في أي نظام سياسي، تُشكّل الأحزاب رافعة
أساسية لتنظيم التمثيل الشعبي، وصوغ البرامج، وتداول السلطة، ومساءلة الحكم. لكن
التجربة
اللبنانية تكشف وجهاً أكثر تعقيداً: فالأحزاب لم تكن دائماً أدوات تنافس
ديموقراطي بقدر ما تحوّلت، في محطات عديدة، إلى قنوات نفوذ ومصالح، وأحياناً إلى
منصّات لمشاريع خارجية تتقاطع مع الانقسام الداخلي وتغذّيه.
يضاف إلى ذلك أنّ البنية الحزبية في لبنان
ارتبطت تاريخياً بالهوية الطائفية، إذ تمثّل معظم الأحزاب شريحة مذهبية أو جماعة
أهلية، فيما حافظت أحزاب أخرى على طابع علماني أو عابر للطوائف، بدرجات متفاوتة من
النجاح. وفي السنوات الأخيرة، برزت محاولات لتأسيس أحزاب جديدة تحمل خطاباً
إصلاحياً أو مدنياً، لكنها لم تتمكّن بعد من فرض نفسها شعبياً وسياسياً على نحو
مستقر.
من هنا تأتي هذه السلسلة: قراءة موضوعية
للأحزاب اللبنانية في تاريخها وحاضرها، والتعرّف إلى قيمها ومبادئها وخياراتها،
لفهم دورها في صناعة
تاريخ لبنان والمساهمة في رسم مستقبله. سنعود إلى ظروف نشأة
كل حزب والسياق الذي رافق تأسيسه، ونقرأ تحوّلاته التنظيمية والفكرية عبر المراحل
المفصلية التي مرّ بها لبنان، كما نتوقف عند خطابه السياسي، وعلاقته بالهوية
الوطنية وبالانتماءات الطائفية، وتموضعه في التحالفات والصراعات الداخلية، وانعكاس
ذلك على قاعدته الشعبية.
ولا يقتصر هدف هذه القراءة على سرد التاريخ،
بل على فهم كيفية تشكّل خيارات الحزب ومواقفه، وما الذي بقي ثابتاً في مبادئه وما
الذي تبدّل تحت ضغط الوقائع. نخصص هذا المقال للتعرف إلى حركة "أمل" ـ
أفواج المقاومة اللبنانية، ضمن حلقتين متتاليتين، لكونها واحدةً من أبرز التنظيمات
السياسية والعسكرية في تاريخ لبنان المعاصر.
تجاوزت
حركة أمل (أفواج المقاومة اللبنانية)
منذ تأسيسها عام 1975 حدودَ كونها تنظيمًا شيعيًا ضيّقًا لتصبح فاعلًا محوريًا في
صياغة
السياسة اللبنانية. فمنذ أن انبثقت من حركة المحرومين التي أسسها السيد موسى
الصدر وحتى يومنا هذا، حاولت حركة أمل تقديم نموذج شيعي لبناني منفتح على "الدولة" ومرحّب
بالتعددية، خلافاً للحركات والأحزاب الشيعية الأخرى التي تبنّت خطاب الثورة
الإيرانية وفكرة "ولاية الفقيه" العابرة للحدود.
بطاقة تعريف:
الإسم: حركة أمل "أفواج المقاومة
اللبنانية"
التأسيس: عام 1974 تأسست كـ"حركة
المحرومين" ثم أُعلن عن جناحها العسكري تحت اسم أفواج المقاومة اللبنانية ـ
أمل عام 1975
المؤسّس: السيد موسى الصدر
الشعار: "نحمي ونبني"
الرمز البصري (Logo/Emblem): الشعار دائري الشكل، يتكوّن من خلفية خضراء
وحلقة خارجية حمراء وإطار داخلي أبيض يتضمن اسم الحركة في "هوية رمزية
مغلقة" توحي بالتماسك والانتماء.
