يُقدَّم هذا المقال ضمن سلسلة الكتابات الخاصة التي يكتبها
الدكتور
أحمد بن نعمان لـ
"عربي21"، بوصفه
شهادة وثائقية وتاريخية على مسار فكر
وعطاء الأستاذ الدكتور أبو القاسم سعد الله، المعروف بـ"ابن خلدون
الثاني". يصادف هذا العام الذكرى الحادية عشرة لرحيل هذا المؤرخ
الجزائري
البارز، الذي كرّس حياته لتوثيق
التاريخ الجزائري والعربي والإسلامي، ولتأسيس
مدرسة وطنية للتاريخ، مستقلاً في حكمه العلمي ومتجردًا في رؤيته الوطنية. ويستعرض
المقال فقرات من حوار موثق أجراه سعد الله في التلفزة الوطنية الجزائرية عام 1991،
يوضح فيها مراحل حياته التعليمية والسياسية والعلمية، انطلاقًا من حفظ القرآن في
الجزائر، مرورًا بدراسته في جامع الزيتونة بالقاهرة، ثم حصوله على الدكتوراه من
جامعة مينيسوتا بالولايات المتحدة، وعودته إلى وطنه للمساهمة في بناء المعرفة
الوطنية.
هذه المقدمة تهدف إلى وضع القارئ في سياق تاريخي موثّق لشخصية فريدة
جمعت بين العلم والسياسة والتجربة الإنسانية، كما توثّق الصلة بين الباحث والمجتمع
والأمة، وتبرز أثر العمل المستمر في كتابة التاريخ وإعادة بناء الوعي الوطني.
جهاد بالعلم والقلم
مرت يوم الرابع عشر من شهر ديسمبر من هذا العام (2025)، الذكرى الحادية عشرة لرحيل شيخ
المؤرخين الجزائريين (ابن خلدون الثاني )
الأستاذ الدكتور ابو القاسم سعد الله الذي تربطني به علاقة صداقة متينة في الله والأمة والوطن قد امتدت
دون انقطاع لما يزيد عن الأربعة عقود، وقد تحدثت عنها ـ بالتفصيل ـ الموثق
بالرسائل الخطية المتبادلة بيني وبينه في مكانها من فصول الكتاب (من الجزائر إلى
القاهرة ثم أمريكا والأردن فالجزائر كآخر محطة…)، حيث وافته المنية على عهده وفيا
لدينه ووطنه وتاريخ بلده وأمته، التي خدمها بصدق وإخلاص وسخر لها كل حياته الجهادية بالعلم والقلم والكلمة
الصادقة الصادعة حيثما حلّ وارتحل إلى أن
وافاه الأجل المحتوم في وطنه الأول والأخير كما كان يتمنى، ورفض البقاء خارجه
سفيرا وداخله وزيرا، ورفض التخلي عن مهمته التي كان يعتقد بحق أن الله قد أوجده من
أجلها (كما يقر هو بلسانه في الحوار الشامل والشيق الذي أجراه في التلفزة الوطنية
ضمن حصة "حوار" التي فرغنا محتواها كاملا وأدرجناه في كتابنا عنه بعنوان
(أبو القاسم سعد الله حياةواثار شهادات ومواقف) الصادر بالجزائر في طبعته الأولى (سنة 2016) وفي طبعته الثانية سنة (2022) وذلك
لاهميته القصوى في هذه الظروف الصعبة والمصيرية
التي تمر بها وحدة الأمة كما سيكتشف القارئ العربي المهتم بالشأن العام للوطن
ومصير الأمة الواحدة في نظر الأعداء رغم
انها مشتتة في نظر الأبناء بفعل خيانات بعض المستبدين من رعاتها السفهاء
المستخدمين وحكامها العملاء المنبطحين والمستركبين!؟
حوار تلفزي
وفي هذا السياق بالمناسبة ننشر فقرات من ذلك الحوار التاريخيّ الهام الذي كان قد أجراه
بالصوت والصورة مع حصة "حوار" بالتلفزة الجزائرية يوم الثامن من ديسمبر سنة 1991.
