الكتاب: مدخل إلى علم الحديث
الكاتب: جوناثان براون
ترجمة: هالة محمد ثابت الجندي
الناشر مركز نهوض للدراسات والبحوث
الطبعة الأولى
سنة النشر: 2025
عدد الصفحات: 400
هناك سؤال مشروع يطرح اليوم حول مداخل
العلوم الإسلامية والجدوى من إعادة طرح سؤال تاريخية العلم، ومسار تطوره، وكيف خدم
هذا المسار نضج العلم ورشد قواعده؟
في الكتابات التي تصدر عن الجامعات العربية
والإسلامية، غالبا ما يتم اعتبار هذا السؤال مقتولا بحثيا، فهناك عدد هائل من
الكتب التي غطت هذا الإشكال، وناقشت حيثياته وإشكالاته، بل وشبهه التي أثارها
المستشرقون، ففي علم الحديث على سبيل المثال، كتبت إسهامات كثيرة، غطت بشكل كامل
قضية كتابة الحديث وتعليل تعارض أحاديث المنع وأحاديث الإباحة، وتتبعت بنفس فاحص
قضية جمع الحديث وذلك في علاقة مباشرة بأنواع أمهات الكتب التي ظهرت في سياق
تاريخي تراكمي، وتركزت جهود عدد من
الباحثين على ظاهرة وضع الحديث، وحررت الإشكال المرتبط بتأثيرات السياسة والمذهب
في الحديث النبوي، بل نستطيع القول بأنه قبل مرحلة الستينيات من القرن الماضي،
أولى عدد من الباحثين مناقشات مستفيضة لآراء المستشرقين من أمثال غولدتسيهر وشاخت
وغيرهم، وتم تسليط الضوء بشكل مكثف على
مفردات منهج المحدثين في تمحيص الحديث والتمييز بين الصحيح والضعيف فضلا عن
الموضوع والمتروك.
فأمام هذه الإسهامات الكثيفة، ربما يبدو
إعادة طرح السؤال المنهجي المرتبط بمدخل العلم، ومسار تطوره إلى مرحلة نضج قواعده
واستقراره، أمرا غير ذي فائدة، لكن، ثمة اعتباران اثنان، يجعلان من إعادة طرح
السؤال، بل وتعميق النظر في سياق تشكل علم الحديث أمرا ضروريا ولازما، فالكتابات
المنهجية التي كتبت في السابق كانت محكومة في غالبها بمنطق تقديم الحجج على سلامة
وصلابة منهج علم الحديث، وهو أمر لا أحد اليوم، حتى من داخل الجامعات الغربية، من
يجادل فيه بشكل موضوعي، لكن، ما يحتاج
اليوم إلى بذل الجهد فيه، وهو إعادة بناء مسار العلم، وفق منظور نقدي تاريخي،
يستحضر نشأة وتشكل القواعد ضمن تفاعلاتها الاجتماعية والسياسية، أي إعادة كتابة
الصورة الحقيقية، تماما كما حصلت في التاريخ، لنشأة علم الحديث وتبلور قواعده،
وجهود العلماء المطردة في ذلك. وهذا المنهج، الذي يقرأ تاريخ العلوم في علاقتها
المباشرة بمختلف التفاعلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والمذهبية، ظل إلى
وقت بعيد مهملا من طرف الدراسين في العالم العربي والإسلامي، بينما أولاه الباحثون
الغربيون اهتماما كبيرا على الرغم من الفارق الكبير المسجل بين هذين النوعين من
الباحثين حول مستوى استيعاب وضبط قواعد المحدثين ومنهجم النقدي.
الاعتبار الثاني، وهو بالمناسبة ليس جديدا،
وإنما تجددت دواعيه، وهو ما يرتبط بإعادة طرح سؤال المصدرية في الشريعة الإسلامية،
وتواتر العديد من الدراسات، التي توكي خلاصاتها فكرة هيمنة الحديث على الفقه
الإسلامي بل أولويتها على القرآن، على
الرغم من أن القرآن هو المصدر الحاكم، وأن
السنة مجرد دليل إجمالي خادم له، إذا
انضافت إلى هذه الخلاصة، خلاصة أخرى تحاول بعض الكتابات العلمانية المتحيزة، أن
ترسخها عند تقييم علاقة الفقه الإسلامي بالتطرف أو بالقيم الكونية، فتقرر بأن
الإشكال يعود بدرجة أولى إلى الحديث، وأن نصوص القرآن تتناغم بشكل كلي مع ما يتطلبه العيش المشترك، بخلاف السنة،
فإنها تمثل الإشكال الأخطر في الفكر الإسلامي.