الرئيس الحالي: نبيه بري
مدة الولاية: منذ عام 1980 حتى اليوم (رئاسة
مستمرة دون تحديد ولاية زمنية انتخابية داخلية معلنة بشكل دوري)
التمثيل النيابي (انتخابات 2022): 15 مقعداً
نيابياً ضمن كتلة متحالفة مع قوى أخرى في إطار "الثنائي الشيعي"
النشأة وظروف التأسيس
لم تكن حركة "أمل" حزباً مرخصاً
عند تأسيسها بل كانت تنظيماً مسلحاً انبثق عن حركة المحرومين وهي حركة اجتماعية
أسسها رجل الدين الشيعي، الإيرانيُّ المولد واللبناني الانتماء، السيد موسى الصدر
عام 1974، ثم تحوّلت الحركة إلى حزب سياسي بفعل دخولها مؤسسات الدولة وتكرّس ذلك
ضمن النظام الذي نشأ بعد انتهاء الحرب الأهليّة.
شكّلت أعمال موسى الصدر عند تأسيسه حركةَ المحرومين ثم أفواج المقاومة اللبنانية "أمل" محاولةً لإعادة صياغة الدور السياسي للطائفة الشيعية في لبنان خارج النموذج التقليدي القائم على الزعامة الإقطاعية والعائلية.
تعود جذور حركة أمل إلى المشروع الحضاري
الذي أطلقه الصّدر، حين حلّ في لبنان عام 1959. أدرك الصدر، منذ وصوله إلى مدينة
صور جنوبًا، أن المجتمع الشيعي اللبناني يرزح تحت ثلاثة أعباء متشابكة: الإقصاء
السياسي المنهجي من معادلة الحكم المارونية-السنية السائدة آنذاك، والتخلف
الاجتماعي والاقتصادي في المناطق ذات الغالبية الشيعية كالجنوب والبقاع، فضلًا عن
الحرمان من الاعتراف الرمزي والهوياتي في إطار الدولة اللبنانية.
استجابةً لهذه التحديات، أسس الصدر عام 1969
"المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى" الذي أضحى الجسم المرجعي للطائفة
الشيعية في إطار الدولة. ثم انتقل إلى خطوة أجرأ حين أعلن عام 1974 عن تأسيس
"حركة المحرومين"، التي لم تكن حركةً طائفية بالمعنى الدقيق، بل خطابًا
اجتماعيًا شاملًا يستهدف كل الفئات المهمّشة في لبنان بصرف النظر عن انتماءاتها
الدينية. وفي عام 1975، مع اندلاع الحرب الأهلية، أُنشئ الجناح العسكري للحركة تحت
اسم "أفواج المقاومة اللبنانية - أمل"، حيث اختيرت هذه الأحرف الأولى
لتحمل دلالة واعدة، إذ تعني كلمة "أمل" في العربية الرجاءَ والتطلع إلى
الأفضل.
شكّلت أعمال موسى الصدر عند تأسيسه حركةَ
المحرومين ثم أفواج المقاومة اللبنانية "أمل" محاولةً لإعادة صياغة
الدور السياسي للطائفة الشيعية في لبنان خارج النموذج التقليدي القائم على الزعامة
الإقطاعية والعائلية. فقد انطلق الصدر من مرجعية إسلامية شيعية واضحة، لكنّه قدّم
خطاباً مختلفاً عن الخطاب المذهبي المغلق، إذ ربط بين العدالة الاجتماعية،
والمواطَنة، والديمقراطية، وحقوق المحرومين من مختلف الطوائف. وكان يكرّر أن
"الطوائف نعمة والطائفية نقمة"، في إشارة إلى رفضه تحويل الانتماء
الديني إلى أداة انقسام سياسي دائم.
وقد ركّز الصدر على أن الشيعة في لبنان لا
يطالبون بالهيمنة، بل بالمشاركة العادلة داخل الدولة وإنهاء التهميش التاريخي الذي
طال مناطق الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية. لذلك رفع شعار "حركة
المحرومين"، لا "حركة الشيعة"، في محاولة لبناء إطار سياسي عابر
للطوائف نظرياً، حتى وإن استند عملياً إلى قاعدة شعبية شيعية واسعة. كما رفض
الانخراط الكامل في الحرب الأهلية في بداياتها، وحاول تقديم نفسه كصوت وطني إصلاحي
لا كزعيم فئوي.