"المحاور: أنتم سيدي من مواليد سنة 1930
ببلدية غمار ولاية الواد، درستم في الجزائر القرآن الكريم ثم دخلتم صف الابتدائي
ثم الثانوية العامة (أو كما تسمى شهادة التحصيل) بجامع الزيتونة بتونس.
التحقتم بعدها بجامعة القاهرة، أين تحصلتم على شهادة الليسانس وبمنحة
وتكليف من جبهة التحرير الوطني، تابعتم دراستكم العليا بالولايات المتحدة الأمريكية
بجامعة مينيسوتا حيث تحصلتم على الدكتوراه في التاريخ والعلوم السياسية سنة 1965،
ثم درّستم بالجامعة الامريكية الى سنة 1967 وهي السنة التي عدتم فيها إلى الجزائر..
معلوم أنكم كنتم تنتمون إلى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
ودرّستم في مدارسها في 1954 و1955، ثم التحقتم بجبهة التحرير الوطني في 1956..
دكتور أبو القاسم سعد الله، مرة أخرى أهلا بكم معنا، علمت أنه عرض
عليكم منصب الوزارة فرفضتم أو اعتذرتم.. ألا تعتبرون بأن بعد هذا الجهد وهذا
النضال وهذه الكتابات وهذا العطاء للوطن أنه من الواجب أن تكونوا في هذا المنصب،
أو تعتبرونها استقالة مناقضة لكل هذا المسار القديم الكبير والعريض في حياتكم!؟:"
الدكتور سعد الله: بسم الله الرحمن الرحيم. أولا أشكركم وأشكر
التلفزة الوطنية على هذه الفرصة التي أتاحتها لي للحديث للمشاهدين الكرام حول
قضايا الثقافة والتاريخ ونحو ذلك، وبالنسبة لسؤالكم أعتقد بأن الصواب هو الاعتذار
وليس الرفض، وأعتقد بأن الوطن يحتوي على كثير من العناصر التي تستطيع أن تقوم بهذا
الدور، وفي الجزائر ما شاء الله من الشباب ومن الشيوخ الذين يستطيعون أن يؤدوا هذه
الأمانة على أحسن ما يرام، ونشكر لمن عرض علي هذا العرض ونشكره على هذه الثقة
واعتبرها رصيدا أعتز به طوال حياتي ولكنني أفضل أن أتفرغ للعلم ولأشياء أخرى تهم
الوطن أيضا، فأنا مواطن وكل مواطن يجب أن يقوم بمهمته في المجال الذي خلق من أجله".
المحاور: "من المجالات التي تهتمون بها أستاذ دكتور أبو القاسم
سعد الله مجال التاريخ، فلا يمكن أن نقرأ شيئاً عن الجزائر إلا إذا رجعنا إلى مرجع
من مراجع الدكتور، في خلاصتكم لكل هذه الدراسات هل هناك مدرسة وطنية جزائرية
للتاريخ؟".
الدكتور سعد الله: "نعم بدأت تظهر في وطننا تباشير مدرسة وطنية
للتاريخ وأنا لا أعتبر ذلك مرتبطا بالاستقلال بل هناك إرهاصات أو بدايات ظهرت منذ
العشرينيات في الحقيقة والثلاثينيات على يد الشيخ مبارك الميلي الذي ألف في نهاية
العشرينيات كتاب "تاريخ الجزائر القديم والحديث"، ثم تلته كتب أخرى
نعتبرها إرهاصات، وتعرفون بأن تاريخنا الحديث والمعاصر كان محتكرا من قبل
الفرنسيين الذين احتلوا بلادنا واحتكروا هذا الجانب، وأذكر بهذه المناسبة أن أحد
الفرنسيين اسمه "بيراز" مستشرق فرنسي مشهور كان في بلادنا قال بأنه يوجد
في تونس أمثال "ابن أبي الضياف" وفي المغرب أمثال "الناصري"
ولا يوجد في الجزائر مؤرخ يستطيع أن يكتب تاريخ الجزائر كله، وردا على ذلك ظهرت
هذه الارهاصات التي أحدثكم عنها، تاريخ الجزائر كان يحتكره العسكريون الفرنسيون
أولا، ثم احتكرته المدرسة الاكاديمية، يعني مدرسة جامعة الجزائر بعد ذلك. وبعد
الاستقلال وجدنا الشعور بالوطنية، والشعور بالانتماء الحضاري جعل الجزائريين
يستيقظون إذا صح التعبير من نومهم، وأنهم يجب عليهم أن يكتبوا تاريخهم بأنفسهم
مستفيدين طبعا من التجارب التي كتبت عنهم سواء من قبل الفرنسيين أو غير الفرنسيين.