هذان الاعتباران، يبرران إعادة الاشتغال
بشكل منهجي من جديد على المداخل المنهجية للعلوم الإسلامية خاصة علم الحديث،
ويوفران الفرصة لتسليط الضوء على فجوة بحثية على الأقل داخل الكتابات العربية
والإسلامية، بخصوص التاريخ الحقيقي لنشأة علم الحديث، بدل الاقتصار على التاريخ
العلمي له.
وإذا كانت أغلب الكتابات الغربية، تجعل من
كتابات المستشرقين الأوائل قاعدة الانطلاق من غير مساءلة لمسلماتها وتقريراتها،
وتخلص بذلك لنفس الخلاصات المتحيزة التي أومأنا إليها سابقا، فإن هناك كتابات
مقابلة، أخذت مسافة عن هذه الإسهامات الاستشراقية، وحاولت أن تقرأ تطور الحديث
بالانطلاق من تاريخه الحقيقي لا التاريخ كما تصوره أوهام الإيديولوجية الغربية ذات
الأبعاد الكولونيالية، بل إنها اختارت أن تمارس النقد العلمي على هذه الأعمال الأولى، مبينة اضطرابها المنهجي،
واستسلامها للبعد الانتقائي في تطبيقه المنهج النقدي التاريخي، وإغفالها لحيثيات
مثبتة في مصادر كثيرة تنسف الخلاصات
الأساسية للأطروحة الاستشراقية.
بعض الباحثين الغربيين، وهم مندفعون بواجبات الموضوعية في استخدام المنهج العلمي، يقتربون كثيرا من حقائق علم الحديث، كما تشكل وتطور في واقعه التاريخي، لكنهم، لا يذهبون إلى أبعد من ذلك، فيضطرون بفعل الموقع والانتماء للفضاء الغربي، وربما لاعتبارات تخص الوضع الجامعي، إلى مثل هذه الالتباسات التي تبقيهم في دائرة الشك، فالبقاء في هذه الدائرة، هو الفاصل الذي يؤمن الانتماء الأكاديمي بالمقياس الغربي
ومن بين هذه الجهود، نتوقف على كتاب أستاذ
الدراسات الإسلامية ورئيس قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية بجامعة جورج
تاون، جوناثان بروان، في كتابه: "مدخل إلى علم الحديث" الذي صدرت ترجمته
العربية عن مركز نهوض السنة الماضية، ونحاول في هذه المراجعة أن نسلط الضوء على ما
تضمنه، والإضافة التي قدمها، وموقعها ضمن التراكم العلمي والمنهجي، هذا فضلا عن
الأثر الذي يتوقع أن يحدثه في ساحة الجدل حول علاقة السنة بالقرآن، وموقعها من
التشريع، وأدوارها ووظائفها في حقل السياسة.
بين يدي الكتاب:
قبل
عرض فصول الكتاب، نشير إلى ميزة مهمة
يتسم بها، كونه لا يكتفي بتتبع مسار تطور الحديث وتسليط الضوء على القضايا
الإشكالية في هذا المسار (كتابة الحديث في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وجمعه
وتدوينه، وظاهرة الوضع) داخل الفضاء
السني، وضمن ما يسمى بأهل السنة والجماعة، وإنما حرص أن يناقش قضية وظائف
الحديث، المعرفية والعقدية، والسياسية، أي
دور الحديث في تشكل الفقه وعلم الأصول (الوظائف المنهجية) ودوره في حقل العقيدة (وظيفة
الحديث في العقيدة والتصوف) ودوره في السياسة (الوظيفة السياسية)، ولم يكتف بالفضاء السني، وإنما أدمج إلى ذلك
الفضاء الشيعي بتلويناته المختلفة. ولم يكتف بتأطير النقاش العلمي حول سجالات
الأمس حول الحديث النبوي، بما في ذلك تداعيات أعمال المستشرقين وكيف تم الاستجابة
لها ومناقشتها، وإنما تعدى ذلك إلى تسليط الضوء على السجالات التي تثار حول الحديث
النبوي في العالم الإسلامي الحديث.
