يمكن القول بأن مذكرة التفاهم الموقعة بين
الولايات المتحدة وجمهورية
إيران الإسلامية بقصر فرساي بفرنسا ليلة الأربعاء 17
يونيو فاجأت العديد من المراقبين بمضامينها التي تبدو مستجيبة للشروط الإيرانية
ومراكمة لمكتسبات آنية وأخرى مستقبلية، وهو ما سيتضح أكثر مع نتائج المفاوضات التي
انطلقت في جنيف بسقف زمني محدد في ستين يوما قابلة للتمديد.
من منظور النظرية الواقعية، فإن السياسة
الدولية باعتبارها صراعا دائما على القوة والنفوذ فإن هذه المذكرة ليست سوى حلقة
في سلسلة مفاوضات هدفها الأعمق هو إعادة توزيع أدوار الفاعلين الرئيسيين في النظام
الإقليمي، وليس فقط ضبط سلوك طرف بعينه، فالإقليم لا يدار فقط بتوازن قوى عسكري،
بل باعترافات متبادلة بدور الفاعلين، وهذا ما تسعى إيران إلى ترسيخه، وما تحاول
واشنطن احتوائه.
مفاوضات على شكل النظام الأمني الجديد في
المنطقة..
المفاوضات بين الإدارة الأمريكية والجمهورية
الإسلامية الإيرانية، ليست مفاوضات تقنية مرتبطة بالبرنامج النووي أو مستوى
التخصيب أو مدى البرنامج الصاروخي لإيران وغيرها من القضايا "التقنية"
وإنما هي مفاوضات على شكل النظام الأمني الجديد في المنطقة وتحديدا في الخليج، أو
بمعنى آخر: من يملك الشرعية الإقليمية في تعريف الأمن في المنطقة؟ فالإقليم لا
يُدار فقط بتوازن قوى عسكري، بل باعترافات متبادلة بأدوار الفاعلين الرئيسيين.
المفاوضات بين الإدارة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، ليست مفاوضات تقنية مرتبطة بالبرنامج النووي أو مستوى التخصيب أو مدى البرنامج الصاروخي لإيران وغيرها من القضايا "التقنية" وإنما هي مفاوضات على شكل النظام الأمني الجديد في المنطقة وتحديدا في الخليج، أو بمعنى آخر: من يملك الشرعية الإقليمية في تعريف الأمن في المنطقة؟ فالإقليم لا يُدار فقط بتوازن قوى عسكري، بل باعترافات متبادلة بأدوار الفاعلين الرئيسيين.
إيران تخوض هذه المفاوضات وهي تنظر إلى
نفسها باعتبارها دولة نجحت في فرض حضورها الإقليمي فعليا، وتريد ترجمة هذا الحضور
إلى اعتراف دولي بدور أمني مشروع، أما الولايات المتحدة فقد اضطرت إلى العودة إلى
المفاوضات بعد فشلها في حسم الصراع عن طريق أسلوب الحرب الخاطفة، ولذلك فهي تحاول
منع هذا الاعتراف دون الانزلاق إلى حرب شاملة مكلفة وغير مضمونة.
نحن أمام مفاوضات تبدو في ظاهرها لوقف الحرب
نهائيا، ولكنها في جوهرها تتمحور حول مدى استعداد واشنطن لتقبل بإيران شريكا
معترفا به في أمن الخليج..
التصور الإيراني للمفاوضات ينطلق من اعتبار
العقوبات المفروضة عليها كنتيجة لغياب الاعتراف بهذا الدور، ولذلك تتحرك طهران وفق
منطق يستند على سردية ثلاثية: القدرة على الصمود أمام العقوبات، والتوفر على عمق
جيوسياسي عبر وكلاء وحلفاء، وأي معادلة أمنية في الخليج غير قابلة للتطبيق دون
إيران، وبالتالي فإن المفاوضات تأتي لحصد الاعتراف بالدور الإيراني أساسا، خصوصا
بعدما "نجح في توظيف الجغرافيا السياسية (مضيق هرمز) كورقة للضغط ونجح في
تحويل القدرة على إطالة الصراع إلى ورقة شرعية سياسية.