فالجواب على سؤالكم أعود إلى نقطة البداية وهي أنه في جامعة الجزائر
اليوم وفي الساحة تباشير مدرسة وطنية جزائرية والتاريخ لا يستطيع أن ينفصل تماما
عن كل الكتابات الأخرى".
المحاور: "لو سمحتم، المؤرخون يقولون بأن ثورة نوفمبر ظاهرة
إنسانية وعالمية لكن لما يكتب عنها بلغات أجنبية ينزعج البعض من هذا الأمر؟".
الدكتور سعد الله: "لا نستطيع أن نحتكر نحن كتابة تاريخ الثورة
الجزائرية فلكل دولة أخرى أو لكل مؤرخ في دولة أخرى أن يؤرخ للثورة الجزائرية إذا
أراد ولا سيما أن الثورة الجزائرية حدث
عالمي كبير، وشهد العالم في الخمسينيات
وبداية الستينيات هذا الحدث فلهم أن يكتبوا عن تاريخ الجزائر وتاريخ الثورة
بالذات. ولكننا نحن الجزائريين لم نكتب تاريخ الثورة إلى الآن وليس هناك ضير في أن
نكتب كل تاريخ الثورة في وقت واحد أو جيل واحد، يعني يجب ألا نتحرج من هذا ولكن
الشيء الذي قد يضايق الجزائريين هو تفسير الأحداث، تفسير أحداث الثورة.
هذا يجعل الجزائري أحيانا يحس بالإحباط أو يحس بالإهانة أو بإغماط
الحق، وهذا من حقه ولكي نعوض نحن هذا الفراغ الذي بقي للأجانب ولا سيما الفرنسيون.
نعتقد أنه حان الوقت لكي نكتب نحن تاريخ الثورة حتى لا نبقى عالة على غيرنا ولكن
كتابة تاريخ الثورة كما شرحت في بعض المناسبات يكتب من ثلاث زوايا: زاوية التاريخ
الشعبي، والتاريخ العلمي، والتاريخ الرسمي.
والتاريخ العلمي قد يتأخر قليلا لأنه يحتاج إلى تفاسير ومراجع وتوثيق
كبير. أما التاريخ الشعبي فليس هناك داع لأن يتأخر في كتابته من هذه الناحية،
وكذلك بالنسبة للتاريخ الرسمي ونحن نعرف أنه عندنا مؤسسات حاليا في الجزائر
المفروض أنها توفر إمكانات لكتابة تاريخ الجانب الذي سميناه (تاريخ رسمي) حتى أن
بعض الأفارقة أو العرب أو الأوروبيين يريدون أن يتعرفوا على ما يسمى وجهة نظر
الجزائر في تفسير تاريخها وفي تسجيل احداثها فلا يجدون ذلك، فنحن لعلنا عندنا
حساسية من نوع خاص وهذه الحساسية تتمثل في الفردية، معناها يجب أن أكتب أنا تاريخ
الثورة من وجهة نظري… و ما يكتبه الرسميون أو أطراف اخرى قد لا يرضيني وأرفضه وهذا
في الحقيقة يدخلنا في حساسية مفرطة فردية عالجتها في بعض كتبي وتكلمت عنها من
الجانب التاريخي. نحن نخشى الكتابة كما شرحتها في إحدى المرات بعنوان (الخوف من
التاريخ) يعني نحن أحياناً نفضل أن نهمل التاريخ حتى نرضي بعض النزعات (يمكن
الفردية) في نفوسنا".
المحاور: "إلى أي مدى يمكن أن نخفي التاريخ هكذا؟".