يحتوي الكتاب على تسعة فصول أساسية، يتناول
في الفصول الثلاثة الأولى البدايات الأولى لبروز الحديث النبوي (كلمات الرسول وكيف
تعامل معها الصحابة الكرام، ورواية الحديث ومسار جمعها وكيف تشكلت مناهج علم
الحديث وتاريخه)، بينما يركز الفصل الرابع على الحديث النبوي داخل الفضاء الشيعي،
لينتقل في الفصول الخامس والسادس والسابع والثامن للحديث عن وظائف الحديث النبوي
المنهجية والعقدية والسياسية، وذلك كما تبلورت في التاريخ في سياق تراكمي مطرد. في
حين، جاء الفصل التاسع سجاليا على غير نسق الفصول الأخرى، إذ خصصه لنقد الإسهامات
الغربية، الاستشراقية والتنقيحية على الخصوص، والتي اشتغلت على قضية الموثوقية،
وتواطأت في خلاصتها على نفي الصحة التاريخية للأحاديث النبوية.
أما الفصل العاشر، فقد حاول فيه الباحث أن
ينتقل من سجالات الماضي حول الحديث النبوي إل سجالات الحاضر في العالم الإسلامي
الحديث.
يختار الباحث في خاتمة بحثه أن يلخص
المضامين الأساسية لكتابه، لكنه، يفتح قوسا صغيرا، يلمح فيه إلى رأيه بخصوص الجدال
حول موقع الحديث النبوي في صوغ الفكر الإسلامي في عالمنا الإسلامي اليوم، ويقتبس
نصا لسقراط يختبئ وراءه ليظهر وجهة نظره في هذه الإشكالية، وهو ما سنحرر النظر فيه
في خاتمة هذا المقال، لنرى مدى انسجامها مع صلب الكتاب ومضامينه الأساسية ومنهجه
أيضا.
الموثوقية في الحديث النبوي.. "براديغم" الإسناد
تحتل قضية الموثوقية (صحة نسبة الحديث إلى
النبي صلى الله عليه وسلم) القضية المركزية في علم الحديث، وهي التي بررت اجتهاد
المحدثين لتأسيس مصطلح الحديث، وتأسيس علوم الحديث المتنوعة: "علم
الرجال" و"علم الجرح والتعديل" وعلم العلل" و"علم
التخريج".
يعتبر جوناثان براون أن قضية كتابة الحديث
في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تثير إشكالا منهجيا كبيرا، ويعتبر أن
تعليل العلماء لأحاديث منع الكتابة منسجم مع منطق التاريخ والوقائع التي شهدها
التاريخ الإسلامي، وأنه في الحال الذي وقع فيه الاطمئنان على حفظ القرآن وجمعه
وتدوينه، أخذت كتابة الحديث مجراها العادي، وتزاوجت الرواية الشفوية مع المدونات
المكتوبة، وتطور ظهور مدونات الحديث بشكل يعكس هذا الطابع، إذ تقدمت
"المصنفات" تلبية الحاجة الفقهية ولجمعها بين أحاديث النبي وأحاديث
الصحابة والتابعين، وتلتها المسندات التي تعتبر الدليل الأقوى على وقوع كتابة
الحديث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لأنها كانت تدور كلها حول رواية أحاديث صحابي من الصحابة مسندة إلى النبي صلى
الله عليه وسلم، ثم جاءت الصحاح بعد هذه الكتب والتي جردت الحديث الصحيح المسند إلى النبي، لتتلوها السنن التي جردت الأحاديث التي لها علاقة
بالأحكام، ثم كتب أخرى مندرجة ضمن الصحاح سعت إلى أن ترفع درجة بعض الأحاديث لدرجة
شرط الشيخين أو شرط أحدهما كما فعل ابن خزيمة والحاكم في مستدركه وغيرهما.
