الوحدة الوطنية في مواجهة الفتنة.. شهادات من ذاكرة الحركة الوطنية الجزائرية

الشيخ البشير الإبراهيمي يسمي البربري عربياً، على رأي ما ذهب إليه رفيق دربه الشيخ الفضيل الورثيلاني، ونحن نقرهما وغيرهما على ذلك علمياً ووطنياً.. صورة أرشيفية
الشيخ البشير الإبراهيمي يسمي البربري عربياً، على رأي ما ذهب إليه رفيق دربه الشيخ الفضيل الورثيلاني، ونحن نقرهما وغيرهما على ذلك علمياً ووطنياً.. صورة أرشيفية
شارك الخبر
يأتي هذا المقال ضمن سلسلة المقالات الفكرية والتاريخية التي ينشرها الكاتب والمؤرخ الجزائري أحمد بن نعمان في صحيفة "عربي21"، والتي يعالج فيها قضايا الهوية الوطنية الجزائرية، ومسارات الحركة الوطنية، والرهانات الفكرية والسياسية التي رافقت تشكل الوعي التحرري في مواجهة الاستعمار الفرنسي. ويعتمد الكاتب في مقالاته على استحضار الشهادات التاريخية والوثائق السياسية لتفسير محطات الخلاف والصراع داخل الحركة الوطنية الجزائرية، مع التركيز على أثرها في بناء الوحدة الوطنية أو تهديدها.

وفي هذا السياق، يندرج النص ضمن قراءة تاريخية لمرحلة دقيقة سبقت اندلاع ثورة التحرير الجزائرية، حيث كانت الساحة الوطنية تعيش صراعاً فكرياً وتنظيمياً حول طبيعة الانتماء الجامع للشعب الجزائري، وحدود التنوع الثقافي داخل المشروع الوطني. ويستعيد المقال شهادات شخصيات بارزة من رواد الحركة الوطنية، مثل المناضل بلقاسم راجف، بهدف إبراز الكيفية التي واجهت بها القيادات الوطنية محاولات التفكيك والانقسام التي رأت فيها امتداداً لسياسات استعمارية هدفت إلى ضرب وحدة الجزائريين.

ومن خلال هذا الطرح، يسعى الكاتب إلى التأكيد على أن نجاح الثورة الجزائرية لم يكن نتاج القوة العسكرية وحدها، بل ثمرة التماسك الداخلي والإيمان بوحدة المصير، وأن إخلاص الرجال للقضية الوطنية كان العامل الحاسم في حماية
مشروع الاستقلال من الانقسامات الجهوية والعرقية. ومن هنا يكتسب النص بعداً فكرياً يتجاوز السرد التاريخي، ليصبح دعوة إلى استحضار دروس الماضي في مواجهة تحديات الحاضر، وربط الذاكرة الوطنية بقيم الوحدة والوفاء لتضحيات جيل التحرير.

مؤامرة قديمة

من الحقائق الهامة التي يرويها أحد أقطاب الحركة الوطنية الذين أسسوا "نجم شمال إفريقيا"، وحاربوا العدو على أرضه بسلاحه لإحباط مخططاته الجهنمية لزرع بذور الفتنة والشقاق والتفرقة الجهوية والعرقية والعنصرية بين أبناء الشعب الواحد والوطن الواحد، الذين صهرتهم الأيام عبر القرون ضمن بوتقة اجتماعية وثقافية ساعدتها العوامل الجغرافية والتاريخية، وأكدتها الممارسات الاستعمارية العنصرية ذاتها. وقد حاربوه بسلاحه فيما يتعلق بمنطق وحق الوطنيين في المقاومة لاستئصال أعداء الوطن من العملاء والمتعاونين مع العدو المحتل حتى على أرضه.