الدكتور سعد الله: "يعني تاريخنا يشهد علينا لأن تاريخنا طويل،
قرون مرت وإذا دخلت إلى المكتبة ـ أي مكتبة ـ لتبحث عن تاريخ الجزائر كما كتبه
أبناء الجزائر فإنك تجد الجزائريين غائبين في هذه المكتبة وتجد كتاب (تاريخ
الجزائر) مكتوبا بأقلام أخرى وهذا هو الذي يجعل الآخرين يعتمدون باستمرار على
كتابة بعضهم بعض يعني أجانب مع أجانب وليس أجانب على جزائريين يعني يجب أن تكون
المرجعية والمصدر هو نحن.
فنحن الذين نكتب إذا عدنا
إلى تاريخنا الطويل (وليس إلى تاريخ الثورة فقط) فإننا نجد فراغا، يعني يمكن أن
نسميه فراغا في الحقيقة، وللأسف أنه حتى الذين كتبوا تاريخنا كجزائريين مثلا بوراس
الناصر الذي يعتبر من المؤرخين، كُتبه إلى الآن ما زالت مخطوطة لم تنشر بعد بينما
هي قد ترجمت من قبل الفرنسيين في القرن الماضي..
فنحن أهملنا لأننا لم نكتب، وحتى الذي غامر وكتب ظل مهملا إلى اليوم
بينما استفاد منه الآخرون كما ذكرت".
المحاور: "طيب أستاذ لو نأخذ مثلا الجزائر عندما تتعدد
انتماءاتها الإفريقية والمتوسطية العربية الإسلامية إلى غير ذلك لو نضعها تحت
المجهر ماذا يمكن أن نشاهد في تاريخنا؟ ".
الدكتور سعد الله: "الجزائر ما هي إلا نقطة تفاعل في الحضارات
التي مرت على الجزائر، منطقتنا جزء من كل، نتفاعل مع الحضارات المختلفة التي
تداولت ولنا مساهمة كبيرة في هذه الحضارة نحن عندنا انتماء مشرقي وانتماء أوروبي
وانتماء أفريقي أو جنوبي إذا صحت الجهات، الشرق والشمال والجنوب وبلادنا منذ
القديم وهي معبر أو مفترق طرق حضارات وهذا التفاعل الحضاري هو الذي جعل الجزائر
على ما هي عليه اليوم من تنوع!؟
وهناك تركيز أحيانا (لأغراض معينة) يأتي في بعض الأوقات مثلا هناك
مدرسة تسود الآن ظهرت في الشمال تقول بأن الجزائر تنتمي إلى العالم الشمالي ومن ثم
إذا استرجعنا تاريخ الرومان البيزنطيين والونداليين إلى آخره فنحن ننتمي إلى
أوروبا ولا يكتفون بذلك ولكن يسمونها مدرسة البحر الأبيض المتوسط ومن هؤلاء
"بروديل منتران"، "جاك بيرك" المستشرق المعروف، يعني يشيعون
إلى هذه المدرسة التي يسمونها (مدرسة البحر الأبيض المتوسط ) وكأن تغليب وجهة
معينة وخصوصا في الظروف الراهنة التي يأتي فيها الظرف الاقتصادي الظرف السياسي
النظام الجديد إلى آخره، تركيز على مثل هذه المدرسة يجعلنا كأننا نفقد شيئا فشيئا
عنصرا من عناصر الحضارة التفاعلية (إذا صح التعبير) التي نقدم فيها نحن شيئا ونأخذ
شيئا آخر ولذلك أنبه إلى أن هذه المدرسة ليست بريئة مئة في المئة رغم أنها في
الأساس صحيحة وهو أننا ننتمي إلى حضارة اليحر الأبيض المتوسط، أما التركيز عليها
في ظروف معينة وجعلنا ننقاد أو نكون تابعين إلى اتجاه معين فهذا ما لا نريد أن نقع
فيه !؟
فنحن كما قلت نأخذ من الشرق ومن الجنوب ومن الشمال بدون عقدة وبدون
حرج مادامت الجزائر تستطيع أيضا أن تقدم إلى هذه الاتجاهات تجربتها الحضارية".