هذا الخطاب مثّل قطيعة مع الزعامة الشيعية
التقليدية التي جسّدتها عائلتا الأسعد والخليل، حيث كانت العلاقة السياسية تقوم
على النفوذ العائلي والزبائنية المحلية. إنحسرت زعامة آل الأسعد، ولا سيما كامل
الأسعد بعدما نجح الصدر عبر حركة المحرومين ولاحقاً أفواج المقاومة اللبنانية –
أمل، نجح في جذب قواعد شيعية واسعة كانت تدين بالولاء لبيت الأسعد، مستفيداً من
خطاب الحرمان والتنمية والمقاومة، ما أدى عملياً إلى إقصاء هذه العائلة تدريجياً
من مركز القرار الشيعي في الجنوب.
أما آل الخليل، فانقسموا حيال مشروع الصدر،
ووقف كاظم الخليل في مواجهة الصدر، بينما انخرطت شخصيات أخرى من العائلة نفسها في
مشروعه إلى جانب عائلات علي عسيران وعبد اللطيف الزين وبيضون وبزي وغيرهم، الذين
اختاروا التكيّف مع حركة الصدر الصاعدة. وقد ساعد هذا الانخراط الصدر على تفكيك
الاحتكار التقليدي للزعامة الشيعية الجنوبية وتحويل حركته "أمل" إلى
إطار جامع لشرائح اجتماعية وعائلية متعددة.
أما في البقاع، فواجه الصدر أيضاً نفوذ آل
حمادة التاريخي في الهرمل وبعلبك، لكنه تعامل بمرونة أكبر مع صبري حمادة الذي أدرك
مبكراً حجم التحول الشعبي الذي يقوده الصدر، فاختار الانخراط في المشروع الجديد
بدل خوض معركة خاسرة ضده. ومن رحم هذا التقاطع بين الصدر وبعض أوساط آل حمادة، برز
حسين الحسيني ـ الحليف التاريخي لحمادة ـ الذي أصبح لاحقاً من أبرز مؤسسي حركة أمل ومن أبرز رؤساء البرلمان البناني.
كان لافتاً تعامُل عدد من الزعماء الدينيين
والسياسيين مع الصدر بوصفه شخصية حوارية معتدلة، نجحت في نسج علاقات مع البطريركية
المارونية ومع قيادات سنية وعلمانية وطنية، وشارك في لقاءات عابرة للطوائف، ما
ساهم في تكريس صورته كأحد أبرز دعاة العيش المشترك في لبنان خلال ستينيات
وسبعينيات القرن العشرين. ورغم أن حركته بقيت مرتبطة بالتمثيل الشيعي، فإن خطابه
في تلك المرحلة اتسم بمحاولة الجمع بين الهوية الإسلامية والانتماء الوطني
اللبناني الجامع.
إلى أن وقعت حادثة مفصلية غيّرت مسار حركة
أمل وأثرت في وتيرة صعود الطائفة الشيعية في لبنان، وهي حادثة اختفاء موسى الصدر
خلال زيارته ليبيا في آب أغسطس من العام 1978. إختفى في ظروف غامضة مع اثنين من
مرافقيه، وقد نفت السلطات الليبية أي علم لها بمصيره، فيما أصرّ لبنان على مطالبة
ليبيا بالكشف عن الحقيقة. وقد خلّف غياب الصدر فراغًا قياديًا حوّلته الحركة إلى
رمز جامع لأبناء الطائفة الشيعية عموماً وللمناصرين خصوصاً، قبل أن يتولى قيادة
الحركة لاحقًا كلٌّ من حسين الحسيني ونبيه بري الذي أمسك بزمامها منذ 1980 حتى
اليوم. ولو بقي الصدر موجوداً، يرى عدد من الباحثين أنّ مسار التشيّع السياسي في
لبنان ربما كان سيأخذ اتجاهاً مختلفاً أو أقل ارتباطاً بالمركز الإيراني.