وفي هذا الإطار، يقول هذا القطب المؤسس بلقاسم راجف (وهو من بلاد القبائل جغرافياً، ووطني عربي مسلم ثقافياً، مثل كل أحرار الجزائر في الماضي والحاضر) في حديث طويل سجله بالصوت والصورة في منزل الرئيس بن يوسف بن خدة في الثمانينيات من القرن الماضي: "وصل ذات يوم من أرض الوطن إلى باريس الدكتور شوقي مصطفاي والنقيب الصادق سعيدي، الذي اتصل بي هاتفياً في مقاطعة (لابروتان ـ Bretagne) حيث كنت مقيماً، وطلب مني أن ألتحق به، وذلك ما فعلتُ على الفور. ويومها اكتشفتُ مؤامرة أصحاب النزعة البربرية التي كان علينا أن نواجهها ونواجههم، وكان قدوم مصطفاي وسعيدي إلى باريس بأمر من قيادة الحزب في الجزائر للقيام بتلك المهمة. وعلمتُ مساء وصولي إلى باريس أن اجتماعاً للجنة الفيدرالية قد يُعقد في الغد على الساعة الثامنة صباحاً، فحرصتُ على أن أحضره لأطلب من منظميه إقامة حفل شاي على شرف مبعوثي قيادة الحزب (المقصود هنا هو حزب الشعب الجزائري وحركة انتصار الحريات الديمقراطية).

أعتقد أن كافة الجزائريين يجمعهم قاسم مشترك واحد يتمثل في الإسلام وفي لغة القرآن الكريم، ويتعين عليهم جميعاً أن يتحدوا لمواجهة المشاكل العديدة التي تواجههم، وأن الاتحاد هو الوحيد الذي قد يمكنهم من المضي قدماً في درب التقدم وفقاً لما يتطلع إليه الوطن وشهداؤنا الأبرار.
ولم يكن باستطاعة أحد منعي من ذلك بصفتي "عضواً قانونياً"، وتيقنتُ من بداية المداولات أن أفكار أصحاب النزعة البربرية قد انتشرت وقطعت أشواطاً، وأن أمامي أناساً مصممين على أفكارهم ومتشبثين بها، فطرحتُ المشكلة واقترحتُ إدراجها في جدول أعمال الجلسة.

عارض بعض الحاضرين الاقتراح الذي قدمته متذرعين بأسباب جعلوها مبرراً للرفض؛ حيث إنهم كانوا قد قطعوا الصلة بينهم وبين الحزب في الجزائر، وبذلك فهم يرفضون استقبال مبعوثي القيادة وحتى التحدث إليهما. ولكنني ألححتُ على أن تُدرج القضية في جدول الأعمال، فاحتدّ النقاش وأصبح صاخباً عاصفاً، واصطدم اقتراحي برفض عنيد، ومع ذلك كنتُ لا أزال أحظى ببعض الاحترام، ولو كان غيري في مثل ذلك الوضع لتعرض لعقاب شديد. ودامت المناقشات سبع عشرة ساعة دون انقطاع!

وقَبِل أنصار النزعة البربرية في نهاية المطاف بمبدأ مناقشة القضية، ولا حاجة إلى ذكر ما كان يتردد على ألسنتهم خلال تدخلاتهم مما يضمرونه من حقد على كل ما هو عربي، وبصفة خاصة على اللغة العربية والقرآن والإسلام. وكان اقتراحي يتعلق بإدانة الانحراف السياسي للجنة الفيدرالية (يقصد هذا الفرع المنشق عن الحزب في فرنسا) بما يخالف الوحدة والمصلحة الوطنية ومصلحة أولئك الذين تهدف تصرفاتهم إلى تقسيم الحزب وخدمة مصالح الاستعمار عن وعي أو غير وعي.

وجرى التصويت على الاقتراح وجاءت نتائجه على الشكل التالي:

ـ عدد الأصوات لصالح الاقتراح = 12 صوتاً.

ـ عدد الأصوات ضد الاقتراح = 13 صوتاً.

ورُفض الاقتراح بأغلبية صوت واحد، وحين افترقنا قلتُ لأحد أنصار النزعة البربرية: «إن الصراع لا يزال في بدايته".

واجتمعتُ بمصطفاي وسعيدي ومناضلين آخرين، وقررنا أول ما قررنا تنظيم أفواج للدفاع الذاتي والرد على الاعتداءات التي نتعرض لها، وبلغ مجموع عدد أفراد الأفواج 70 مناضلاً. وطلبنا في نفس الوقت من الفروع تجميد الأموال التي بحوزتها وإرسال عرائض إلى المجلس الفيدرالي تحتج فيها على الانحراف السياسي، وتوجيه دعوة لعقد مجلس يتكفل بانتخاب لجنة فيدرالية جديدة، على أن تُرسل إلينا نسخ من العرائض. ولقد سمح لنا ذلك المسعى بأن نتعرف على الفروع المعادية لنا وأن نقدّر قوانا.