المحاور: "المسألة في النظرة للأحداث والأشياء وحتى للانتماء بل
هناك نظرة مؤدلجة حتى للجغرافيا. مثلا هناك الذين درسوا في المشرق العربي بالخصوص
(أثناء ثورة التحرير) ويعودون بعد الاستقلال، وهناك من درسوا في الغرب ويعودون، ثم
هناك من درس في الغرب أعني أوروبا الغربية، وهناك من درس في أوروبا الشرقية، لمّا
يعود كل هؤلاء، كلٌ ينطلق وربما بصدق من أنه على بينة من الأمر، ولكن التاريخ يبقى
ضحية في مسألة مثل هذه؟".
الدكتور سعد الله: "هي صحيحة الظاهرة التي ذكرتها في الحقيقة
ظرفية، نسميها ظرفية لأنها في وقت كانت فيه الجزائر في حالة ثورة بالخصوص وهذه
ناحية، وناحية ثانية أن الجزائر يجب أن لا ينسى ماضيها. فمهما تبدلت به الأماكن في
ظرف عشر سنوات أو سبع سنوات من الثورة التي وزعت الجزائريين هنا وهناك من أجل طلب
العلم يجب أن لا تنسيهم العمق الشعبي الذي خرجوا منه، أنا شخصيا وأمثالي عشنا في
المشرق ولكنني أيضا عشت في الغرب في أيام الثورة وبعد الاستقلال، ولكنني عندما
أعود إلى الجزائر أحس بأنني أحس بهذا العمق الشعبي وأعود إلى بيئتي وإلى مؤثراتي ويظهر
لي كأن كل التأثيرات الأخرى سطحية أو غير جوهرية وإذا أثرت في العظم أو جعلت
الإنسان يغير مجرى حياته فهذا خطر وفيه شك يعني هو ما يسميه الاستلاب، يعني عند
عنوان آخر أن الإنسان يستلب ولا ينبهر بأشياء أخرى ويعود إلى بيئته ويريد أن يكيف
بيئته أو وطنه بالكيفية التي وجدها في بيئة أخرى، فبعيدا عن الاستلاب بعيدا عن
الانبهار أقول بأن طلب العلم شرقا وغربا وفي أوروبا، أمريكا واليابان إلى آخره،
يجب أن يكون هو رائد الشباب الجزائري وقد كان ذلك رائد مجموعة من الشباب الجزائري
خصوصا بعد الحرب العالمية الثانية للحاجة، نحن نعرف أن ذلك كان ضرورة لعدم وجود
العلم والمستويات المختلفة في بلادنا، ولذلك من حسن حظنا اليوم أننا نكوّن في
بلدنا ولا نتكون في الخارج إلا في ضرورات معينة".
المحاور: "المشكلة ربما عندما ندرس اليوم، هو أننا لا نذهب إلى
الغرب والشرق لكن الغرب والشرق يأتون إلينا ويُعلمون أبناءنا".
الدكتور سعد الله: "ولنا أيضا شباب في الغرب وفي الشرق يتعاطى
العلم إلى الآن. لكننا نقول بضرورة ما يمكن أن نسميه "تحصينا"، أي لا
نرسل شبابا لم يتكون تكوينا جيدا في بلاده لم يعش تجربة الوطن بكل ما فيها من ضعف
أو من قوة وعندما يذهب إلى الخارج يذهب وهو غير معتز. يجب أن يذهب وهو معتز بوطنه
وبلغته وبدينه وهو ما نسميه الأصالة، يجب ألا يستلب الإنسان من أصالته لأنه درس
فيه. هذا الشخص نسميه إمعة، هذا الإنسان الذي يغير جلده حيثما ذهب هذا يعني يفقد
قيمته في نظري على كل حال!!".