إختفاء موسى الصدر
إتسمت زيارة الصدر إلى ليبيا في آب أغسطس
1978، بطابع سياسي وإقليمي بالغ الحساسية، إذ جرت في لحظة كان فيها لبنان يعيش
ذروة الحرب الأهلية، بينما كانت المنطقة تشهد تحولات كبرى. وقد أعلنت المصادر
الرسمية آنذاك أن الصدر توجّه إلى ليبيا بدعوة من نظام معمر القذافي، وكان من
المفترض أن يعقد لقاءً معه في طرابلس
لكن خلف هذه الصيغة الرسمية، تعددت
التفسيرات لأهداف الزيارة. فبعض الروايات تشير إلى أن الصدر أراد بحث الوضع
اللبناني الجنوبي بعد الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان عام 1978، وطلب دعم سياسي
ومالي للمحرومين الشيعة ولحركة أمل الناشئة. فيما تحدثت روايات أخرى عن وجود توتر
فكري وسياسي بينه وبين القذافي، خصوصاً بسبب انتقادات الصدر لبعض مواقف النظام
الليبي وسلوكه تجاه المرجعيات الدينية الشيعية. كما ظهرت لاحقاً فرضيات تربط
الزيارة بملفات إقليمية أوسع، بينها العلاقة مع المقاومة الفلسطينية، والوضع في
إيران قُبيل الثورة الإسلامية في ظل صعود المعارضة الدينية لحكم الشاه.
رافق الصدر في الرحلة شخصيتان محوريتان في
حركة أمل: الشيخ محمد يعقوب، والصحافي عباس بدر الدين.
إتسمت زيارة الصدر إلى ليبيا في آب أغسطس 1978، بطابع سياسي وإقليمي بالغ الحساسية، إذ جرت في لحظة كان فيها لبنان يعيش ذروة الحرب الأهلية، بينما كانت المنطقة تشهد تحولات كبرى. وقد أعلنت المصادر الرسمية آنذاك أن الصدر توجّه إلى ليبيا بدعوة من نظام معمر القذافي، وكان من المفترض أن يعقد لقاءً معه في طرابلس
وجود الشيخ محمد يعقوب لم يكن تفصيلاً
بروتوكولياً، إذ كان من رجال الدين المقرّبين من الصدر، ويمثّل الامتداد الديني
والتنظيمي لمشروعه داخل البيئة الشيعية. أما عباس بدر الدين، فكان مدير وكالة
الأنباء اللبنانية الرسمية، ما أعطى الزيارة بُعداً شبه رسمي، وأوحى بأن الصدر لم
يكن يتحرك كزعيم حزبي فحسب، بل كشخصية وطنية لبنانية ذات حضور رسمي عربي.
آخر ظهور علني للصدر ورفيقيه كان في ليبيا
في 31 آب أغسطس 1978، حين خرجوا من الفندق بسيارة حكومية قبل أن يختفوا نهائياً.
وقد ادّعت السلطات الليبية لاحقاً أنهم غادروا إلى إيطاليا، لكن التحقيق القضائي
الإيطالي خلص إلى أنهم لم يدخلوا الأراضي الإيطالية أساساً.
حتى اليوم، يُعدّ اختفاء موسى الصدر واحداً
من أكثر الأحداث تأثيراً في التاريخ السياسي الشيعي الحديث في لبنان، ليس فقط بسبب
الغموض الذي أحاط بالقضية، بل لأن غيابه وقع في لحظة تأسيسية كانت الطائفة الشيعية
تنتقل فيها من الهامش السياسي إلى موقع الفاعل المركزي في الحياة اللبنانية. وقد
أدّى اختفاء الصدر إلى فراغ قيادي وروحي وتنظيمي هائل، وفتح الباب أمام تحولات
عميقة داخل حركة "أمل" والبيئة الشيعية عموماً، كما أدخل لبنان في نزاع
سياسي وقضائي طويل مع ليبيا، تداخلت فيه الحسابات العربية والإقليمية والدولية.