أما منطق التفاوض لدى الولايات المتحدة
فيهدف إلى احتواء الدور الإيراني دون الاعتراف به، ولذلك فإن صانع القرار الأمريكي
يجد نفسه أمام ثلاث خيارات معقدة: الحرب الشاملة مع إيران وهو ما تعرف أنه سيفجر
المنطقة فضلا عن كلفته العالية، الاعتراف بإيران كشريك أمني وهو ما يعني إعادة
هندسة كاملة لعلاقاتها التقليدية مع دول الخليج، تجاهل إيران بشكل نهائي، وهو ما
لم يعد ممكنا بعد حرب الأربعين يوما.
لذلك تسعى واشنطن إلى صيغة بديلة، وهي:
إدارة النفوذ الإيراني دون منحه شرعية نظامية، أي القبول بوجود إيران كواقع، لكن
مع رفض تحويل هذا الواقع إلى "دور معترف به"، وهذه المعضلة هي التي تمثل
عقدة المفاوضات الجارية.
ولذلك فإن السيناريوهات المحتملة بعد
المفاوضات لن تخرج من الناحية النظرية عن: الاعتراف الضمني بالدور الإيراني، وفي
هذا السيناريو تقبل واشنطن بصيغة غير معلنة تجعل إيران جزءا من ترتيبات أمن
الخليج، وذلك عبر: تهدئة في اليمن والعراق وضبط سلوك الوكلاء وتفاهمات بحرية
وأمنية غير مباشرة، وهو ما يمكن أن يسمح بتشكل نظام أمني خليجي ثنائي القطبية
(عربي-إيراني) برعاية أمريكية.
أما السيناريو الثاني فهو إدارة الصراع طويل
المدى أي لا حرب ولا اعتراف، بحيث تعود أمريكا إلى منطق العقوبات وتستمر في
الضربات غير المباشرة بالموازاة مع المفاوضات دون حسم، وهو ما يعني بقاء الخليج في
حالة سيولة استراتيجية مزمنة.
أما السيناريو الثالث، فهو الانفجار
الإقليمي وذلك بعد فشل التفاهم الذي قد يؤدي إلى مواجهة واسعة، تُفرض بعدها
ترتيبات أمنية بالقوة، لكن هذا السيناريو يبدو هو الأقل ترجيحا لأن كلفته عالية
على الجميع.
لكن ما المطلوب عربيا؟
في الحاجة لنظام أمني عربي لتغيير المعادلة..
خارج هذه السيناريوهات فإن المطلوب عربيا هو
العمل على تغيير هذه المعادلات بشكل جذري وذلك عبر تشكيل محور عربي موازي..
لا يمكن تغيير المعادلة الراهنة بشكل جذري
إلا بتشكل محور عربي منسجم، فبدل ثنائية أمريكا-إيران، تصبح المعادلة ثلاثية
الأقطاب بإضافة المحور العربي، وهو ما يفقد إيران ورقة "الفراغ العربي"
كما يفقد واشنطن ورقة "الاعتماد الكامل".
المؤشرات الداعمة لهذا التصور تستند إلى
مجموعة من المقومات، أولها الدور المحوري لمجلس التعاون الخليجي، فالمجلس هو
الإطار المؤسسي الوحيد القادر فعليا على بناء عقيدة أمنية جماعية وتطوير بنية
دفاعية موحدة، ولم لا الانتقال من الحماية الأمريكية إلى الشراكة الاستراتيجية،
وهو ما يستلزم منه التحول من إطار تنسيقي إلى تكتل أمني- استراتيجي، مع توحيد
الرؤية الخليجية بعيدا عن الحلول الانفرادية التي قد تبدو مغرية -ظرفيا- ولكنها
عديمة الجدوى على المستوى الاستراتيجي.
لا يمكن تغيير المعادلة الراهنة بشكل جذري إلا بتشكل محور عربي منسجم، فبدل ثنائية أمريكا-إيران، تصبح المعادلة ثلاثية الأقطاب بإضافة المحور العربي، وهو ما يفقد إيران ورقة "الفراغ العربي" كما يفقد واشنطن ورقة "الاعتماد الكامل".
