكليات والأصول وصوغ القانون الذي يرجع إليه في معرفة أدلة الشرع، لم تعرف إلا معه، وإنما يعني أن التراكم العلمي، سواء في تطور مادة العلم أو تبلور ونضج الاصطلاح الفني قد وصل إلى مستوى ساعد الإمام الشافعي على تنظيم المادة وتنهيجها وإعادة صياغة مفرداتها بشكل منهجي أكثر صرامة، كما يعني من جهة أخرى الوعي بالخلفيات والتحيزات المعرفية التي تحكم الدراسات الغربية الدافعة بهذه المقولات، وعدم الاستسلام لفخاخها.

في مناقشة أطروحة تأصيل الشافعي للأصول

تختلف منطلقات القائلين بهذه المقولة، لكنهم جميعا يسلمون بالأساس الذي قامت عليه، أي المسلمات أو بالأحرى الافتراضات التي انطلق منها المستشرقون الأوائل (غولدتسيهر، شاخت، مرجليوث وغيرهم)، فهؤلاء جميعا، باختلاف إسهاماتهم يؤسسون للقطيعة بين الحديث (تعاليم النبوة) وبين نشأة المذاهب ألأصولية والفقهية، فالأول، يرى أن الأمويين كان لهم يد في وضع الحديث بما يناسب تطور حاجات التشريع، وأن أصول الشافعي استكملت هذا المسار، وأن الحديث جاء لاحقا عن عملية تأصيل الأصول وتنهيج العقل العربي، بينما ينطلق شاخت من نفس المقولة (وضع الحديث)  لكنه يربط ذلك بحاجة المذاهب الفقهية المتنافسة إلى إثبات شرعيتها، ومن ثمة فجهد الشافعي سواء مع الأول أو الثاني، جاءت في قطيعة مع الحديث كما تم تناقله شفويا ومدونا من العهد النبوي، بل جاء الحديث النبوي، متأخرا ليمارس وظيفة شرعنة إما للحاجيات التشريعية النظام السياسي أو لإثبات شرعية كل مذهب فقهي على حدة.

 المفكر العربي محمد عابد الجابري، في مشروعه البحثي: "نقد العقل العربي" لم يكشف عن رأيه إزاء هذه الافتراضات، لكنه انطلق من مسلمة مفهومية ترتبط بمفهوم العقل كما تم تقديمه في المعجم الفلسفي لـ"لالاند"، جعلته بيسر وبدون تكلف، يؤرخ لنشأة العقل بوصفه قواعد للتفكير وإنتاج المعرفة، بعصر التدوين، وتحديدا مع الإمام الشافعي في حقل علم الأصول.

لم يميز الجابري في مشروعه البحثي بين التاريخ الذي نضجت فيه هذه القواعد واكتملت واستقرت، وبين التاريخ الذي تشكلت فيه وتطورت، ومن ثمة، فقد أهمل التاريخ المبكر لنشأة الفقه والأصول، وأهمل تطور المفاهيم الأصولية سواء بوصفها أجزاء مفردة أو بوصفها أجزاء ضمن نسق أصولي، فبالنسبة إليه، لم تتأسس منظومة البيان، بوصفها نسقا يعتمد استثمار الحكم الشرعي من دلالة اللغة أو من القياس، إلا مع الشافعي، وأهمل أن هذا النسق، سواء ببنيته، أو بتراتبية الأدلة فيه، أو بحجيتها، كان مضمرا أو مشارا إليه أو حتى مقعدا في عهد جد مبكر، بل إن القياس،  بتفاصيله، سواء منه الجلي أو الخفي، كان  شبه مكتمل مع مدرسة الكوفة، وربما قبيل انصرام القرن الأول مع جهود الإمام أبراهيم النخعي، كما أن المصلحة أو الاستصلاح، مما اعتبره الشافعي استحسانا مرفوضا في الدين، قد نضج القول فيه قبل الشافعي، وإلا لما كان هناك جدوى من معارضة الشافعي له، بل إن التاريخ الفقهي يشهد للخلاف الأصولي الذي كان بين الإمامين مالك (المدينة) و الليث بن سعد (مصر) حول حجية عمل أهل المدينة، وهو  كما لا يحفى بالنسبة للمهتمين بحقل الأصول، جزء لا يتجزأ من الأصول والقواعد التي انطلق منها الجابري في تعريفه لمفهوم العقل العربي.