وعن هذه الحسابات، لا بدّ من الإشارة إلى أن
الحرب الأهلية (1975 ـ 1990) جعلت من لبنان ساحةً تتقاطع فيها مشاريع دولٍ عدة وكل
واحدة منها تحاول التأثير في مستقبل لبنان ودوره في المنطقة، خصوصاً الدور المرتبط
بالقضية الفلسطينية والصراع مع إسرائيل. وكان موسى الصدر يتحرك وسط هذا التشابك
المعقّد.
أبرز تعقيداته تمثلت في دخول سوريا إلى
لبنان عسكرياً عام 1976 تحت شعار قوات الردع العربية، لكنها عملياً أصبحت اللاعب
الأكثر تأثيراً في إدارة التوازنات اللبنانية وفق ما يخدم الحركة الوطنية
الفلسطينية ـ اليسارية ويمنع إسرائيل من السيطرة على لبنان، وكان الصدر قد نجح في
نسج علاقة جيدة معها مع الحفظ على هامش من الاستقلالية في القرار والموقف.
كما تمثلت في سعي الرئيس الليبي معمر
القذافي إلى لعب دور عربي عابر لحدود ليبيا، رغم كونه على خلاف مع عدد من الأنظمة
العربية والمرجعيات الدينية التقليدية ولا سيما الشيعية وكان الصدر من أبرزها
وأكثرها تأثيراً في لبنان والمنطقة. أما إيران فكانت ما تزال تحت حكم الشاه لكن
المعارضة الدينية بقياد روح الله الخميني كانت تتصاعد وكان للصدر علاقة فكرية
وعائلية بالمؤسسة الدينية الإيرانية، وكان يُنظر إليه كشخصية شيعية ذات وزن عابر
للبنان. لذلك كانت تحركاته تُراقَب باهتمام في إيران، سواء من نظام الشاه أو من
المحيطين بالخميني.
وكان لافتاً، أن الصدر انتقد سلوك بعض
الفصائل الفلسطينية في لبنان، بعدما خلق الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان (بعد
اتفاق القاهرة 1969) خلق واقعاً جديداً، خصوصاً في الجنوب اللبناني. الصدر دعم
القضية الفلسطينية، لكنه رفض أن يدفع المدنيون الشيعة ثمن المواجهة مع إسرائيل من
دون حماية كافية من الدولة.
ضمن هذا المشهد، كان موسى الصدر يحاول بناء
دور شيعي لبناني مستقل نسبياً: لا تابع بالكامل لسوريا، ولا مندمجاً بالمشروع
الفلسطيني، ولا جزءاً من الراديكالية الليبية، ولا مرتبطاً عضوياً بإيران قبل
الثورة. وهذا ما جعل موقعه حساساً جداً إقليمياً، لأن كل القوى كانت ترى فيه شخصية
مؤثرة داخل طائفة بدأت تتحول إلى قوة سياسية مركزية في لبنان.
إذ نجح الصدر خلال الستينيات والسبعينيات في
بناء نموذج سياسي جديد للطائفة الشيعية، يقوم على الجمع بين الهوية الدينية
والانخراط الوطني اللبناني. وتمكّن من تحويل الشيعة من جماعات موزعة تحت سلطة
الزعامات التقليدية إلى كتلة سياسية واجتماعية تعبّر عن نفسها عبر مؤسسات دينية
وحركية وتنموية. لذلك لم يكن اختفاؤه مجرد غياب لزعيم، بل انهياراً مفاجئاً لمشروع
سياسي كان لا يزال في طور التشكل.
مع نهاية الحرب الأهلية وإبرام اتفاق الطائف (1989) دخلت حركة أمل في مسار سياسي كامل، حيث جرى تثبيت دورها في مؤسسات الدولة، وتراجع دورها العسكري تدريجياً، في إطار تسوية أنهت الحرب وأعادت توزيع السلطة، لتتحول الحركة من فاعل عسكري مباشر إلى حزب سياسي أساسي داخل النظام اللبناني الجديد ما أنهى عملياً دورها كميليشيا لصالح الاعتراف بها كحزب سياسي لبناني قائم وفاعل داخل النظام من دون الحاجة إلى إعادة تأسيس قانوني جديد.