المحاور: "الدكتور أبو القاسم سعد الله قرأتم للمعري وقرأتم
لإليا أبو ماضي، كما قرأتم للمدرسة الوجودية فتأثرتم بسارتر وبألبير كامو وكافكا،
كما قرأتم بالانجليزية وأتقنتم هذه اللغة كذلك وتأثرتم بالحركة الرومانسية سواء
الفرنسية منها أو الألمانية، أعجبتم بالأدب الروسي بشقيه القيصري والبلشفي، بل
أبعد من هذا أنكم قرأتم الفرويدية. كيف نفسر أن النقاد يصنفونكم ضمن الفكر العربي
الإسلامي النير وكما نرى أن مرجعيتكم غالبيتها هي مرجعية غربية، هل نستشف هذه
الجدلية بين المرجعية وإنتاجات أبو القاسم سعد الله؟؟".
الدكتور سعد الله: "شكرا لكم على هذه الأسئلة وهذا السؤال
بالخصوص، في الحقيقة أن المثقف يجب ألا يقتصر على صنف معين من الثقافة، المثقف
الذي يريد أن يعيش العصر، وأنا في الحقيقة لا أريد أن أتكلم بضمير "أنا"
كشخص ولكن أتكلم كمثقف خرج إلى الوجود بحثا عن الزاد الثقافي أو الغذاء الثقافي
المتنوع. فكنت أقرأ كثيرا وأقرأ للغرب وللشرق وعندما لم أكن أعرف اللغة الأجنبية
كنت أقرأ الترجمات ثم عندما أتقنت اللغة الأجنبية أصبحت أقرأ بها، أعتقد بأن
الثقافة مجال مفتوح تفاعلي والإنسان يجب أن يعرف كل الحيثيات كل التفاصيل لمسار
الفكر الإنساني إذا استطاع، وفعلاً لم أقتصر على نوعية معينة رغم أن الثقافة
الأساسية ثقافة كلاسيكية كما لاحظتم، ثقافة جامع الزيتونة، ثقافة "دار
العلوم"... إلى آخره.. ولكن كنت في نفس الوقت أعيش في هذه الأجواء وأتابع
إنتاج الفكر الإنساني الأوروبي وغير الأوروبي ابتداء من الأغريقي والعربي الإسلامي
الذي اعتز به، وأعتقد أن الإنسان يجب أن يعيش الثقافة يعيش الحضارة، أما تصنيفه
كون بعض الناس يعتبرونني كذا أو يعتبرونني كذا فعلى كل حال هذه حرية الفكر وحرية
التعبير وحرية التصنيف أيضا إذا أراد بعض الإخوان بشكل ما أن يكونوا موضوعيين ولهم
نصوص أو لهم مقاييس موضوعية يعتمدون عليها لعل هذا بقية رواسب رغم كل ذلك من
المعرّي إلى سارتر كما قلت ومن النهيلية الروسية إلى ألبير كامو، في نظري ليس هناك
تناقض ما دام خط سيرنا الثقافي واضحا".
هنا انتهى اقتباسنا لبعض المقاطع من هذا الحوار الطويل الذي دام ساعة
كاملة وتكون في مجموعه من زهاء 6000 كلمة هي متضمنة بحرفيّتها في مكانها من الكتاب..
قلت لقد رفض هذا العالم العامل الزاهد المتبتل في محراب البحث العلمي والتنقيب على
الحقيقة في الوثيقة الأصلية بلغتها
العربية أو الأجنبية؟!
وأشهد عن علم أنه رفض كل المغريات
الدنيوية (الزائفة والزائلة) المُقدمة له من بعض الدول والهيئات الوطنية والأجنبية
كما هو معلوم ومذكور بالأدلة والشواهد الموثقة بخط يده في الكتاب، وقد فضل ما كان
يعتقد انه يمكث في الأرض ويخلد في تاريخ الوطن والأمة كأقرانه السابقين القدامى
واللاحقين الأقربين منهم والتابعين على نهجهم القويم إلى يوم الدين!