في نقد أطروحة التوفيق

يتبنى وائل حلاق في تصوره لتطور نظريات الفقه فكرة التوفيق أو الوساطة  التي قام بها الإمام الشافعي بين مدرستي أهل الفقه (العراق) وأهل الحديث (المدنية)، ويستند أساسا إلى مسار حياة الشافعي، واختلاف التتلمذ عنده، بين الإفادة من مدرسة أبي حنيفة وتحديدا تلميذه محمد بن الحسن الشيباني، وبين الإفادة بشكل مباشر من مدرسة الإمام مالك، وأن هذه الخبرة المزدوجة، والوعي المبكر باختلاف بيئات التشريع بين العراق المنفتح على التحديات التي فرضتها اختلاف الجنسيات، وبين المدنية التي بقيت متجانسة بحكم احتفاظها بالتقليد النبوي،  هو ما ساعده على البحث عن قواعد نظرية أصولية تنهي هذا الخلاف، أو على الأقل تقرب شقته، ومن ثمة، فجهد الإمام الشافعي انصرف إلى التوفيق، أو للدقة، اتجه إلى تشكيل التيار الفقهي الوسط القادر على خلق أنصاره،  وفي الآن ذاته،  استقطاب الأنصار من الضفتين (العراق والمدينة).

ترجمة الإمام الشافعي، وما ذكر فيها من إفادة مباشرة من شيوخه، تدعم نسبيا هذه الأطروحة، لكن لا تظهر بشكل واضح قدرتها التفسيرية، وهل التوفيق انطلق من خلفية معرفية، أي اختبار إمكانية الجمع بين أصول الحنفية وأصول المالكية بالنظر إلى كسبهما الفقهي، أو انطلق من خلفية اختبار هذه الأصول بالنظر إلى فعاليتها في مواجهة تحديات الواقع.

يتبنى وائل حلاق في تصوره لتطور نظريات الفقه فكرة التوفيق أو الوساطة التي قام بها الإمام الشافعي بين مدرستي أهل الفقه (العراق) وأهل الحديث (المدنية)، ويستند أساسا إلى مسار حياة الشافعي، واختلاف التتلمذ عنده، بين الإفادة من مدرسة أبي حنيفة وتحديدا تلميذه محمد بن الحسن الشيباني، وبين الإفادة بشكل مباشر من مدرسة الإمام مالك،
محاولة الشاطبي، التي كشف عنها في مقدمة "الموافقات"، واضحة في أن الجمع بين المدرستين، هو جهد معرفي صرف، وهو مت يفيد بأنها مهمة ممتدة، لم تنته مع جهد الشافعي، لكن بالنسبة لمسار الإمام الشافعي، تصطدم هذه الأطروحة التفسيرية بالتجديد الذي حصل في مذهبه الجديد، لما استقر في مصر بضع سنوات، والتقى بالإمام الليث بن سعد وتأثر به، فهذا الإمام كان على خلاف مع الإمام مالك لاسيما في مسألة حجية عمل أهل المدينة، وكان على دراية بمذهب ابي حنيفة وأصوله الاستدلالية، وعلى الرغم من جمعه بين مدرسة أهل الفقه وأهل الحديث، فإنه كان شديد  الأخذ بالأثر، لا يتعداه إلى غيره إن ثبت لديه كما يشهد بذلك الشافعي، فقد كان الشافعي يعتبر الليث بن سعد |أفقه وأشد تشبثا بالأثر من مالك.

ملاحظة الفوارق بين مذهبي الشافعي، القديم والجديد، يبين وجه تأثير مدرسة الليث بن سعد فيه، فمختلف الدارسين انتهوا في هذه المقارنة من أن مذهب الشافعي الجديد كان أكثر نضجا وإحكاما، وأشد اقترابا للأثر، مما يعني، بأنه اقترب خطوة أكبر إلى مدرسة أهل الأثر، منه إلى مدرسة أهل الفقه، بل إن اقتراب من الليث بن سعد أكثر من اقترابه من مالك، ليس بسبب اعتداد الليث ابن سعد بالرأي، بل لأن منهجه في التعامل مع الأثر، وعدم الاعتداد بعمل أهل المدنية، وعدم اعتباره بديلا عن الحديث، هو ما برر تحوله في مذهبه في الجديد.

تبدو أطروحة التوفيق حاضرة، لكن قدرتها التفسيرية، لا تزال في حاجة إلى مزيد من الاختبار، فميل الشافعي نحو الأثر في مذهبه الجديد، يضعف هذه الأطروحة، إلا أن يكون التفسير إعادة تقييم مفهوم الأثر في نسقه الأصولي، وإعادة صوغه في ضوء التأثيرات التي جلبها التأثر بمدرسة الليث بن سعد.

ومع ذلك، يبقى السؤال السابق المرتبط بطبيعة التوفيق، التوفيق المعرفي، أو استحضار اختلاف البيئات التشريعية، ومدى تأثيرها في اختيار النسق الأصولي، مطروحا بحدة.

وفي جميع الأحوال، ما يميز أطروحة التوفيق، أنها تنسف أطروحة الريادة التأسيسية، وتحصر دور الشافعي في جهد الاستيعاب والتركيب، مما يعني الإقرار بالإسهامات النظرية والأصولية المبكرة، وأن الأصول تأصلت قبل الشافعي، وأن ما قام به الشافعي هو جهد في التركيب وإعادة صوغ النظرية الأصولي وفق نسق منظم.