لقد تناول الباحث مسار ظهور كتب الحديث من
زاوية التطور الذي حصل في الأمصار، بعد استقرار جزء مهم من الصحابة في المدينة
ورحلة بعضهم إلى أمصار أخرى، مثل العراق ومصر والشام، واعتبر أن البروز القوي
لمدونات الحديث، جاء بعد مرحلة الشافعي، الذي أعاد الاعتبار للسنة النبوية في أدلة
الأصول، بعد أن كان الفقه في العراق (فقه ابي حنيفة) يعتمد كثيرا على الرأي
والقياس بسبب قلة الصحابة الذين رحلوا إلى العراق من جهة (بني فقه أبي حنيفة على
أحاديث وآراء التابعين الذين صحبوا الصحابي الجليل عبد الله ابن مسعود)، وبسبب
انبناء الفقه في المدنية على عمل أهل المدينة، بحكم أنه كانوا يعتبرون أنفسهم ورثة الإرث النبوي في شكل عملي، فكان حظ الشافعي الذي استفاد من المدرستين (فقه مالك وفقه ابي حنيفة)أن أعاد بناء أدلة
الأصول بالشكل الذي برزت فيه الحاجة الكبيرة إلى بروز مدونات الحديث بعد أن كان
الجزء الأكبر منها شفويا أو مكتوبا في صحف ورثها تابعون وتابعون تابعين صحبوا
بعض الصحابة وذلك في أقطار مختلفة.
يتناول الباحث قضية الموثوقية باستخدام
مفهومين أساسيين يشكلان في واقع الأمر البراديغمين الرئيسيين في علوم الحديث كافة،
أولهما هو الإسناد، ليس فقط في بعده المنهجي والعلمي، الذي يعني حصول الاتصال بين
الراوي والمروي عنه، في سياق زمني ممتد، دون تسجيل أي انقطاع، ولكن أيضا بالمعنى
الديني والرمزي، أي وجود حالة روحية تتملك الراوي الذي يريد أن ينتسب إلى النبي أو
يتمتع بميزة التحديث المباشر عن رسول الله، من خلال سلسلة الإسناد.
هذا الاتصال الروحي، والمنهجي في الآن ذاته،
يعتبر في نظر الباحث الميزة الأساسية لعلم الحديث، والتي لم تتوفر لا في تاريخ
كتابة ورواية الإنجيل والتوراة، ولا في كتابة أي من الكتب التي تدور عليها ديانات
أخرى مثل البوذية على سبيل المثال.
يشير الباحث إلى الصفات و الشروط التي
اشترطها العلماء لتأمين اتصال سلسلة السند، وهي شروط أملتها تلك السمة الدينية
الرمزية، التي تجعل الانتساب والاتصال بالنبي والتحديث المباشر عنه، مستلزما لجملة
من المواصفات القيمية (عدالة الراوي) التي تضمن الموثوقية وعدم الكذب على
النبي، والمواصفات المرتبطة بضبط الحديث
وإتقان أدائه كما هو من غير زيادة أو تحريف (ضبط الراوي)، بيد أنه لا يكتفي بذلك، ويعتبر أن القواعد العقلية
والمنطقية والمنهجية، في التحقق من المتن ظلت حاضرة بقوة في مفردات قواعد
الحديث، إذ برز لدى علماء الحديث مفهوم
الشواهد والمتابعات من الأحاديث والتي كان دورها التيقن من صحة الحديث من خلال
أحاديث أخرى رويت بطرق مختلفة ترد بنفس لفظها أو باختلاف قليل في بعض ألفاظها من
غير تغير في دلالة الحديث، فتكون شاهدا على صحتها. وذلك دون أن يغفل التطرق إلى
قواعد متن الحديث التي استعملت علماء الحديث في علم العلل، للتيقن من صحة الحديث.