وسرعان ما وقعت المشادات، وجرت المشادة الأولى بالدائرة الباريسية الثامنة عشرة، في شارع أوردنير (18e Arrondissement rue Ordener) في قاعة تابعة لفندق مقهى حيث اجتمع مائة شخص بدعوة من خصومنا، وأرسلنا ثلاثين من رجالنا لحضور الاجتماع ومع الأسف وصلوا متقدمين، الأمر الذي سمح لخصومنا بأن يجمعوا مقابض معاول وقوارير من زجاج.

وبمجرد أن علمنا بذلك قصدنا المكان على الفور، وكان عددنا عشرين مناضلاً، وفور وصولنا هاجمنا خصومنا وتحطم الباب الزجاجي للفندق. وحين رجعتُ أدراجي رأيتُ شخصاً يقصدني وبيده سكين جزار، وخرج في تلك الأثناء صديق لي محتمياً بكرسي فرماه باتجاهي فأمسكتُه، وضربتُ به صاحب السكين (أرزقي مغيرة) وهو صديق لواعلي بناي، فانسحب على الفور.

وفي تلك اللحظات تسلق زملائي الأشجار وقطعوا منها فروعاً ليجعلوها هراوات استخدمناها للدفاع عن أنفسنا ودحرنا عناصر العصابة؛ ففر بعضهم ودخل بعضهم إلى الفندق، وتسببت المواجهة في عدة جرحى من الطرفين ودخل ثلاثة المستشفى. وكنتُ قد أبعدتُ من جماعتنا المهاجمة كل العناصر التي تنتمي جغرافياً إلى المناطق التي يتحدث سكانها بالعربية في الجزائر."

(بقطع النظر عن أصولهم وتباين ألوان بشراتهم حسب المناطق الجغرافية وتأثير العوامل المناخية المختلفة بين المناطق الجنوبية الصحراوية والمناطق التلية الجبلية والساحلية الشمالية). وهذا الاستطراد الوارد بين قوسين آنفاً هو من عندي زيادة في التوضيح وإزالة بعض الغموض الذي يتعمده الخصوم للاصطياد في مياهه العكرة.

ونعود إلى سرد شهادة محدثنا المناضل الوطني الكبير بلقاسم راجف حيث يبرر ذلك التصرف منه بقوله: "وذلك حرصاً مني على أن تكون القضية أو المعركة قائمة بين سكان بلاد القبائل وحدهم (من مناضلين أصلاء ومناوئين منشقين وعملاء لخدمة الأعداء) حتى لا يُضفى عليها طابع "نزاع بين العرب والقبائل" الذي قد يستغله أعداؤنا ضدنا!

وبعد أن انتهت المواجهة جلستُ في المقهى فرأيتُ حافلتين مملوءتين برجال الشرطة تصلان إلى المكان رفقة سيارة خفيفة، وفي الغد علمنا من الصحف أن سبعين جزائرياً قد قُبض عليهم ونُقلوا إلى مركز الشرطة وأيضاً ثلاثين جريحاً!

ووقعت المشادة الثانية في الدائرة التاسعة عشرة حيث حصلنا على قاعة الحفلات التي وضعتها البلدية تحت تصرفنا باعتبار أن الحزب حزب شرعي، ولما بدأنا الأشغال أراد بعض أنصار النزعة البربرية أن يتناولوا الكلمة بالقوة، وكنتُ على المنصة في رئاسة الجلسة، وصعد أحدهم إلى المنبر وحاول نزع الميكروفون (مكبر الصوت) من بين يدي، فأمسكتُه من طرف بذلته وألقيتُه على الأرض، وحدث عراك وتبادل ضربات. وبعد اتصال هاتفي أجريناه من مقهى صديق، وصلتنا الإمدادات ووصل بعدها بقليل خيضر ومزغنة.

وفي تلك الأثناء رفعنا نشيد "فداء الجزائر" ونشيد "من جبالنا طلع صوت الأحرار ينادينا للاستقلال.." وارتكب خصومنا خطأً حين تجمعوا في زاوية وشرعوا في ترتيل نشيد لهم، وكانوا في عزلة تامة عن الحاضرين البالغ عددهم مائتين وخمسين شخصاً، وساعد انعزالهم رجال أمننا في أداء مهمتهم حيث تمكنوا من تطويقهم ودحرهم إلى الخارج!