وإذا كان هذا العالِم الموسوعي قد خصّ الجزائر بموسوعة تاريخها
الثقافي الذي انجزه (في عشرة مجلدات كاملة) فضلا عن عشرات المؤلفات الأخرى في مختلف
المجالات ذات الصلة بالاختصاص والاهتمام المرتبط بالوطن والقضايا الكبرى والمصيرية
للأمة الصغرى والكبرى على رأي أستاذنا وأمامنا القدوة عبد الحميد بن باديس رحمه الله في المجاهدين الصادقين في كفاحهم ودفاعهم عن الوطن والدين كدأب كل أعلام
الأمة أجمعين، فقد قام شيخ المؤرخين بهذا العمل الموسوعي لوحده بإرادته الفذة والذي تنوء بجمع مادته العلمية ميزانيات العديد من الدول الواهنة في أمتنا
الراهنة، كما هو ثابت في الكتاب بخط يده دون شك وارتياب ونحن على ذلك من الشاهدين
بالوثائق الأصلية التي تثبت صحة الخبر
اليقين..
إذا كان الأمر كما هو واقع بالفعل والذي عايشنا بعضه أثناء إنجازه في
الجزائر أو في القاهرة، فلا أقل من أن يجازى عنه (رمزيا) من صديق وفيّ يُجمِل كلًٍ
أو جلً أعماله في كتاب يلخص أهم مراحل حياته، ببعض التفصيل من الميلاد إلى ما قبل
الرحيل، في هذا السفر المتواضع الذي يمكن أن يطلق عليه صفة "موسوعة الموسوعة"
بحيث من الله علي بما وفره لي من الظروف المريحة (صحيا وماديا) في مدينة لندن الجميلة
والآمنة لإنجازه كعربون وفاء وجزاء في حق هذ الرجل الكبير، فأخصه بأضخم كتاب
أصدرته في حياتي من حيث الحجم وعدد الصفحات التي تناهز الألف صفحة من الحجم الكبير للتعريف بأعماله في حياته
المليئة بالإنجازات كشأن جميع الخالدين في التاريخ من امثاله (كل في مجال اختصاصه
واهتمامه) كفرد موهوب في أمة حية ولودة للعظماء والنجباء عبر تاريخها المديد الذي ما يزال يتطلب ويستحق
المزيد في كل مجال وقطاع كأمواج البحر المتجددة الحركة والعطاء دون انقطاع!؟
إن هذا البحاثة الدؤوب الغزير الإنتاج للروائع والبدائع ليمثل عندنا
بحق أحد الأهرامات أو الجبال البشرية الشامخة الشاهقة وليست الحجريّة الجامدة
التابعة للجغرافيا الخاضعة للزلازل
الطبيعية (اللاإرادية) الواقعة على الإنسان دون حول ولا قوة منه لردها...!
في حين أن الجبال البشرية الناطقة الفاعلة كدأب صاحبنا فهي تابعة
للتاريخ الحي الإرادي الذي لا يخضع لأية زلازل طبيعية مهما عُتّم عليه أو عليها
ببعض السحب (الاصطناعيّة ) العارضة
العابرة للمكان والتي قد تحجبه عن عميان الأبصار والبصائر في غفلة من الزمن
الرديء، إلا أنها لا تلبث أن تنقشع وتزول مهما بدت حاجبة لحقيقة السماء الزرقاء
فوق الجبال البشرية الشماء الصانعة
للتاريخ والكاتبة له بإرادة أبنائه الأصلاء من الرجال والنساء تحت سمائه الصافية
وشمسه الحارقة...!
ولذلك نحن نعرف تاريخ الزلازل ولا نعرف زلازل التاريخ على الإطلاق
لأن التاريخ فعل إرادي بشري بأمر وتوفيق قدري…! وإذا أمكن لأي مخلوق أن يتحكم فيما
سيكون بعرقلة حدوثه في الواقع (الحاضر أو المستقبل)، فإنه من المستحيل على أية قوة
أو سلطة زمنية أو قدرة بشرية أن تلغي الحدث الذي قد وقع بالفعل في التاريخ وجعله
كأنّه لم يقع أصلا.. ولم يكن موجودا يوما!؟ فذلك من المستحيلات كأن ينفي أحدهم مثلا وقوع طوفان نوح في
الماضي او طوفان الأقصى في الحاضر الذي عرفنا بدايته ولا نعرف نهايته القريبة او
البعيدة (التعيسة أو السعيدة ) لأهل الخير
أو أهل الشر من الفسطاطين المتقابلين والمتصارعين إلى يوم النفخ في الصور ويوم الدين والنشور وبعث كل من في القبور!؟