ثانيا، هناك الامتداد المغاربيـ المصري،
وهنا تبرز أهمية ربط المجلس بفضاء مغاربي-مصري عبر اتحاد المغرب العربي كإطار
جغرافي ـ سياسي، ودور محوري لـ جمهورية مصر العربية كقوة استراتيجية.
ويمثل التقارب المتنامي بين المغرب وجمهورية
مصر العربية حالة نموذجية لممكنات التكامل الاقتصادي العربي بوصفه قاعدة للأمن
الجماعي، فالتكامل في الموانئ، الطاقة، سلاسل الإنتاج، والبنية التحتية العابرة
للأقاليم، لا يخدم الاقتصاد فحسب، بل يعيد توزيع موازين القوة ويولد إرادة سياسية
جماعية.
صحيح أن النزاع حول الصحراء يمثل عقبة
بنيوية أمام أي انسجام مغاربي، غير أن التطورات المرتبطة بهذه القضية بعد قرار
مجلس الأمن رقم 2979، وإعادة إطلاق المسار التفاوضي، تفتح نافذة تحوّل مهمة، يمكن
أن تسهم في رفع منسوب الثقة بين المغرب والجزائر، وإعادة توجيه الموارد نحو
التكامل بدل الصراع، وفي هذه الحالة يصبح اتحاد المغرب العربي رافعة فعلية لعمق
استراتيجي داعم للخليج.
وعليه، فإن تسوية هذا النزاع ليست شأنا
محليا خالصا، بل شرطا استراتيجيا لبناء قدرة تفاوضية عربية مشتركة في مواجهة القوى
الإقليمية والدولية..
إن من شأن هذا الامتداد أن يحقق عمقا
استراتيجيا عربيا يوازن إيران، كما يوفر استقلالية نسبية عن المظلة الأمريكية،
ويمنح للعرب قدرة تفاوضية أعلى في أي حوار إقليمي، ويعيد تعريف العلاقة مع واشنطن
كشراكة لا تبعية.
ماذا عن الدور التركي في المرحلة المقبلة؟
في خضم هذه التحولات تبرز تركيا كفاعل
إقليمي غير عربي وغير إيراني، وهي فاعل قادر على التأثير في توازنات الخليج دون
الاصطفاف الكامل، فهي عضو في حلف شمال الأطلسي، وترتبط بعلاقات مركبة مع طهران،
ولها حضور عسكري في الخليج عبر قطر، وعلاقات متقدمة مع عدة عواصم خليجية ومغاربية.
ولذلك فإن وجود تركيا يضعف منطق ثنائية
أمريكا-إيران، عبر توفير خيار ثالث داعم لاستقرار الخليج. وفي حال تشكل محور عربي،
يمكن أن تتحول العلاقة مع أنقرة إلى شراكة استراتيجية داعمة لردع الاستقرار عبر
الصناعات الدفاعية والتدريب دون شروط سياسية ثقيلة.
كما تمتلك تركيا قنوات مع واشنطن وطهران
والعواصم العربية، ما يؤهلها للعب دور مخفف للتصعيد في حال تعثر المسار التفاوضي.
والخلاصة
ينبغي النظر إلى مذكرة التفاهم الأمريكية
الإيرانية باعتبارها مرآة لتحول في بنية النظام الإقليمي، خرجت منه إيران بقوة
تفاوضية غير مسبوقة، وأمريكا تحاول إدارة هذا التحول دون خسارة كاملة للنفوذ، أما
العرب، فخيارهم ليس بين الانحياز لأمريكا أو إيران، بل بين بناء محورهم الخاص أو
البقاء في هامش المعادلة الجديدة.
المطلوب اليوم ليس قراءة البنود الأربعة
عشر، بل قراءة الفراغ الأمني العربي، وكيفية ملئه بإرادة سياسية جماعية، عمقها
اقتصادي، وبعدها أمني- استراتيجي، وامتدادها من الخليج إلى شمال إفريقيا، مع شراكة
تركية مرنة، ووعي بأن الأمن لم يعد يمنح من طرف القوى الكبرى، بل يبنى بالتعاون
والتكامل والنفس الطويل.