"من أباطيل الاستعمار أنه يسمى السوداني المتجنس بالجنسية الفرنسية ليومه أو ساعته فرنسياً، ويلحقه بنسبه ثم ينكر على البربري ـ مثلاً ـ أن يكون عربياً، بعدما مرت عليه في الاستعراب ثلاثة عشر قرناً وزيادة، وبعد أن درج أكثر من ثلاثين جيلاً من أجداده على الاستعراب، لا يعرفون إلا العربية لغة يتكلمون بها ويتأدبون ويتعبدون؛ فليت شعري أيهما أقرب إلى الواقع: البربري المستعرب أم السوداني المتفرنس؟ وأيهما أنفذ؟ أحكم الله، أم حكم الاستعمار؟".
وهكذا استُؤصلت جذور الفتنة البربرية في فرنسا، أما في الجزائر فقد تواصلت مطاردة أفرادها من طرف رجال الحركة الوطنية. وكان المكتب السياسي للحزب يهدف من وراء اتخاذ تلك الإجراءات إلى تفادي التقسيم، الذي كان الاستعمار يغذيه باستمرار، في الوقت الذي كان الحزب بأكمله مجنداً لتطبيق قرارات مؤتمر (زدّين) القاضية بتدعيم المنظمة السرية للحزب من حيث التعداد والأسلحة، والاتصال بالقادة التونسيين والمغاربة والقادة العرب بالقاهرة، من أجل مساعدة ملموسة للمقاومة المسلحة (مالياً ومادياً)."

للتحضير لتفجير الثورة المسلحة بالتنسيق مع مكتب المغرب العربي في القاهرة برئاسة الأمير محمد عبد الكريم الخطابي وأعضاء من الجزائر وتونس الشقيقة، وهذا الاستطراد الأخير من عندي وليس وارداً في نص الكلام المترجم لبلقاسم راجف. وفي الأخير يضيف هذا المناضل الوطني الكبير قوله: "وقبل أن أختم كلامي أريد أن أضيف ما يلي: لكل جزائري الحق في أن يتغنى ويتحدث بلهجته الخاصة في منطقته، ولا يحق لأي كان أن يؤلب جزءاً من السكان على الجزء الآخر بزرع الحقد ومحاولة إثارة البلبلة والنزاعات في صفوف شعب واحد وجره إلى حرب بين الإخوة. وكفانا من أرامل وأيتام آخرين، ولا يستفيد من مثل هذه الفرقة اليوم (كما كان الشأن بالأمس) إلا عدونا الذي قد يدفع أي ثمن ليتدخل في بلادنا انتقاماً من الهزيمة التي كبدناه إياها بفضل ما ضحى به الجزائريون في فرنسا والجزائر من دماء سخية، وقد تصبح جميع مكتسباتنا عرضة للضياع من جراء ذلك، وسيخسر أتباع القلاوي الجدد هم الآخرون المعركة إن شاء الله!

وأعتقد أن كافة الجزائريين يجمعهم قاسم مشترك واحد يتمثل في الإسلام وفي لغة القرآن الكريم، ويتعين عليهم جميعاً أن يتحدوا لمواجهة المشاكل العديدة التي تواجههم، وأن الاتحاد هو الوحيد الذي قد يمكنهم من المضي قدماً في درب التقدم وفقاً لما يتطلع إليه الوطن وشهداؤنا الأبرار."

أما عن كيف كان موقف حسين آيت أحمد الذي اشتبه فيه قادة الحزب سنة 1948 لكونه العقل المدبر لأنصار الحركة البربرية؟ فيجيب الرئيس بن خدة على ذلك في كتابه (جذور نوفمبر 1954) بقوله: "ومن أجل اختبار نواياه، أوفدت له القيادة شخصين من أعضاء الحزب هما: أحمد بودة، وحاج محمد شرشالي اللذين جمعهما وإياه لقاء خاص. فرد آيت أحمد بالعبارات التالية: "هذه مناورة من طرف القيادة ضد مسؤولي القبائل». فكان أمام موقف حرج لمساندة أو اعتراض أنصار الحركة البربرية، فطلب منهما إعطاءه مهلة للتحقيق في القضية، وتوجه على إثرها إلى منطقة القبائل، وأثناء عودته صرح لنفس المندوبين: "ما أكدتماه لي صحيح، ولذا سأنفصل عن هذه العناصر (أي أنصار الحركة البربرية المذكورين بأسمائهم)".