في اختبار أطروحة التراكم المعرفي:

تلتقي أطروحة التراكم مع سابقتها (أطروحة التوفيق) في معطى مهم، هو أن هناك تاريخا مبكرا للنظرية الأصولية والفقهية قبل الشافعي، لكنهما يختلفان في دور الشافعي، وهل اقتصر على جهد التركيب (التوفيق) أم أنه شكل نقلة في التراكم المعرفي الذي تحصل قبله.

الدراسات الاستشراقية المبكرة ذهبت إلى أن الجهد الذي قام به الشافعي انصرف ابتداء إلى الجانب الاصطلاحي الفني، أي بلورة اصطلاحات جديدة بدلالات مفاهيمية مطردة، مما لم يكن مسبوقا، كما ذهبت إلى أن جهده في بناء علم الأصول، وصوغ مفاهيمه ومسائله، وترتيب الأدلة وطرق الاحتجاج بها، لم يكن هو الآخر معروفا، على الأقل بالصيغة التي طرحها في كتابه "الرسالة".

لكن الدراسات الغربية الحديثة، التي اهتمت بشكل كبير بالآثار الأصولية والفقهية للقرن الثاني الهجري، والتي تم الكشف عنها، تبين أن هناك ليس فقط تاريخا مبكرا للفقه و الأصول، بل هناك أيضا تاريخا للاصطلاح الفني، وأن تطوره في سياق الزمن قبل الشافعي، يسمح بالاستنتاج بأن دور الشافعي لم يكن كما ذهبت إلى ذلك الدراسات الاستشراقية الأولى جهدا تأسيسيا بنائيا، وإنما كان جهدا تراكميا، ومن ذلك على سبيل المثال مفهوم السنة، ومفهوم القياس، وغيرها من الاصطلاحات التي تطور مفهومها مع الزمن، وكشفت الأدبيات السابقة للشافعي، بأنها تطورت إلى الحد الذي لم يكن ينقصه سوى جهد إما في ترسيم الاصطلاح الفني، أو بيان علاقته بالمفاهيم الأخرى، مما يفيد بأن جهد الإمام الشافعي، لا يختلف كثيرا عما يعرفه تاريخ العلوم، من تتويج التراكم المعرفي،  وإضفاء طابع فني على مفاهيمه واصطلاحاته، وإنتاج قالب جديد لجمع مادة علم الأصول وإعادة ترتيبها  ونسج العلاقات المنطقية بين مختلف مكوناتها.

الدراسات الاستشراقية المبكرة ذهبت إلى أن الجهد الذي قام به الشافعي انصرف ابتداء إلى الجانب الاصطلاحي الفني، أي بلورة اصطلاحات جديدة بدلالات مفاهيمية مطردة، مما لم يكن مسبوقا، كما ذهبت إلى أن جهده في بناء علم الأصول، وصوغ مفاهيمه ومسائله، وترتيب الأدلة وطرق الاحتجاج بها، لم يكن هو الآخر معروفا، على الأقل بالصيغة التي طرحها في كتابه "الرسالة".
لحد الآن،  لم تظهر انتقادات وجيهة لهذه الأطروحة وذلك لسببين بسيطين، أولهما أن تاريخ العلوم كله يسير على هذا النسق، والثاني، أن جهد الشافعي في تتويج التراكم وإحداث نقلة نوعية في حقل علم الأصول، لا يتناقض مع نتائج الأطروحات الأخرى، سوى ما يتعلق بالمنطلقات والافتراضات، فالأطروحة الاستشراقية تريد أن تنسف الأساس الديني لهذا الإسهام من خلال اعتبار الحديث ناتجا وليس مؤسسا، بينما تلتقي الدراسات الحديثة،  والدراسات التقليدية، في أن إسهام الشافعي هو امتداد لدور النبوة في تنظيم التشريع، وأنه امتداد للتقليد النبوي (الحديث).

خلاصة

قد  يستقبل البعض مثل هذه المقالة النقدية بقدر من القلق،  ويرى أنها تستهدف الإمام الشافعي، أو بالأحرى تستهدف مذهبه، وتغمطه حقه في التأسيس والتأصيل  وصوغ العقل  الأصولي، لكن التدقيق في الموضوع، واستحضار التحيزات المعرفية العميقة  التي تفسر سبب استثمار الاستشراق في هذه المقولة، كما المتابعة الدقيقة للإسهامات العلمية التي تركز على التاريخ المبكر للنظرية الفقهية والأصولية الإسلامية،  سيساعد اليوم أو غدا في تغيير العقلية،  وإعادة تقييم إسهام الشافعي، التقييم الذي يعتد بإسهامات من قبله،  وبدور العهد النبوي في تأسيس الأصول، ودور التراكم المعرفي لجهود علماء الإسلام في بلورة مفاهيمه، والاعتراف بالنقلة النوعية التي قام بها الشافعي في تتويج هذا التراكم  وإضفاء طابع فني  أكثر اختصاصا على علم  الأصول.
التعليقات (0)