وبعد اختفائه مباشرة، دخلت "حركة
أمل" في مرحلة اضطراب داخلي. فالصدر كان الشخصية الجامعة التي توازن بين رجال
الدين، والكادرات المدنية، والعناصر العسكرية الناشئة. ومع غيابه برزت صراعات حول
القيادة والاتجاه السياسي للحركة. فتولّى حسين الحسيني بدايةً مسؤولية قيادية، ثم
صعد نبيه بري تدريجياً خلال الثمانينيات ليعيد تشكيل حركة أمل ضمن منطق أكثر
براغماتية وارتباطاً بالتوازنات اللبنانية والإقليمية. لكن الحركة فقدت مع الوقت
كثيراً من البعد الفكري الإصلاحي الجامع الذي طبع خطاب الصدر، وتحولت أكثر فأكثر
إلى قوة سياسية ـ عسكرية شيعية مرتبطة بإدارة النفوذ داخل النظام اللبناني والحرب
الأهلية.
في الوقت نفسه، ساهم غياب الصدر في خلق فراغ
روحي وسياسي داخل البيئة الشيعية استثمرته لاحقاً الثورة الإسلامية الإيرانية عام
1979، ثم تأسيس حزب الله في الثمانينيات على أسس ومبادئ مختلفة تماماً عن تلك التي
تأسست عليها حركة المحرومين وجناحها العسكري "أمل".
الدّور خلال الحرب الأهلية
شهدت المرحلة الممتدة بين 1975 و1990
تحوّلات جوهرية في بنية حركة أمل ودورها، فقد انبثقت من تنظيم اجتماعي-سياسي لتكون
قوّة عسكرية فاعلة في مسرح الحرب الأهلية المتعدد الأطراف، في ظل تفكك ادولة
والجيش الوطني، ثم دخلت الحياة السياسية تدريجياً لتمثيل شيعة لبنان التواقين إلى
الخروج من دائرة التهميش في السياسة والمجتمع، والمشاركة في صناعة اللقرار.
في المرحلة الأولى من الحرب، وقفت الحركة
موقفًا إشكاليًا من التحالفات الكبرى. فخلال ثلاث سنوات بقيادة السيد موسى الصدر
(منذ التأسيس عام 1975 وحتى اختفاء السيد موسى عام 1978) لم تنضوِ كليًا تحت لواء
التحالف اليساري الفلسطيني، ولم تندمج في صفوف القوات المسيحية بل جاهرت برؤية
تُفرّق بين دعم القضية الفلسطينية كقضية عربية من جهة، ورفض هيمنة منظمة التحرير
الفلسطينية على القرار اللبناني والأمن من جهة أخرى، وهو موقف أوجد توترات مسلحة
حادة بين الحركة وفصائل فلسطينية في الجنوب والضاحية.
بعد اختفاء الصدر فقدت الحركة مرجعيّتها
الكاريزمية الجامعة، ودخلت مرحلة إعادة تشكيل داخلي. تولّى حسين الحسيني موقعاً
قيادياً سياسياً في مرحلة انتقالية، مثّلت حالةً وسطيّة بين التأسيس الفكري الذي
أرساه موسى الصدر، والتحول البراغماتي الذي سيتبلور لاحقاً مع صعود نبيه بري.
لذلك، يُنظر إلة الحسيني غالباً كصوت "العقلنة" السياسية داخل الطائفة
الشيعية، أكثر من كونه قائداً تنظيمياً أو عسكرياً فيما يُنظر إلى نبيه بري
باعتباره القائد الذي نقل حركة أمل من مرحلة التأسيس والحضور السياسي المحدود إلى
مرحلة التنظيم الحزبي الأكثر تماسكاً والانخراط المباشر في السلطة ومؤسسات الدولة.