ملخص ما أثبه الباحث في الفصول الأولى
المرتبطة بسياق تطور علم الحديث وظهور مدوناته، وأسباب ذلك، وعلاقة ذلك بالحاجة
إلى الفقه، أن القواعد المنهجية التي
أرساها علماء الحديث تجعل الطعن في موثوقية الحديث أمرا بعيدا عن مقتضيات العلم،
وأن القواعد التي يتم اللجوء إليها اليوم
في الصحافة والإعلام للتوثق من الخبر، وتأكيد موثوقية مصادره، تتقاطع مع ما أسس له علماء الحديث، وأنه إذا
كان جائزا اليوم الادعاء بوجود صحفي مهني بسبب تحريه في نقل الأخبار عن المصادر
الموثوقة، وسقوط مهنية صحفي آخر بسبب ثبوت نقله لأخبار غير صحيحة واعتماده على
مصادر غير موثوقة، فإن التحدي نفسه كان يواجه الرواة عند رواية الحديث بسبب صلابة
القواعد التي وضعها علماء الحديث في التحري والتوثق من صحة الحديث، وكما أن الصحفي
المهني يجتهد دائما لانتقاء مصادره واشتراط الموثوقية، وعدم نقل إلا الخبر الصحيح
بسبب الخوف على سمعته ومهنيته من السقوط، فإن الأمر ذاته ينطبق على راوي
الحديث، بل يزيد الأمر حدة، لأن ألأمر لا
يتعلق بواجب مهني ومستقبل وظيفي بل بوظيفة دينية تتعلق بحفظ الدين والشريعة.
سجالات مع المستشرقين المتقدمين والمتأخرين
تطول بنا هذه المراجعة لو فصلنا الحديث عن
مضمون كل فصل، خاصة منها ما يتعلق بوظائف الحديث المنهجية والعقدية والسياسية،
لكن، ربما فرضت هذه المساحة المحدودة أن يقع التركيز أكثر على الفصل التاسع من
الكتاب، لأنه يتعلق برأي باحث غربي حول إسهامات المستشرقين القدامى والباحثين
الغربيين المحدثين.
أهم ما يميز هذا الرأي أنه في البدء يقرر
التمايز في المسلمات البحثية والمنهجية بين الباحثين الغربيين وباحثي العالم
العربي والإسلامي، فالباحث الذي ينتمى إلى العالم العربي الإسلامي، ينطلق غالبا،
من مسلمة حفظ الله للوحي، وأن الرسول أدى
وظيفية بيانية للوحي، ومن ثمة، تطرح مشكلة الموثوقية من هذه الزاوية، وينظر لعلوم الحديث كآلية وقواعد
منهجية وضعها العلماء لتثيبت هذه
المسلمات، بينما لا يحتكم الباحث الغربي
لهذه الخلفية، ويعتبر أن محمدا مجرد بشر، وأن الله لا يتدخل في حياة البشر، وأنه
تبعا لذلك، فالشك هو المنهج الأكثر فعالية في إثبات موثوقية الأحاديث ونسبتها إلى
محمد.
ومع انطلاقه من هذا التمايز الذي قصد به
التمييز بين الأسس الفلسفية المؤسسة لمنهج كل فريق على حدة، فإن الباحث يسجل في
الجهة المقابلة أن عددا من الباحثين من المستشرقين القدامى كانوا مرتبطين بخلفية
أخرى، فوق منهجية، أملاها الاصطفاف السياسي، إذ كانوا يساعدون النظم السياسية
الغربية (حكومات بلدانهم) على تحقيق أهدافهم في الاستعمار، وأن إثارة الشك في الحديث، أو في الأصول كانا
يهدف بالأساس إلى تقويض الهوية الداخلية لهذه الشعوب وإضعاف دورها في تعبئة الشعوب
لمقاومة للاستعمار.
ينتقد الباحث منهج النقد التاريخي الذي
اعتمده الباحثون الغربيون لعلم الحديث، ويرى أن عطبه الرئيسي كونه ينطلق من مركزية
أوربية تنطلق من خلفية "إنسانوية عصر النهضة" بحيث كان القصد إثبات هذه
المركزية بتفسير المعقولية والطبيعة المنهجية للعلوم التراثية الإسلامية بارتباط
مع المثاقفة والتأثر بالإرث الروماني واليوناني الكلاسيكي من جهة، والتشكيك في
موثوقية القرآن والسنة على السواء وإعادة إحياء ما يسميه الباحث بـ: "النزعة
الشكوكية الكلاسيكية" والتي تقوم على ثلاث فرضيات أساسية: افتراض الشك في صحة
وموثوقية النص والخبر التاريخيين، وارتياب العام في السرديات العقدية التي تشتمل عليها هذه النصوص والأخبار، ثم اليقين
بقدرة الباحث على تخل الصحيح من
المكذوب بتحديد أجزاء النص التي تدفع
بغايات تاريخية، وذلك بتحليل المصدر التاريخية باتباع المناهج الشكية.