ولكن رغم هذا الإنكار، بقيت الشبهات تلاحقه، وكان آنذاك المسؤول الوطني للمنظمة الخاصة أو السرية (كما كانت تسمى أيضاً)، ولا بد من عدم الإبقاء عليه في منصب حساس. ولكونه من العناصر التي تبحث عنهم الشرطة الفرنسية، وحفاظاً على أمنه بالجزائر، أرسلته القيادة إلى القاهرة حيث انضم إلى مندوبي الحزب: الشاذلي المكي، ومحمد خيضر."

ويضيف بن خدة في الكتاب ذاته مؤكداً رأيه قائلا: "ولقد أكدت أحداث ما بعد الاستقلال بوضوح رأيي في سلامة وحكمة موقف القيادة من إبعاد السيد حسين آيت أحمد، وشبهات القيادة تجاهه، وذلك من خلال ما قاله في كتابه "مذكرات مكافح" الصادر بفرنسا سنة 1983 حيث يقول: (والكلام هنا للسيد حسين آيت أحمد منقول بنصه من كتاب ابن خدة): "إلى الشباب المبتدئ في المطالبة باللغة البربرية الذين يلوموننا اليوم على عدم تمكننا من طرح المشكل اللغوي بهذا المؤتمر (مؤتمر حزب الشعب ـ حركة انتصار الحريات الديمقراطية) لفيفري 1947. ولقد أوضحتُ بأننا لم نتهاون في القيام بذلك، لكن البربرية نعيشها. ولو كان للحزب سلطة ملموسة لطلبنا بحق كتابة وتدريس اللغة البربرية.. ولو وُجد مجال لمناقشة هذا المشكل داخل الحزب في ذلك العهد لأدى الأمر إلى رد فعل عنيف من طرف الغالبية العربية المتطرفة."

وحول هذا الموضوع أيضاً يقول الدكتور عثمان سعدي في شهادته: "وأحس كل جزائري بخطورة هذه النزعة المدمرة التي ابتكرها (شاتينيون)، فتصدوا لها حتى من خارج حزب الشعب، فكتب الشيخ محمد البشير الإبراهيمي مقاله الرائع (عروبة الشمال الإفريقي) الذي نشرته صحيفة البصائر سنة 1951 ومما قال فيه: "من أباطيل الاستعمار أنه يسمى السوداني المتجنس بالجنسية الفرنسية ليومه أو ساعته فرنسياً، ويلحقه بنسبه ثم ينكر على البربري ـ مثلاً ـ أن يكون عربياً، بعدما مرت عليه في الاستعراب ثلاثة عشر قرناً وزيادة، وبعد أن درج أكثر من ثلاثين جيلاً من أجداده على الاستعراب، لا يعرفون إلا العربية لغة يتكلمون بها ويتأدبون ويتعبدون؛ فليت شعري أيهما أقرب إلى الواقع: البربري المستعرب أم السوداني المتفرنس؟ وأيهما أنفذ؟ أحكم الله، أم حكم الاستعمار؟".

ونلاحظ أن الشيخ البشير الإبراهيمي يسمي البربري عربياً، على رأي ما ذهب إليه رفيق دربه الشيخ الفضيل الورثيلاني، ونحن نقرهما وغيرهما على ذلك علمياً ووطنياً، ولن نحيد عن هذا الرأي أو نغيره حتى نلتحق بهما ثابتين على العهد والحق المبين شرعاً وديناً ووطناً وثورة وأمة موحدة بالإسلام والإيمان ولسان القرآن كما وُجدت منذ عهد الأولين. وتأكيده من القادة الآخرين في مؤتمر الصومام والحكم بالإعدام على أعداء الوطن الموحد والثورة المظفرة المتوجة بالانتصار الساحق في الاستفتاء على تقرير المصير والاستقلال، الذي ما يزال في حاجة إلى استكمال بذات الروح الوطنية والوحدوية التي اتسم بها كل أولئك الرجال المخلصين الأوفياء الثابتين على الحق غير مبدلين ولا مغيرين. والعاقبة للمتقين، والخسران المبين في الدنيا والآخرة للخائنين وناكثي العهود وحانثي اليمين من المرتدين والمنافقين الذين سيحسدون أبا لهب والوليد بن المغيرة في الجحيم المقيم يوم الدين وحق اليقين!
التعليقات (0)

خبر عاجل