عسكرياً، خاضت حركة أمل سلسلة مواجهات
معقّدة، أبرزها داخل البيئة الشيعية في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت، حيث
كانت هذه المناطق ساحة احتكاك مباشر مع قوى شيعية أخرى وقوى فلسطينية مسلحة
وخصوصاً في صور وقرى قضاء بنت جبيل ومرجعيون، تداخلت المعارك مع وجود الفصائل
الفلسطينية التابعة لمنظمة التحرير ما جعل الصراع يأخذ طابعاً مركّباً: جزء منه
مرتبط بالسيطرة الأمنية، وجزء آخر مرتبط بالنفوذ داخل البيئة الشيعية نفسها.
بلغ هذا التوتر ذروته في "حرب
المخيمات" (1985 ـ 1988)، حين دخلت أمل في مواجهات عسكرية عنيفة مع الفصائل
الفلسطينية داخل مخيمات بيروت (صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة) وكذلك في مخيمات صيدا.
اتسمت هذه المرحلة بعمليات حصار طويلة، ومعارك شوارع قاسية، وانخراط واسع للمسلحين
من الطرفين، وانعكست بشكل كبير على المدنيين داخل المخيمات. وقد مثّلت هذه الحرب
نقطة تحوّل حادة في صورة الحركة داخلياً وخارجياً.
في موازاة ذلك، شهدت الحركة صدامات دامية مع
حزب الله في أواخر الثمانينيات، خصوصاً في الضاحية الجنوبية والجنوب والبقاع، فيما
عُرف بـ"حرب الإخوة" (1988 ـ 1990). هذه المواجهات لم تكن مجرد صراع
عسكري، بل كانت أيضاً صراعاً على تمثيل الطائفة الشيعية وعلى طبيعة العلاقة مع
إيران ودورها في لبنان. وقد شهدت تلك المرحلة اغتيالات وعمليات تصفية متبادلة،
إضافة إلى اغتيال شخصيات ميدانية وسياسية من الجانبين، في سياق حرب داخلية شيعية
معقّدة لم تُحسم إلا بتفاهمات سياسية لاحقة ومع تطورات اتفاق الطائف.
خصوصية المناطق التي خاضت فيها حركة أمل
معاركها تكمن في كونها مناطق شيعية فقيرة نسبياً ومهمّشة تاريخياً، لكنها في الوقت
نفسه مناطق تماس مباشر مع الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب، ومع مراكز القرار
السياسي في بيروت وضاحيتها الجنوبية، ومع الحدود السورية في البقاع. هذه المناطق
بدت استراتيجية، ليس فقط عسكرياً، بل أيضاً اجتماعياً ورمزياً، لأنها كانت تمثل
قاعدة التحول الأكبر في موقع الطائفة الشيعية داخل الدولة اللبنانية، من طائفة
"محرومة" كما سماها مؤسِّس حركة أمل إلى قوة سياسية – عسكرية مركزية.
سياسياً ومع نهاية الحرب الأهلية وإبرام
اتفاق الطائف (1989) دخلت حركة أمل في مسار سياسي كامل، حيث جرى تثبيت دورها في
مؤسسات الدولة، وتراجع دورها العسكري تدريجياً، في إطار تسوية أنهت الحرب وأعادت
توزيع السلطة، لتتحول الحركة من فاعل عسكري مباشر إلى حزب سياسي أساسي داخل النظام
اللبناني الجديد ما أنهى عملياً دورها كميليشيا لصالح الاعتراف بها كحزب سياسي
لبناني قائم وفاعل داخل النظام من دون الحاجة إلى إعادة تأسيس قانوني جديد.
وسنخصّص الجزء الثاني من هذه الحلقة لتفصيل
دور حركة أمل في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي الذي استمر حتى العام 2000 وكذلك
مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية الحالية التي بدأت مع فتح جبهة إسناد غزة من جنوب
لبنان في 8 تشرين الأول أكتوبر عام 2023 ولم تنتهِ باتفاق وقف إطلاق النار، فضلاً
عن البحث في واقع الحركة والتحديات المستقبلية.