يصنف الباحث مراحل النقد الغربي لبواكير
التاريخ الإسلامي على أربعة اتجاهات: الاتجاه الاستشراقي، والاتجاه الدفاعي
الموالي للإسلام، والاتجاه التنقيحي، ثم اتجاه المراجعة الغربية.
حرص الباحث الأمريكي في هذا الكتاب أن يقدم نظرة منهجية وعلمية محايدة تقريبا، منتصرا في ذلك إلى أطروحة موثوقية الحديث، وصحة نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومحاولة تقديم رؤية تفسيرية، تعتمد المنهج النقدي التاريخي، تمكن من فهم الطريقة التي تطورت بها علوم الحديث، وأثبتت نظراته النقدية الخلل المنهجي التي اعتور كتابات الاتجاه الاستشراقي والتنقيحي، مركزا أطروحته على محاولة إفهام الغرب "براديغم الإسناد" في بعديه الديني والعلمي،
يركز الباحث ضمن اتجاه الاستشراقي على
غولدتسيهر، ويرى أنه استعمل أداتين نقديتين في التحقق من موثوقية الحديث النبوي،
الأول هو المفارقات التاريخية، والثاني هو مبدأ التشابه، وتوقف على أربعة دوافع
لاختلاق الأحاديث: سياسية، وفقهية، وطائفية، ومجتمعية تاريخية.
وينقل الباحث رأي غولدتسيهر في نسبة وضع
الحديث للحكم الأموي والعباسي ايضا(الدوافع السياسية)، ونسبة الوضع للشيعة
وخصومهم، وارتباط وضع بعض الأحاديث بالتعصب للمدن والقبائل والمذاهب، ثم يورد بعض تفاصيل أطروحة المستشرق شاخت وكيف انبنت
على فكرة أن الأحاديث تم وضعها لأهداف تتعلق بقيام المذاهب الفقهية وتأكيد
أطروحتها، وينطلق في ذلك من نزعة شكوكية
ترى أن أحاديث الفقه لا تعكس التفاصيل الحقيقية لحياة النبي، وإنما جاءت نسبتها
إلى النبي على يد المذاهب الفقهية المتأخرة لتأكيد ما يعتقده أعلامها وأئمتها.
يلاحظ الباحث على هذا الاتجاه أن مبالغته في
المنهج الشكوكي، جعله يمارس قدرا كبيرا من الانتقائية في التعامل مع المؤشرات،
خاصة منها التي تنسف الأدلة التي يتم اللجوء إليها، إذ في الغالب ما ينزع هذا
المنهج إلى استبعاد الأدلة المخالفة، وذلك بسبب اعتماد تعميمات غير مثبتة
باستقراءات واسعة لعدد من المصادر والاشتغال بأعمال محدودة، ومحاولة سحب الخلاصات
بشأنها على كل مدونات الحديث والفقه.
يورد الباحث في الاتجاه الدفاعي المساند
لأطروحة المحدثين في موثوقية الحديث، إسهامات كل من أحمد خان ونبيهة عبود ومحمد
مصطفى الأعظمي الذي تمثل أعماله النقدية أشرس نقد وجه الأطروحة شاخت على الخصوص.
ثم يورد أطروحة الاتجاه التنقيحي، التي انطلقت من الانتقادات التي وجهت للاتجاه
الاستشراقي (التحيز، الانتقاء، الاعتماد على قلة من المصادر، اللجوء إلى التعميم
غير المنهجي)، إذ توجه التنقيحيون إلى تطبيق المنهج النقدي التاريخي على نحو كلي
على التاريخ الإسلامي المتقدم، وأيضا من نقد أطروحة الاتجاه الدفاعي وذلك على
خلفية أنه انطلق في الرد على المستشرقين من مصادر تم تأليفها على مسافة بعيدة عن
العصر الأول (البواكير الأولى للإسلام) موضوع البحث.
ويورد الباحث ضمن هذا الاتجاه أعمال كل من
بتريشيا كرون ومايكل كوك، وقد تراوحت كتابات هذا الاتجاه في العموم بين إثبات
خلاصات بعض المستشرقين، أو إثبات نسبة الفقه الإسلامي إلى القانون الروماني
(المركزية الغربية) أو محاولة إغناء الأطروحة الاستشراقية كما هو الشأن في تفسير
كثرة الأحاديث في الباب الواحد، وأنه محاولة بعض الرواة لوضع أسانيد مختلفة إثبات
صحة الحديث.
يورد الباحث ضمن الاتجاه الرابع، اتجاه
المرجعة النقدية، أعمال باحثين مثل فرد دونر وهارارد متزكي، تأطروا بخلفيتين
أساسيتين، افتقار أدلة المستشرقين والتنقيحيين للدقة، ووضع تعقيد واتساع الحديث
الإسلامي بعين الاعتبار. فيدفع دونر بأطروحة نقدية مهمة يرى فيها أنه من الصعب أن
نصدق أن مجتمعا علميا ممتدا من إسبانيا إلى آسيا الوسطى عانى من النزاعات الداخلية
أشد المعاناة قد رتب لمثل هذه المؤامرة التاريخية (يقصد صناعة رؤية فلسلفية كلية
عقدية سياسية ومذهبية واجتماعية من خلال وضع الحديث)، وأنه من غير العقول أن ينسق
المجتمع المسلم المتقدم المنقسم غير المركزي "لتحرير شامل للتقليد
الإسلامي" بأسره حتى يصبح على هيئة واحدة دون أن يخلف ذلك أدلة تاريخية وافرة.
وبعد
حرص الباحث الأمريكي في هذا الكتاب أن يقدم
نظرة منهجية وعلمية محايدة تقريبا، منتصرا في ذلك إلى أطروحة موثوقية الحديث، وصحة
نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومحاولة تقديم رؤية تفسيرية، تعتمد المنهج
النقدي التاريخي، تمكن من فهم الطريقة التي تطورت بها علوم الحديث، وأثبتت نظراته النقدية الخلل المنهجي التي
اعتور كتابات الاتجاه الاستشراقي والتنقيحي، مركزا أطروحته على محاولة إفهام الغرب
"براديغم الإسناد" في بعديه الديني والعلمي، لكنه، في خاتمة كتابه وفي الستة أسطر الأخيرة تحديدا كشف عن الحيرة التي
تستولي على الباحثين المسلمين وغير المسلمين حول سؤال ما المحركات التي ينبغي أن
تحدد طريقة التفاعل مع الماضي؟
لم يقدم جوابا صريحا في الموضوع، لكنه أحال
إلى حكمة سقراط، التي قال فيها لأفلاطون: "لقد سمعت خبرا للأقدمين، ولا يعلم
سواهم أصحيح هو أم لا، ومع ذلك، هل تظن إن نحن عرفنا الحقيقة أنه يجدر بنا
الاهتمام بآراء البشر" وهي الحكمة التي تفتح باب التأويل عن المقصود من
كلامه، وهل تتطابق بالفعل مع التوصيف الذي حلى به نفسه في مقدمة الكتاب، وذلك حين
وقع تأليفه لكتابه من صنعاء باسمه واضعا تحته "خادم الحديث الشريف"، وهل
تتناغم مع المجهود العلمي الذي قدمه طوال بحثه.
تقديري، أن بعض الباحثين الغربيين، وهم
مندفعون بواجبات الموضوعية في استخدام المنهج العلمي، يقتربون كثيرا من حقائق علم الحديث، كما تشكل
وتطور في واقعه التاريخي، لكنهم، لا يذهبون إلى أبعد من ذلك، فيضطرون بفعل الموقع
والانتماء للفضاء الغربي، وربما لاعتبارات تخص الوضع الجامعي، إلى مثل هذه
الالتباسات التي تبقيهم في دائرة الشك، فالبقاء في هذه الدائرة، هو الفاصل الذي
يؤمن الانتماء الأكاديمي بالمقياس الغربي، فمن الواضح جدا، أن الباحث أراد إقامة
مسافة عن الاتجاه الاستشراقي والتنقيحي من جهة، وعن الاتجاه الدفاعي الموالي
للإسلام من جهة أخرى، واختار لنفسه أن يبقى في دائرة الشك، ولو في حدوده الدنيا،
حتى يؤمن لنفسه الحياد الأكاديمي،
الذي يصنفه ربما في دائرة اتجاه المراجعة
بدل العصف بمصيره الأكاديمي، في حال الرحلة إلى الفضاء الموالي للإسلام.